السودان وتشاد.. على حدود النار   
الجمعة 1435/1/20 هـ - الموافق 22/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 18:05 (مكة المكرمة)، 15:05 (غرينتش)
منى عبد الفتاح

 

زلزلة الاتفاقات
أزمة الحدود أو كرة النار
لقاء أم جرس.. ناقوس الخطر

التاريخ وحده لا يشفع لتحقيق علاقات متينة بين دولتي السودان وتشاد حتى ولو خدمت ذلك الجغرافيا والحدود المشتركة، فللسياسة حسابات أخرى خاصة إذا توفر عنصر الاضطراب وتعقدت الأزمات.

فقد عملت أزمة دارفور التي اندلعت منذ العام 2003م على توسيع رقعة الاتهامات بين السودان وتشاد، وهاهي تشاد الدولة الجارة للسودان من جهة الغرب تلعب بالبطاقة القبلية على حدود التماس لخدمتها في حالة الوئام كما كان يفعل في حالات الخصومة.

زلزلة الاتفاقات
لم تبدأ الخلافات في عهد الرئيس الحالي إدريس دبي، الذي آوته الخرطوم لاجئا بعد فشله في انقلاب عسكري عام 1989م ضد نظام الرئيس السابق حسين حبري، وإنما سبق تاريخها ذلك عندما اتهم الرئيس حسين حبري الخرطوم بإيواء مسلحين معارضين لبلده.

ومنذ إطاحته بحكم الرئيس حسين حبري وتولى الحكم في تشاد عام 1990م، فإنّ الرئيس إدريس دبي يواجه مشكلات عميقة مع السودان، بدأت باتهام تشاد للسودان بالهجوم على بلدة الطينة الحدودية في 2004م، واتهام السودان لتشاد بالضلوع في حرب دارفور، وذلك بالرغم من توقيع الخرطوم وإنجمينا على اتفاقية أمن وتعاون سياسي في العام نفسه.

لأكثر من عقدين من الزمان تتأرجح العلاقة بين الرئيسين السوداني عمر البشير والتشادي إدريس دبي، اللذين جاءا إلى الحكم بانقلابين عسكريين، بين اتهامات كل طرف بإيواء معارضي البلد الآخر، وتصل إلى إغلاق القنصليات بالبلدين وقطع العلاقات الدبلوماسية

ولأكثر من عقدين من الزمان تتأرجح العلاقة بين الرئيسين السوداني عمر البشير والتشادي إدريس دبي اللذين جاءا إلى الحكم بانقلابين عسكريين، بين اتهامات كل طرف بإيواء معارضي البلد الآخر، ثم تصل إلى إغلاق القنصليات بالبلدين وقطع العلاقات الدبلوماسية.

وبين الصراع ثم القطيعة كان اتفاق مكة في مايو/أيار 2007م، الذي تم انتهاكه بقصف تشاد لمتمردين داخل الحدود السودانية، مما اعتبره السودان انتهاكا لحدوده، وقام السودان على إثرها بتقديم شكوى ضد تشاد أمام الأمم المتحدة متهما إياها بانتهاك حدوده.

ثم كان توقيع اتفاقيات عبر وسطاء إقليميين لإنهاء الخلاف، إلى أن وصل الطرفان المتنافران أخيرا إلى توقيع اتفاق مصالحة في دكار في 14مارس/آذار 2008م، وتم التوقيع بمباركة الرئيس السنغالي عبد الله واد، وذلك على هامش قمة منظمة المؤتمر الإسلامي وبحضور أمينها العام إكمال الدين إحسان أوغلو والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ونص الاتفاق على ضبط حدود البلدين وعدم دعم حركات التمرد في كليهما.

وبالرغم من أنّ اتفاق مكة كان أكثر تفصيلا في بنوده وتحقق له بند الاحترام لتوقيعه في البقعة المقدسة، إلا أنّ تشاد نقضته بقصفها الحدودي على السودان، مما جعل الرئيس السوداني لا يتحمس ولا يعطي كامل ثقته لاتفاق دكار إلا بعد جملة من الضغوط التي أحاطت بتوقيع الاتفاق.

ويعتبر اتفاق دكار هو السادس من نوعه لوقف دعم كل طرف لمتمردي البلد الآخر وعدم انتهاك حدود البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الآخر.

وتم وفقا للاتفاق إنشاء مجموعة اتصال هدفها متابعة وتنفيذ الاتفاق ومراقبة أي انتهاكات محتملة.
وتتولى رئاسة هذه المجموعة السنغال الوسيط الأساسي في المفاوضات الأخيرة، وتضم كلا من ليبيا والكونغو، بالإضافة إلى الغابون وإريتريا والاتحاد الأفريقي، وتجمع دول الساحل والصحراء والمجموعة الاقتصادية لأفريقيا الوسطى.

لم يتم تنفيذ اتفاق دكار لأنّه كان فاقدا للإرادة السياسية مع استمرار عدم الثقة بين الطرفين مدعما بموقف جماعات المتمردين، وتحفظ الخرطوم بسبب علاقة تشاد المتشابكة مع الدول الغربية.

هزّت الخرطوم غزوة أم درمان والتي حدثت في العاشر من مايو/أيار 2008م، فاتهمت انجمينا بدعم الهجوم الذي نفذه متمردو حركة العدل والمساواة على مدينة أم درمان العاصمة الوطنية للسودان، فيما اتهمت تشاد السودان بالسماح للمتمردين التشاديين بشن هجمات انطلاقا من أراضيه.
وفي مايو /أيار 2009م تم توقيع اتفاق للمصالحة بين السودان وتشاد في الدوحة برعاية قطرية - ليبية.

وقد حث اتفاق الدوحة الطرفين على إسراع تنفيذ الاتفاقيات السابقة بينهما، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وعدم اللجوء لاستخدام القوة.

كما تضمن توصية الدول الداعمة للاتفاق بتوفير الدعم المادي واللوجستي لتسهيل مهام المراقبين، ووقف الحملات الإعلامية السالبة وتشجيع الإعلام الإيجابي الذي يساعد على توطيد أواصر الأخوة بين البلدين، ثم تم تتويجها بالزيارات الدبلوماسية المتبادلة.

أزمة الحدود أو كرة النار
تعكس حالة الحدود بين السودان وتشاد علاقات البلدين فتكون في وئام إذا سادت حالة التعايش السلمي بين القبائل على الحدود المشتركة، وتدخل في حالة اضطراب عندما يسهل التداخل أيضا فيما بينها في حالة الأزمات، ولجوء معارضي الدولة للإقامة في الدولة الجارة عبر هذه الحدود، التي يسهل اختراقها ويجدون من يأويهم ويحتوي معارضتهم بسلاحها وعتادها.

تعكس حالة الحدود بين السودان وتشاد علاقات البلدين، فتكون في وئام إذا سادت حالة التعايش السلمي بين القبائل على الحدود المشتركة، وتدخل في حالة اضطراب في حالة الأزمات، ولجوء معارضي الدولة للإقامة في الدولة الجارة عبر هذه الحدود، التي يسهل اختراقها

وبالنظر إلى هذا الوضع فإنّه يتضح عمليا أنّ كل المشاكل بين البلدين سببها هذه الحدود التي يسهل اختراقها من الجانبين، نسبة لانقسام القبائل وتوزعهم بين البلدين وعلى طول الشريط الحدودي.

وبهذا الوصف المرادف لطبيعة الأحداث على الحدود من تعايش وتوتر، نجد أنّ هناك عدة عوامل أسهمت في الشد والجذب في العلاقات، وهذه العوامل هي عوامل أمنية تتمثل في احتواء معارضة البلدين، وعوامل اقتصادية تتمثل في النزاع على ملكية الأراضي الزراعية المتداخلة، واجتماعية تتمثل في وجود القبائل المشتركة وما ينشأ بينها من صراع من أجل البقاء والتكتل القبلي.

وبذلك تصبح دولة تشاد بالنسبة للسودانيين وكأنها ترتكز عند الخط الحدودي لإقليم دارفور، كما يتم اختزال السودان كله عند التشاديين في المنطقة المكونة لإقليم دارفور.

تبع مساعي الإصلاح السياسي بين البلدين تقارب أمني تمثل في التوقيع على بروتوكول تأمين الحدود عام 2010م بين السودان وتشاد، فبالإضافة إلى الاتفاق على وقف أي دعم لحركات التمرد، وضع السودان وتشاد جدولا زمنيا لتشكيل قوات مشتركة من البلدين لتأمين حدودهما، وذلك بتبادل قيادة القوات كل ستة أشهر من مقر هذه القوات بمدينة الجنينة غرب دارفور.

كانت الاتفاقية الأمنية أساسا بين السودان وتشاد، ونشر بموجبها البلدان قوات مشتركة لمنع أي قوى معارضة لكل من النظامين من عبور الحدود بين البلدين.

وفي قمة الخرطوم في مايو/أيار2011م تم تفعيل إنشاء القوات المشتركة لحماية الحدود، كما تم تنشيط البروتوكول العسكري بين السودان وتشاد، وإشراك جمهورية أفريقيا الوسطى ضمن منظومة القوات المشتركة السودانية التشادية.

وجاء إشراك جمهورية أفريقيا الوسطى الموالية لتشاد في هذه الاتفاقية، التي أصبحت ثلاثية بدلا من ثنائية برغبة الرئيس إدريس دبي، الذي دعم تغيير نظام الحكم هناك بجيشه في مارس/آذار الماضي، وذلك حتى يقضي على الاضطرابات الأمنية في أفريقيا الوسطى والتي فتحت جبهة أزمة أمنية كبيرة لتشاد من جهة الجنوب على حدود البلدين الواسعة، كإضافة إلى معاناة تشاد من جهة الحدود الشرقية التي تربطها بالسودان وتتركز فيها أيضا هجمات المتمردين.

لقاء أم جرس.. ناقوس الخطر
أثار بعض التغيير الإيجابي في وتيرة العلاقات بين السودان وتشاد في الآونة الأخيرة حفيظة المراقبين، خاصة وأنّ أغلب اتفاقات الصلح السابقة بين الطرفين كانت دوما ما تحمل نعش فشلها في جوفها.

والأغرب كذلك أنّ الأسباب التي تكدّر صفو العلاقات بين البلدين ما زالت قائمة، وهي الأزمة الدائمة والاتهامات المستمرة باحتواء كل بلد لمتمردي البلد الآخر. وبهذا الوضع الجديد فإنّ المشكلة ما تزال شاخصة دون حلّ لأنّ الرئيس إدريس دبي لا يستعدي الحركات المسلحة في دارفور على نظام السودان فحسب، وإنّما يحاول أن يمارس وصايته عليها وعلى إقليم دارفور بأكمله.

وما شجع الرئيس التشادي على ذلك هو أنّه يحمل صكّ انحداره من قبيلة الزغاوة، التي تنتمي إليها كل من حركة العدل والمساواة، وحركة جيش تحرير السودان، كما يعتمد الجيش التشادي على أبناء هذه القبيلة، وبالتالى فإنّ حضور هذه القبيلة وتداخلها بين الدولتين يمثل درجة كبيرة من الأهمية لكل من السودان وتشاد.

ويمر التصالح بين الطرفين بأحداث دراماتيكية ملحوظة، حيث توسطت تشاد العام الماضي بين فصيل منشق عن حركة العدل والمساواة بقيادة محمد بشر للتفاوض مع الخرطوم، ووصلت إلى مرحلة التوقيع على اتفاقية سلام في أبريل/نيسان الماضي. ولكن بعد مقتل بشر في مايو/أيار الماضي برزت بعض الأخبار عن نشر قوات من الجيش التشادي في مناطق مختلفة من دارفور لملاحقة مقاتلي حركة العدل والمساواة وطردهم من الإقليم.

أما وقد جاءت مرحلة كشف أوراق اللعب بعد أن سادت المودة بين الرئيسين السوداني والتشادي، فقد تم تنظيم لقاء سمي "المؤتمر الجامع لأبناء قبيلة الزغاوة" في مدينة أم جرس الحدودية داخل تشاد في الفترة من 25 إلى 27 اكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ضم المؤتمر قيادات قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها الرئيس دبي بمشاركة كل من وزير الدولة أمين حسن عمر المكلف بملف السلام في دارفور ورئيس السلطة الإقليمية ووزير العدل السوداني التيجاني السيسي  بشير آدم دوسة، وشهده بالإضافة إلى أعيان قبيلة الزغاوة، رجال دولة عسكريين ومدنيين من الجانبين السوداني والتشادي.

القوة التي اتفق الطرفان على تشكيلها ستكون تحت إمرة دولة تشاد ورئيسها إدريس دبي، وسيحق لها بالتالي - من أجل محاربة هذه الحركات- التوغل داخل الأراضي السودانية، مما سيضع الإقليم المنكوب تحت الوصايا الدولية، ولكن هذه المرة بسبب التدخل الأجنبي

ولم يكن غرض اللقاء مناقشة شأن القبيلة بقدر ما تعرض إلى قضية دارفور والحركات المتمردة تحت تنظيم الجبهة الثورية.

تم عكس ذلك في مناقشة زعماء القبيلة بضرورة العمل لإحلال السلام في إقليم دارفور وعدم دعم الحركات المسلحة التي وصفوها بالمهددة للأمن في المنطقة والعائقة للتعاون في الإقليم.

هذا الوصف أثار حفيظة حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان (جناح مناوي) بسبب هذا التدخل الذي وصفوه بالسافر في شأن داخلي وهو نزاع إقليم دارفور، واتهموا الرئيس دبي بمساندته لحكومة البشير واعتبروه شريكا في الجرائم التي ارتكبت هناك مما يضعه في خانة المطالبة الجنائية الدولية وضرورة مساءلته قانونيا أسوة بالرئيس البشير.

ووفق البيان الذي وقعه رئيس حركة العدل والمساوة جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي رئيس أحد فصائل حركة تحرير السودان، تم توجيه التهمة للرئيس التشادي بالتورط في جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية في دارفور، منذ إعلان الفاشر2004م ومشاركته فعليا في تدشين حملة التطهير والإبادة.

وقال البيان إنّ دبي قد اعترف خلال لقاء أم جرس بمشاركته في كل الفظائع التي ارتكبت في دارفور.

وباتفاق السودان وتشاد في هذا المؤتمر على وقف دعم الحركات المسلحة، وإنشاء قوة مسلحة تعمل على منع تسلل أفراد هذه الجماعات عبر حدود البلدين، تكون قد اجتمعت كلمتا الرئيسين ضد الحركات المتمردة في محاولة إصابتها بسهم القبيلة الذي لا يخطئ.

وهذه القوة سوف تكون تحت إمرة دولة تشاد ورئيسها إدريس دبي وسيحق لها بالتالي - من أجل محاربة هذه الحركات- التوغل داخل الأراضي السودانية، مما سيضع الإقليم المنكوب تحت الوصايا الدولية ولكن هذه المرة بسبب التدخل الأجنبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة