الأسد.. دولة على مقاس انتخاباته   
الثلاثاء 15/7/1435 هـ - الموافق 13/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)
غازي دحمان


يتزامن إعلان نظام الأسد عن نيته إجراء انتخابات رئاسية جديدة مع اكتمال ارتسام خارطة جغرافية جديدة تضمن نجاح هذا الاستحقاق، واستيعاب مترتباته، مما يعني أننا أمام حالة يمكن وصفها بصناعة سورية جديدة، يجري تصميمها وفق مواصفات معينة وشروط مسبقة.

وهذه الحالة الفريدة يجري فيها تطويع الجغرافيا وصياغة الديمغرافيا وفق قوالب وهندسات مسبقة التصميم، حالة لم تحصل حتى في ذروة الزمن الفاشي في أوروبا والذي مثلته الهتلرية في أقصى درجات عنفوانها.

لا يستطيع نظام الأسد العيش خارج أطر سوريا الأسد، سوريا ما لم تكن بذلك تصبح بيئة معادية وجغرافية لا لزوم لها، ويصبح دمارها أو حرقها نتيجة طبيعية لهذا الخروج، لذا على الدوام، سعى الأسدان، الأب والابن، إلى تكييف الوقائع السورية بما يتناسب وحلمهما السلطوي العائلي، وقد صرفا في سبيل هذا الأمر ما لم يصرفاه على أي مجال آخر، بل بما يوازي ويفوق كل المجالات الأخرى.

دوما كانت سوريا الأسد أهم بكثير من سوريا الوطن وأسمى وتستدعي شراسة أكبر في الدفاع عنها من سوريا الوطن، فاحتلال إسرائيل لجزء من سوريا الوطن احتمل أربعة عقود ولم يكن ثمة حاجة لاستردادها

وعلى الدوام كانت سوريا الأسد أهم كثيرا من سوريا الوطن وأسمى وتستدعي شراسة أكبر في الدفاع عنها من سوريا الوطن، احتلال إسرائيل لجزء من سوريا الوطن احتمل أربعة عقود ولم يكن ثمة حاجة لاستردادها، ولم يشكل ذلك خطرا داهما، وخروج الأطفال والشباب بمظاهرات ضد سوريا الأسد استدعى استنفار كل الطاقات وحرق الحجر والبشر دفاعا عن سيادة سوريا الأسد.

في التطبيق العملي لذلك، يكشف مسار الحراك العملاني لقوات النظام والأطراف المؤيدة له، عن مساع حثيثة لتشكيل بنية سوريا جديدة، جغرافيا واجتماعيا، في الشكل لا تنطبق على حدود انتشار الوطنية السورية بحدودها الجغرافية ما بعد الاستقلال عن فرنسا، وبالتالي فهي بنية مفارقة للحالة التاريخية السورية وتنذر برسم معالم جديدة ليس لسوريا وحسب وإنما على المستوى الإقليمي الأشمل، أما في المضمون فهي بنية مختلطة ببعد وظيفي واحد يهدف إلى صياغة سوريا جديدة مؤيدة ومتماسكة مقابل سوريا متمردة ومشتتة.

دولة النظام تلك ليست دولة طائفية على ما حاولت الكثير من التحليلات تسليط الضوء عليه، وإن كانت تنطوي على سيطرة عسكرية وسياسية لطائفة مقابل تهميش طوائف أخرى، فهي وفق المنظومة الجغرافية التي يراد تكريسها بها تبدو دولة ما فوق طائفية، متجاوزة للطوائف، وذلك لاشتمالها على طيف واسع من المكونات السورية، أو جميع المكونات التي تقع في مدار هلال الجغرافيا المستهدفة، في حين تبدو ذات طبيعة أيديولوجية، سواء لجهة انطوائها على الفئات المؤيدة لنظام الحكم، أو لجهة ارتباطها الجغرافي والديمغرافي بالشرايين الاجتماعية وطرق المواصلات الخاصة بما يسمى حلف الممانعة.

من دمشق جنوبا إلى شواطئ المتوسط غربا، وما بينهما القلمون وحوض العاصي، ترتسم دولة النظام، المواقع الخارجة عن هذه الخريطة لا تعدو سوى كونها ثغورا أو قواعد متقدمة للدفاع عن حدود هذه الدولة، في الجنوب لجهة القنيطرة أو درعا، وفي الوسط والشمال باتجاه إدلب وحلب، جل النشاط والفعالية العسكرية لقوات النظام تتركز في هذه المناطق، كما توجد هناك أيضا أكثر مواقعه العسكرية أهمية، إضافة لذلك تقع ضمن هذه المنطقة شبكة خطوط مواصلاته التي تربطه بحلف الممانعة، سواء عبر القلمون بجبال لبنان الشرقية وحليفه حزب الله، أو عبر ريف حمص الشرقي الذي يصله بالعراق، أو من خلال المنفذ على العالم الخارجي عبر موانئ البحر المتوسط.

غير أن البعد الأيديولوجي في حالة الصراع القائمة ينطوي -وهذه حقيقة واقعية- على بعد مذهبي، بحيث تصادف أن الحدود وطرق المواصلات التي تتضمنها دولة النظام، هي أيضا حدود الفصل بين بعض المكونات في المنطقة، كما أن طرق المواصلات تكمن أهميتها اللحظية في مدى ضخها للقوة البشرية القادمة للدفاع عن النظام، سواء لجهة لبنان أو العراق، والأمر نفسه ينطبق على حدود سوريا الخارجة عن سيطرة النظام، ذلك أن وظائف طرق مواصلاتها هي ذات الوظائف السابقة من حيث استخدامها ممرا يعبر عليه المقاتلون المؤيدون للثورة، وإن غلب على أولئك القادمين انتماؤهم لمكون مذهبي مقابل.

وإذا كانت دولة النظام تأخذ الكثير من تعييناتها ومواصفاتها، ليس من تشكّلها وحسب، وإنما أيضا من التشكّل الذي تحاول صناعته في المقلب المقابل، فإن هذا التشكل لا يبخل بمنحها مزيدا من المبررات وأسباب الشرعية.

وإذ تظهر دولة النظام أكثر قدرة على الانسجام السياسي والتواصل الجغرافي وكذا التماسك العسكري، فإن الكيان، أو الكيانات، المقابلة تنطوي على درجة عالية من التفكك، بالأصل هي ليست نواة لمشروع دولة أو كيان، لا في البرنامج ولا في المنهج، كما تنطوي على حالة صراعية بسبب تنافر مكوناتها، فضلا عن كونها تعني فيما تعني حالة من الفوضى الإقليمية السلبية، وهذه الحالة عمل النظام -الذي احتكر السلطة المركزية وموارد الدولة السورية- على إظهارها وإبرازها باعتبارها أبرز الصفات للمناطق الخارجة عن سيطرته.

ويأتي هذا السلوك في سياق جهده لإبراز حالة التمرد وتعميمها وإلغاء الصفة الثورية، وهو في ذلك يعيد بناء تجربة أنظمة أميركا اللاتينية التي واجهت حركات تمرد، خاصة في الأقاليم البعيدة عن المراكز التي تنطوي على مكونات عرقية مختلفة، وظلت تلك الأنظمة محافظة على شرعيتها كما لم تجر محاسبتها على ارتكاباتها بحق بيئات المتمردين، تلك واحدة من وظائف تشتيت الجغرافيا السورية.

في البعد العسكري لتلك الترسيمة الجديدة للدولة، تتحول المناطق الخارجة عن سلطة النظام إلى ما يشبه معازل حدودية تعزل تأثيرات الخارج المعادي لدولة النظام، حيث يجري حصر التأثير والجهد التركي باتجاه الحدود الشرقية، الرقة والحسكة وأرياف حلب، وفي هذا ضمانة لانشغال تركي مديد، وحصر الفعالية التركية داخل حدودها في مواجهة تشكيلات تنظيمية وقتالية لا يمكن التواصل معها أو بناء تسويات سياسية وميدانية، في حين سيكون التمدد التركي باتجاه ريف اللاذقية الشمالي محفوفا بمخاطر أكبر على الجانب التركي نفسه، وذلك نظرا لإمكانية احتمال انتقال التوتر على الجانب التركي الآخر.

سوريا الجديدة التي يسعى نظام الأسد لبنائها وترسيخها في الواقعين الإقليمي والدولي، حدودها صارت ظاهرة وشبه معلنة، أما تثبيتها بحكم الأمر الواقع فهو قضية لا تتجاوز مدتها تاريخ حصول الانتخابات الرئاسية

من جهة الجنوب يبدو الأمر أكثر جدوى لجهة عزل الفعالية الخليجية الآتية من المعبر الأردني وحصرها ما قبل حدود دمشق، حيث حالة التشتت -التي يراهن النظام على استمرارها في الجنوب نتيجة غياب الخدمات والاستقرار- ستكون كفيله بتدمير أي إمكانية لتطوير حركة مضادة وفاعلة صوب دمشق، ونفس الأمر ينطبق على الحدود الغربية لمحافظة القنيطرة وتواصلها مع أراضي الجولان المحتلة حيث يتكفل الواقع المعقد هناك بإشغال إسرائيل بكيفية حلحلته واستبعاد مخاطره الممكنة.

غير أن البعد الاقتصادي يبدو أكثر بروزا للسطح على مشهد جغرافيا دولة النظام، فعدا كون المناطق التي تحتويها جغرافيا الدولة أقل دمارا، بما يضمن إمكانية التقليل من الإنفاق على عمليات الإعمار والخدمات، فإنها أيضا تحمل إمكانية استثمار مستقبلية، وذلك من خلال ربطها بمشروع الغاز الشرق أوسطي العالمي، عبر ربط موانئ اللاذقية وطرطوس واستثمار خدماتهما لهذا الأمر.

كما يمكنها أيضا استقبال النفط والغاز القادمين من العراق وإيران وربطهما بالمشروع الروسي الهادف إلى السيطرة على أسواق أوروبا من خلال شبكة الاكتشافات الجديدة على سواحل المتوسط.

تلك هي سوريا الجديدة التي يسعى نظام الأسد لبنائها وترسيخها في الواقعين الإقليمي والدولي، حدودها صارت ظاهرة وشبه معلنة، أما تثبيتها بحكم الأمر الواقع فهو قضية لا تتجاوز مدتها تاريخ حصول الانتخابات الرئاسية.

فسوريا التي ستنتخب باتت جاهزة، وسوريا هذه هي التي ستنتخب بالروح والدم، وهي التي ستبرق للأسد بأن سوريا اختارتك، ولم يعد الأمر خيارك ولا قرارك، ما عليك سوى تلبية النداء، فالطغاة وقحون لدرجة أنهم لا يأبهون كثيرا لمشاعر أخرى غير تلك التي تعظم سياق مجدهم وطغيانهم، لا يأبهون للابتذال مهما زاد منسوبه، تلك بالأصل بيئتهم التي ينتعشون في ظلالها، من ليس يصدق، يمكنه متابعة إعلام بشار والسيسي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة