قراءة في تقرير لجنة 11 سبتمبر   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ نجيب الغضبان

التقرير الذي أصدرته اللجنة المكلفة بالتحقيق في أحداث 11 سبتمبر/أيلول وثيقة هامة لا غنى عنها لفهم الهجمات الإرهابية التي وقعت في نيويورك وواشنطن، وتركت آثارها على الولايات المتحدة ورؤيتها للعالمين العربي والإسلامي.

التقرير لا يبحث فقط في الخلل ونقاط الضعف التي استغلها منفذو الهجمات، بل يقدم توصيات هامة وعملية لمنع أعمال إرهابية مستقبلية. إضافة إلى ذلك، يحتوي التقرير الواقع في 567 صفحة على تفاصيل هامة تنشر لأول مرة حول كيفية التخطيط والتنفيذ لتلك الهجمات.

أعضاء اللجنة العشر (خمسة جمهوريين وخمسة ديمقراطيين) استعانوا بما يزيد عن 70 من الباحثين والمساعدين، وأجروا لقاءات مع كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين، بمن في ذلك الرئيسان كلينتون وبوش، وحققوا مع كل من اعتقدوا أنه يمتلك معلومات مفيدة حول هذه الأحداث، واطلعوا على آلاف الوثائق والتقارير التي لها علاقة من قريب أو بعيد بتلك العملية.

وسنتعرض هنا لأهم ما جاء في التقرير وتحليلاً لبعض دلالاته، وأخيراً استقراءً لنتائج إصداره في سنة انتخابية ساخنة.

يبدأ التقرير بعرض للهجمات التي قام بها تنظيم القاعدة ضد أهداف أميركية منذ أوائل التسعينيات ليصف هجمات 11 سبتمبر/أيلول بأنها هزة أو زلزال، لكنها ما كان لها أن تكون مفاجئة تماماً لو أن الأجهزة الأمنية والقيادة السياسية كانت متابعة بدقة لتنامي خطر التنظيم أو للإشارات الاستخبارية التي صدرت عن منفذي الهجمات.

ثم يصف التقرير القاعدة بالتركيز على خطين متوازيين: تنامي درجة عداء التنظيم للولايات المتحدة، وتنامي قدراته العسكرية والتنظيمية والمالية على مدى عقد من الزمن.


يرجع التقرير مواضع الخلل والقصور في أربع قضايا: عدم فهم الأميركيين خطورة القاعدة, وفشل السياسات العامة, ونقص الإمكانيات, وعدم التنسيق بين الأجهزة الأمنية
ويذكر التقرير أمثلة للفشل الأمني في تعقب ناشطي القاعدة، بما في ذلك أن اثنين من منفذي الهجمات كانا قد وضعا على قائمة أمنية لمتابعة الإرهابيين قبل ثلاثة أسابيع من تنفيذ الهجمات.

ينتقل التقرير بعدها إلى توصيف أماكن الخلل والقصور فيحددها في أربع قضايا:

  1. فشل في الرؤية, ويعني التقرير بذلك عدم فهم القادة الأميركيين خطورة القاعدة، وعدم وجود نقاش عام-قبيل الهجمات- في وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية حول هذا النوع الجديد من التنظيمات الإرهابية.
  2. فشل في السياسة العامة، حيث لم يكن هدف محاربة الإرهاب أولوية على أجندة إدارتي كلينتون أو بوش والكتاب الذي أصدره ريتشارد كلارك -وهو المسؤول الرئيسي عن قضايا محاربة الإرهاب في إدارتي كلينتون وبوش- يؤكد هذا التوجه، حيث يتحدث عن الإحباط الناتج عن رفض المسؤولين الرئيسيين في الإدارتين وضع قضية محاربة الإرهاب على سلم الأولويات، حتى وقعت الهجمات. ويذكر التقرير أن الإدارتين لم تفكرا في غزو أفغانستان كطريقة للقضاء على خطر بن لادن المتنامي.
  3. نقص في الإمكانيات، ويتمثل في فشل المؤسسات الأمنية -مثل السي آي أي وحتى وزارة الدفاع- التي لم تتمكن من الخروج من الإطار الفكري للتعامل مع الأخطار بعقلية الحرب الباردة.
  4. الفشل الإداري المتمثل في عدم تعاون الأجهزة الأمنية والعسكرية وتنسيق جهودها لمحاربة العدو الجديد. هذه الإشكالية المتمثلة في وجود تنافس وأنانية داخل الأجهزة الأمنية التي تحاول احتكار المعلومات المتوافرة لديها، كما هو الأمر في التنافس التقليدي بين وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الاتحادي.

ومع أنه من الصعب معرفة ما إذا كان يمكن تجنب وقوع الهجمات لو كانت الأجهزة الأمنية المختلفة قد وضعت المعلومات المتوافرة لديها عن أنشطة القاعدة ومنفذي الهجمات أمام المؤسسات الأخرى، فإن المؤكد أن كل جهاز أمني كان لديه من المعلومات لو تم جمعها أمام جهة أو شخصية مركزية لتشكلت صورة أوضح عن الخطط التي كانت تعد لها القاعدة.

يحدد التقرير بعدها إشكاليات محددة، منها الفشل الدبلوماسي في إقناع حكومتين باكستانيتين متعاقبتين في الضغط على حكومة طالبان لطرد بن لادن، وفشل مماثل في الحصول على تعاون أمني مع السعودية، مع اعتراف التقرير بأن المسؤولين السعوديين كانوا متعاونين جداً. كما لم يكن عند وزارة الدفاع بدائل عسكرية واضحة للتعامل مع خطر القاعدة.

وأخيراً هناك انتقاد إضافي لأداء الأجهزة والمؤسسات الأمنية وإجراءات الأمن في المطارات والنقاط الحدودية قبيل الهجمات. كما أن الكونغرس باعتباره أعلى الهيئات التشريعية والرقابية، لا ينجو من انتقاد التقرير.

وقبل أن ينتقل التقرير إلى تقديم توصياته، يطرح التساؤل التالي: هل نحن أكثر أماناً اليوم؟ يعترف التقرير أن المواطن الأميركي أكثر أماناً اليوم، لكنه غير آمن تماما.

ويعدد الإنجازات التي تمت في محاربة القاعدة من تدمير بنيتها التحتية، وقتل والقبض على عدد هام من قادتها، وحرمان التنظيم من الأرض التي كانت تنطلق منها في أفغانستان، إلى التضييق على تمويلها وملاحقة أعضائها في كل أقاصي الأرض.

مع ذلك فطبيعة القاعدة كتنظيم أيدولوجي غير مركزي يتوزع أعضاؤه في عدد من الدول، تجعل خطرها قائماً. من هنا لا تحتمل توصيات التقرير -حسب ما يؤكد معدوه- أي تسويف أو تردد. وتندرج التوصيات ضمن إطارين: أولاهما يحدد الهدف أو الإستراتيجية، وذلك باعتماد إستراتيجية قائمة على ثلاثة أبعاد:

  • ملاحقة الإرهابيين وتدمير منظماتهم.
  • الحد من نمو الإرهاب "الإسلامي".
  • الاستعداد للرد على أي هجوم مستقبلي.

أما الإطار الثاني فيحدد الوسائل، إذ يدعو التقرير إلى توحيد كافة الجهود لمحاربة الإرهاب بما في ذلك تشكيل تحالف دولي لمحاربته، والدعوة إلى حوار مع العالم الإسلامي مع التركيز على ضرورة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ونشر ثقافة حب الحياة وليس الموت بين الشباب في العالم الإسلامي!

أما في مجال الإصلاحات الداخلية، فيقدم التقرير خمسة اقتراحات محددة هي:

  • إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب هدفه التنسيق بين كافة الأجهزة الاستخبارية.
  • إنشاء منصب مدير الأمن القومي على اتصال مباشر مع الرئيس.
  • إيجاد شبكة معلومات موحدة لكافة الأجهزة الأمنية.
  • تقوية صلاحيات الكونغرس الرقابية على الأجهزة الأمنية وذلك بهدف تحسين الأداء والمساءلة.
  • تقوية مكتب التحقيقات الاتحادي والأجهزة الأمنية الداخلية.


يعتمد التقرير إستراتيجية قائمة على ثلاثة أبعاد: ملاحقة الإرهابيين وتدمير منظماتهم, والحد من نمو الإرهاب "الإسلامي", والاستعداد للرد على أي هجوم مستقبلي

من الطبيعي أن يثير إصدار تقرير بهذا الحجم ردود أفعال مختلفة لدى المسؤولين والمحللين ووسائل الإعلام، بدت واضحة في تباين التحليلات والتغطيات. ومن بين القضايا التي تستحق المزيد من التأمل والتحليل:

أولاً- من الاستنتاجات التي لا يمكن تجاوزها أن أفراداً محددين في تنظيم القاعدة هم الذين خططوا ونفذوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول. ولعل إبقاء الأمر في عدد قليل من أفراد القاعدة المستعدين للتضحية من أجل مبدئهم، ساهم في الحفاظ على سرية الأمر وبالتالي أوقع أضراراً فاقت توقعات قيادة القاعدة نفسها.

الشق الثاني لنجاح العمليات الانتحارية يتمثل في الفرص الكبيرة التي هيأها مجتمع حر ومفتوح كالمجتمع الأميركي -قبل الهجمات- والتي مكنت المهاجمين من دخول الأراضي الأميركية والإقامة فيها والتدرب على الطيران واختبار النظام الأمني في المطارات.

هذان الشقان للمعادلة: النية/الإرادة والإمكانية/الفرصة، يقدمان تفسيراً منطقياً لهذه الأحداث التي غيرت العالم بعيداً عن التفسيرات "التآمرية" التي لا يزال كثيرون في العالم العربي والإسلامي يعتقدون بها.

ثانياً- رغم أن الولايات المتحدة قد استُهدفت وهي في أوج عظمتها وقوتها، لا يعني هذا أنها كانت محصنة بشكل مطلق ضد الهجمات في عقر دارها وفي أهم رموزها الاقتصادية والعسكرية. التقرير يشير بشكل واضح إلى الثغرات الأمنية الخطيرة التي اخترقها منفذو الهجمات، وعزاها بشكل أساسي إلى المؤسسات لا الأفراد.

لكن عظمة الولايات المتحدة لا تكمن في أنها لا ترتكب أخطاء فهذا من طبائع الأفراد والدول، لكن عظمتها تكمن في قدرتها على تصحيح هذه الأخطاء. والتقرير الذي نحن بصدده مثال لمحاولات إصلاح الخلل.

الأمر المؤسف لكثيرين داخل الولايات المتحدة أن التصحيح يسير في خط زيادة الأمن على حساب الحريات العامة التي كانت تدعي أميركا أنها الدولة النموذج لحماية الحقوق والحريات في العالم.

ثالثاً- رغم محاولة التقرير فهم ماهية الخطر ودوافع العدو (المنظمات الإرهابية)، لم تنتظر الإدارة الأميركية صدور هذا التقرير للتصدي لهذا العدو. وقد اعترف التقرير بالخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس بوش لتدمير تنظيم القاعدة ومن يسانده، لكن التقرير لم يتعرض إلى الحرب على العراق التي بُررت -بشكل جزئي- على أنها ضمن الحرب ضد الإرهاب.

التقرير يتحدث عن اتصالات كانت قائمة بين العراق وتنظيم القاعدة في التسعينات، لكن ليس هناك أي دليل على تعاون بين نظام صدام والقاعدة في مجال الأسلحة غير التقليدية، كما أنه لا يوجد أي مؤشر على أي دور للنظام العراقي في الهجمات مطلقاً.

التقرير يتحدث أيضا عن صلات أكبر بين القاعدة وإيران، بما في ذلك احتمال سماح طهران لعدد من الخاطفين بعبور أراضيها إلى أفغانستان، لكن من غير وجود أي دليل على علمها بنوايا القاعدة شن الهجمات.

وهكذا فقد شنت الولايات المتحدة حرباً على العراق للحد من ظاهرة الإرهاب استناداً إلى معلومات لا أساس لها من الصحة عن علاقة نظام صدام بالإرهاب، اللهم ما خلا الأموال التي كان يدفعها النظام العراقي لأهالي منفذي الهجمات الانتحارية في فلسطين. وقتل في هذه الحرب آلاف المدنيين، وتحول العراق إلى ساحة من الفوضى والقتل المنظم والعشوائي ووكراً من أوكار الإرهاب، كل ذلك انتقاماً لضحايا الإرهاب من الأميركيين.

الأجهزة الاستخبارية الأميركية تعترف بأن الحرب على العراق قد شكلت أرضاً خصبة للجماعات الإرهابية للتجنيد على نطاق لم يسبق له مثيل. ولعل هذا ما دفع معدي التقرير إلى الاعتراف بأن أميركا والأميركيين ما زالوا هدفاً للإرهاب والإرهابيين.

أخيراً.. يتحدث التقرير عن بعض الأسباب التي دفعت تنظيم القاعدة لوضع الولايات المتحدة على رأس قائمة عداواته، ومن ذلك الوجود العسكري الأميركي في السعودية، وأسباب أخرى.

ويعترف التقرير بأن هذه السياسات تشكل مصدر معارضة لكثير من العرب والمسلمين، وأن قلة منهم (الإرهابيين الإسلاميين) يشكلون العدو الجديد لواشنطن، وأن الأميركيين لا يريدون الإساءة إلى الأغلبية المسلمة أو إلى الإسلام لأن هذا يخدم أهداف الإرهابيين.

لكن واقع الأمر أن العنجهية التي أظهرتها الإدارة الأميركية الحالية تجاه الدول والشعوب الإسلامية تحت لافتة محاربة الإرهاب، قد زادت من الكراهية التي يكنها كثير من المسلمين تجاه الولايات المتحدة.

فالدعم المطلق الذي أبدته إدارة الرئيس بوش لحكومة شارون، والحرب على العراق، والعقلية الإمبريالية المتسترة خلف قناع محاربة الإرهاب.. كل هذه الأسباب شكلت أرضية خصبة لعدد من الشباب المحبط في العالم العربي والإسلامي للانضمام إلى صفوف المتشددين.


الحرب على الإرهاب قللت من فرص وقوع حوادث مماثلة لهجمات سبتمبر/أيلول، لكنها كانت على حساب الحريات الأساسية في أميركا, ودفع ثمنها آلاف الأبرياء في العراق وأفغانستان
وهكذا فعندما يتحدث التقرير عن نشر ثقافة حب الحياة بين الشباب المسلم، فإنه يعكس السطحية التي لا يزال الكثير من الأميركيين ينظرون بها إلى العالم العربي وقضاياه، وهي بيئة لا تختلف كثيراً عن الأسباب التي دفعت إلى تنامي تنظيم القاعدة.

ما هي النتائج المتوقعة لهذا التقرير؟ من الصعب عزل توقيت نشر التقرير عن الأجواء الانتخابية التي تمر بها البلاد. ومن هنا فمن المتوقع أن يحاول المنافس الديمقراطي تبني الكثير من التوصيات ضمن حملته الانتخابية، ولكي يفوت الرئيس الفرصة على منافسه فإنه سيحاول إقناع الناخب بأن إدارته قد طبقت بالفعل الكثير من التوصيات، وستنفذ المزيد منها.

الكونغرس الذي لم ينجُ من الانتقادات وجد نفسه رغم انشغال أعضائه بالحملات الانتخابية، مضطراً للعودة إلى الانعقاد في أغسطس/آب ليبرهن للناخب الأميركي حرصه على تبني بعض الإصلاحات التي طالب بها التقرير.

وهكذا وبينما تخدم الأجواء العامة للانتخابات فرص تنفيذ الكثير من التوصيات الواردة، فإن العقبات المتمثلة في الإصلاح البيرقراطي طويل الأمد، وعدم إعطاء المساحة المطلوبة لتغيير السياسات التي تشكل مصدر غضب الملايين من البشر، خاصة في العالمين العربي والإسلامي.. هذه العوامل وغيرها لا تصب في خانة منع وقوع حوادث إرهابية مستقبلا.

الحرب على الإرهاب بشقيها الداخلي والدولي قللت من فرص وقوع حوادث مماثلة لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، لكنها في الوقت ذاته كانت على حساب الحريات الأساسية داخلياً، كما كان الثمن الإنساني والمالي باهظاً دفعه آلاف الأبرياء في العراق وأفغانستان، ومع ذلك لم تعزز من شعور المواطن الأميركي بالأمن والأمان.
_________________________
أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة