مأسسة عقيدة بوش   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)


بقلم: إلياس حنا*

شكّلت حادثة 11 سبتمبر/أيلول منعطفا أساسيّا وتحوّلاً جذريّا لنوعيّة الخطاب والممارسة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة. فقد شعرت أميركا القوة المهيمنة أن هناك من يتحدّاها على المسرح العالمي الذي تفرّدت به بعد سقوط الدبّ الروسي. والأخطر من ذلك أن هذا التحدّي قد أتى من كيان غير معترف به في كل من القاموسين السياسي والدبلوماسي على الصعيد العالمي.


مع 11 سبتمبر/أيلول فقدت أميركا قدرتها الردعية بشكل فاضح، وأصبح لزاما عليها استعادة تلك الصورة الفاعلة بشكل سريع، لكن استعادتها مع عدو لم تعرفه ولم تتعود عليه تستلزم إستراتيجية جديدة تقوم على تنظيم جديد ووسائل جديدة وعقليّة مبتكرِة من نوع جديد
فعلى صعيد القوى العظمى كفرنسا وإنجلترا والصين، لم يتقدم أيٌّ منهم حتى الآن لتحدّي الهيمنة الأميركيّة، ويعود هذا السبب إلى الكثير من العوامل أهمها الاقتصادي. فالاقتصاد يُعتبر المُحرّك والسبب الأساسي لتجميع وتطوير القوّة، خاصة في شقها العسكري. فعلى سبيل المثال تحتاج الصين إلى 106 سنوات مع معدّل نمو 6% كي يبلغ معدّل الدخل الفردي فيها مستوى الدخل نفسه في الدول المتقدّمة، على أن يكون معدّل النمو في الدول المتقدّمة حوالي 2.5% سنويّا (دراسة للبنك الدولي).

مع 11 سبتمبر/أيلول فقدت أميركا قدرتها الردعيّة بشكل فاضح. وقد أصبح لزاما عليها استعادة الصورة الردعيّة الفاعلة وبشكل سريع. لكن استعادة الصورة الردعيّة مع عدوٍّ لم تعرفه ولم تتعودّ عليه تستلزم إستراتيجيّة جديدة والتي بدورها تقوم على تنظيم جديد ووسائل جديدة وعقليّة مبتكرة من نوع جديد.

لا يبدو أن السياسة الأميركية تميز في سلوكها بين مفهومي العقيدة والإستراتيجية، فهي تطلق حينا عقيدة ما وحينا آخر إستراتيجية تظهر فيهما موقفها السياسي والعسكري والاقتصادي من مسألة ما. وقد درجت العادة أن تكون العقيدة مرتبطة مباشرة بالشق العسكري العملاني فنقول على سبيل المثال لا الحصر "العقيدة القتالية الأميركية". أما الإستراتيجية فهي المستوى الأعلى والذي تنبثق منه العقيدة القتالية. أي أن العقيدة هي في خدمة الأهداف القومية التي تحددها الإستراتيجية السياسية العليا.

احتلّ مفهوم العقيدة قسما كبيرا من الخطاب السياسي الإستراتيجي الأميركي ولا يزال. فقد أطلق الرئيس مونرو عقيدته عام 1823 حذر فيها الأوروبيين من التدخل في العالم الجديد. وفي العام 1947 أطلق الرئيس هاري ترومان عقيدته في خطاب كان يلقيه في الكونغرس. وقامت عقيدة ترومان على دعم الدول الحرة التي ترفض الإذعان للضغوط الخارجية. فما كان من الكونغرس إلا أن وافق له على الدعم المالي المطلوب لكل من تركيا واليونان.

في العام 1965 أطلق الرئيس جونسون عقيدته المتعلقة بأميركا اللاتينية، وهدفت هذه العقيدة إلى مساعدة الأنظمة الصديقة والتي تتقاطع مصالحها مع مصالح واشنطن، وإلى محاربة التأثير الشيوعي في القارة الجنوبية.


أطلق بوش الابن عقيدته المتعلّقة بالحرب الكبرى على الإرهاب وتقوم على ما يلي: من ليس معنا فهو ضدّنا.. سوف تضرب أميركا كل من يؤوي أو يدرّب أو يمول الإرهاب كائنا من كان
شكل سقوط الشاه عام 1979 قلقاً للإدارة الأميركية، تبعه غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، الأمر الذي جعل منطقة الخليج على مرمى حجر إذا صح التعبير من القوات السوفياتيّة. وأطلق الرئيس كارتر عقيدته عام 1980 حذر فيها أيّ قوة من محاولة السيطرة على الخليج العربي لأن الأمر سيعني وكأنه تهديد للمصالح الحيوية الأميركية، وقد يكون الرد عليه عسكريا. وتبدو هذه العقيدة أكثر جرأة من عقيدة نيكسون، فهي "تورطيّة" أكثر منها انعزاليّة، ونتج عن هذه العقيدة تدابير عسكرية كقرار إنشاء قوة التدخل السريع.

وأخيرا وليس آخرا أطلق بوش الابن عقيدته المتعلّقة بالحرب الكبرى على الإرهاب. وتقوم هذه العقيدة على ما يلي: "من ليس معنا فهو ضدّنا.. سوف تضرب أميركا كل من يؤوي أو يدرّب أو يمولّ الإرهاب كائنا من كان".

ماذا ينتج عن إطلاق هذه العقائد والإستراتيجيات؟ كما لاحظنا، تحدد هذه العقائد والإستراتيجيات الأهداف والمصالح والسلوك السياسي أو الموقف تجاه مسألة ما تعتبرها أميركا حيوية لمصالحها العليا. وبهدف التنفيذ لا بد من خلق الآليات المناسبة والتي تتطلب تخصيص وصرف الأموال الطائلة. وتندرج سياسة الاحتواء للاتحاد السوفياتي في هذا المجال وكأنها المثال الأفضل، فقد خيضت الحروب التي استهلكت آلاف القتلى وصرفت عليها الأموال التي لا تحصى، فمن الحرب الكورية التي لا تزال آثارها ماثلة حتى الآن، إلى السيندروم الفيتنامي. يبدو أن "الأفكار" تسيّر العالم، وذلك كما قال المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، ولا تشذ عن هذا الإطار عقيدة بوش الابن والمتعلقة بالحرب على الإرهاب

أطلق الرئيس بوش في الخطاب الذي ألقاه في ويست بوينت الخطوط العريضة للإستراتيجيّة المستقبليّة التي ستعتمدها أميركا لدرء خطر الإرهاب عنها، فقد أعلن موت المفاهيم القديمة التي قامت على الردع والاحتواء، فأعداء الأمس أصبحوا أصدقاء اليوم، والصورة الجيوإستراتيجيّة قد تبدّلت جذريّا. كما أن المعاهدات التي كانت ترعى النظام العالمي السابق لم تعد قائمة، حتى إنها لم تعد صالحة للوقت الحالي. باختصار يمكن اعتبار خطاب ويست بوينت وما تبعه من تصريحات وكأنها العمليّة التأسيسيّة العاموديّة العمليّة لعقيدة بوش الابن، لكن كيف؟

ورد في الخطاب الأمور التالية:

  1. تحديد دور الولايات المتحدة الجديد، فهي راعية للسلم العالمي، وسوف تفرض الوضوح الأخلاقي بين الخير والشر، وسوف تقيم علاقات تعاون ممتازة مع القوى الكبرى.
  2. سوف تعتمد أميركا الضربات الوقائيّة متفردة في الزمان والمكان اللذين تراهما مناسبين.
  3. اعتبر بوش أن العقلانيّة غير متوفّرة لدى العدو الجديد، لذلك لا تنفع معه الإستراتيجيّات القديمة خاصة الردع، فكيف يمكن ردع من هو مستعد للتضحية بنفسه؟
  4. استعداد أميركا لمساعدة أيّة دولة في محاربة هذا الإرهاب.



الدول العظمى تستمر وتدوم بمقدار ما تتمتع به من ليونة وقدرة على التحوّل والتأقلم مع المستجدات التي تطرأ، وأميركا تعاني من مستجدات تهدد مركزها واستمرارها كقوة مهيمنة، فهل ستخرج من هذه التجربة سالمة؟
في الوقت نفسه الذي أعلن فيه الرئيس بوش نيّة أميركا القيام بضربات وقائيّة، طلب أيضا من الكونغرس الموافقة على إنشاء وزارة للداخليّة مهمتها الأمن الداخلي للولايات المتحدة. وتضم هذه الوزارة حوالي 22 وكالة يخدم فيها أكثر من 170 ألف موظف، وتبلغ ميزانيتها حوالي 38 مليار دولار.

كما بدأ العمل في ألاسكا على استكمال التجارب المتعلقة بالصواريخ المضادة للصواريخ، خاصة بعد أن تحرّرت أميركا من معاهدة "أي بي أم" عندما أعلنت انسحابها منها منذ ستة أشهر. ويقال إن هذه الشبكة قد تصبح جاهزة في عام 2004. كما قرّرت الإدارة الأميركية بناء قواعد لهذه الصواريخ في كل الأبعاد والمتمثلة بالبر والبحر كما في الجو.

يُضاف إلى كلّ هذا تبدّل جذري في خصوصيّة المجتمع الأميركي بعد صدور الكثير من القرارات والقوانين الداخلية (PATRIOT ACT) والتي بدأت تتعارض مع الحريّة التي ميّزت المجتمع الأميركي. إذاً بدأنا نرى صورة أميركا كقلعة/أمة.

وعبر ما ورد أعلاه نستنتج اتجاهين في الإستراتيجيّة الأميركيّة الحاليّة:

  • الأول: هجوم يقوم على الضربات الوقائية تقرّرها أميركا منفردة إذا ما دعت الحاجة، وتستند هذه الإستراتيجيّة الهجوميّة الوقائيّة على قواعد عسكريّة أميركيّة منتشرة من الفلبين وحتى أوروبا مرورا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
  • الثاني: يتمثّل بالدفاع السلبي عن الداخل الأميركي، وذلك عبر منع حصول أيّة حادثة إرهابيّة في الداخل، ومن هنا كان مشروع إنشاء وزارة الداخليّة، وبناء شبكة الصواريخ المضادة، وإصدار القوانين التي تشرعن عمل الأجهزة الجديدة وتسمح لها بمزيد من التدخّل في الحياة الخاصة للشعب الأميركي.

إذاً دفاع سلبي داخلي وهجوم وقائي خارجي مع خطاب سياسي فريد من نوعه لجهة عدائيته، لكن السؤال يبقى في مدى النتيجة المتوخاة، فهل يعني هذا التبديل الجذري أن الأمن تحقّق؟ بالطبع كلاّ. فالدول العظمى تستمر وتدوم بمقدار ما تتمتّع به من ليونة وقدرة على التحوّل والتأقلم مع المستجدات التي تطرأ. أميركا تعاني من مستجدّات تهدّد مركزها واستمرارها كقوة مهيمنة، فهل ستخرج من هذه التجربة سالمة؟ كما تعوّدنا كانت أميركا عبر تاريخها الأكثر ليونة وحركيّة في ابتكار المخارج لمآزقها، فهل ستنجح الآن؟ الجواب في عهدة المستقبل، فلننتظر.

ما هي متطلّبات هذه الإستراتيجيّة الكبرى والتي تقوم على بُعدين أساسيّين هما الدفاع السلبي والهجوم الوقائي؟ لا تتوفّر في الذاكرة الجماعيّة العسكريّة الأميركيّة تجارب مماثلة يُستند إليها لخوض هذه الحرب الجديدة، إذاً لا بد من الابتكار والتجديد، ولكن بسرعة (Transformational capacity).


إذا قرّرت أميركا القيام بالضربة الوقائيّة، فهذا يعني أنها تحدّد منفردة المخاطر على أمنها القومي. لكن الأمر يبقى في صحّة هذا التقدير خاصة وأن الخطر الذي اعتبرته أميركا مهددا لها لم يتجسّد حتى الآن على أرض الواقع، ومن هنا كان مفهوم الاستباقية
في خطاب ألقته كوندوليزا رايس أثناء حفلة تخرّج في الجامعة الوطنيّة للدفاع (NDU) قالت فيه "نحن بحاجة إلى مفاهيم وأفكار جديدة لخوض الحرب على الإرهاب"، وشدّدت أيضا في خطابها على أهميّة الفكر والعقل والابتكار عندما أعطت مثل ألمانيا إبان الحرب الثانية، فألمانيا استطاعت أن تحقّق انتصارات عديدة بسبب ابتكارها لمبدأ دمج الدبابة والطائرة والراديو، الأمر الذي أوصل إلى مفهوم الحرب الصاعقة/الخاطفة (Blietzkrieg)، وذلك في الوقت الذي كان أعداؤها يخططون للحرب المستقبلية بعقلية الماضي.

ما الشكل الذي يمكن أن يكون عليه تسليح القوات الأميركية في الإستراتيجيّة الجديدة؟ ستكون القوات الأميركية خفيفة وقليلة العدد ومجهزة بأحدث العتاد الإلكتروني.

الحديث الذي يعتمد على تكنولوجيا الستيلث (Stealth) سينشأ لها أجهزة متقدمة تعمل في مجالات جمع المعلومات ومعالجتها وتقييمها واستغلالها بسرعة فائقة لاتخاذ القرار وذلك بعد منع العدو من الحصول عليها (أي المعلومات). ستدور حروب إلكترونية على شاشات الكمبيوتر والإنترنت، بالإضافة إلى عمليات قرصنة وتدمير للأقمار الاصطناعية. وسوف يتضاءل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا والباسيفيك عدديا (هناك 100 ألف جندي في آسيا، و100 ألف في أوروبا و80 ألفا في كل من آسيا الوسطى والشرق الأوسط) لصالح النوعيّة. وسيحل محل الوجود المتقدم الفعلي -والذي تمثّل عادة بانتشار قوّات المارينز- الوجود المتقدم الإلكتروني (عبر الأقمار.. إلخ).

ما هي مخاطر هذه الإستراتيجيّة الجديدة خاصة في شقّها المتعلّق بالضربة الوقائيّة؟

  1. إذا قرّرت أميركا القيام بالضربة الوقائيّة فهذا يعني أنها تحدّد منفردة المخاطر على أمنها القومي، لكن الأمر يبقى في صحّة هذا التقدير خاصة وأن الخطر الذي اعتبرته أميركا يهدّدها لم يتجسّد حتى الآن على أرض الواقع (من هنا كان مفهوم الاستباقية). وسوف تختلط الأمور ما بين المخاطر المتمثلة بالإرهاب حسب التعريف الأميركي، وبين المخاطر الأخرى المنبثقة عن أسلحة الدمار الشامل.
  2. تحتاج العقيدة الجديدة إلى معلومات دقيقة صحيحة ومنقّحة عن الهدف المقصود تدميره، كما أن العمليّة العسكريّة بحدّ ذاتها تتطلّب أسلحة من نوع جديد. في الشق الأول الاستخباراتي لا يبدو أن الوكالات الأميركية المتخصصة في هذا المجال تتمتّع بالمصداقيّة المطلوبة، خاصة بعد فشل 11 سبتمبر/أيلول. أما في الشق الثاني فقد تحتاج أميركا إلى أسلحة هي أقرب إلى النووي التكتيكي في مفاعيلها لضرب التحصينات، لذلك وعبر مراجعتها النوويّة يبدو أنها مستعدّة لمثل احتمال استخدام النووي التكتيكي، الأمر الذي قد يفتح باب استعادة إجراء التجارب النوويّة ليبدو الوضع أن ما يصحّ لأميركا قد يصحّ للكل فنعود إلى سباق تسلّح دون ضوابط.
  3. سوف تهدّد هذه الضربات الأمن والسلام العالميين، الأمر الذي يضع دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن على المحك، إلاّ إذا كانت هذه المنظمات لعبة في يد العم سام، هي تصدر القرارات وأميركا تعمد إلى تنفيذ الضربات بحجة الحفاظ على السلم العالمي.
  4. وأخيرا وليس آخرا ماذا ستكون عليه صورة النظام العالمي حيث القوّة تحلّ مكان الدبلوماسيّة؟ ماذا سيكون عليه موقف الدول الحليفة للولايات المتحدة خاصة أوروبا؟ ماذا سيكون عليه الوضع لو ردّ أحد المُعتدى عليهم من قبل أميركا برد غير تقليدي على أميركا أو على أحد حلفائها (العراق يضرب إسرائيل مثلا)؟ ماذا ستكون عليه المفاهيم الأميركيّة والقيم؟ وماذا ستكون عليه صورة الأسواق العالميّة من فوضى بسبب الاعتداءات الأميركية خاصة وهي التي تبشّر بالأسواق المفتوحة؟ كلها أسئلة بحاجة إلى أجوبة، والتي بدورها بحاجة إلى الوقت كي ينتجها، فلننتظر!!!

_______________
*كاتب وباحث، عميد ركن متقاعد في الجيش اللبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة