أسئلة الهزيمة والانتصار في العام الخامس لانتفاضة الأقصى   
الاثنين 1425/9/25 هـ - الموافق 8/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:31 (مكة المكرمة)، 13:31 (غرينتش)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
لعل من سوء الطالع أن يحل العام الخامس لانتفاضة الأقصى في ظل جدل لم يتوقف حولها من حيث الفشل والنجاح والهزيمة والانتصار، وهو الجدل الذي جاء تحت لافتات براقة عنوانها الإصلاح، إصلاح السلطة الفلسطينية.
 
لا يعني ذلك أن الجدل المذكور لم يتوفر إلا في هذه المرحلة، فقد تابعنا فصولا منه مبكرا، وتحديدا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، وكان عنوانه في ذلك الوقت هو الهزيمة الفلسطينية الناتجة عن "عسكرة الانتفاضة" في ظل خلل هائل في ميزان القوى مع العدو الإسرائيلي.

توقف الجدل المشار إليه سريعا عندما جاء الهجوم الإسرائيلي كاسحا بعد التاريخ المذكور، في ما رد الفلسطينيون بضربات مذهلة وصمود رائع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2002، وهي التي اختتمت بمعركة مخيم جنين البطولية.
 
"
مع اندلاع الانتفاضة كانت السلطة تعيش حالة استثنائية من الفساد يحرسها الاحتلال, فيما كان المجاهدون في سجونها وسجون الاحتلال في آن معا
"
لكن الجدل عاد ليندلع مجددا بعد ذلك عندما أسفرت عملية "السور الواقي" الإسرائيلية عن اجتياح للضفة الغربية مع إبقاء هيكل السلطة الخارجية لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية تخص المحتل، وليس لاعتبارات المصلحة الخاصة بالشعب الفلسطيني التي لا شك بأنها غابت تماما لحسابات السلطة وقياداتها وعلى رأسها الرئيس ياسر عرفات.

في سياق الحديث عن الأعوام الأربعة المنصرمة من انتفاضة الأقصى يبدو من الظلم السافر فتح الملف دون التذكير بما كان عليه الحال قبل اندلاعها في 28 سبتمبر/ أيلول 2000.

كان أوسلو في ذلك التاريخ قد أتم عامه السابع، وهو الذي وقّع في 13 سبتمبر/ أيلول 1993، لكن الذكرى كانت مؤلمة إلى حد كبير، فقد انجلى المشهد في تلك الأثناء عن بؤس بلا حدود يعيشه الفلسطينيون وقضيتهم بعد سبع سنوات من أوهام الدولة المستقلة ذات السيادة على الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية مع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها عام 1948.

كانت السلطة تعيش حالة استثنائية من الفساد يحرسها الاحتلال ويعززها بطريقته الخاصة، في حين كان المجاهدون في سجونها وسجون الاحتلال في آن معا.
 
لكن ذلك لم يكن كل شيء، فخلف هذا المشهد المثير للحزن كان ثمة ما يثير الكثير من القهر ممثلا في سيل المستوطنات الذي بنيت خلال حقبة أوسلو، والذي لم يعرف له مثيل خلال السنوات التي سبقت الاتفاق، الأمر الذي كان يلقي بظلال من الشك حول حقيقة نوايا قوم يتحدثون عن السلام وينتهكون أبسط أسسه في وضح النهار.

جاءت خاتمة الحقبة المذكورة في يوليو/ تموز 2000 لتؤكد هواجس الشارع الفلسطيني، فقد جاء العرض الإسرائيلي خلال قمة كامب ديفد هزيلا، بل أكثر من هزيل، ويبتعد كثيرا عن الحلم الفلسطيني الرسمي المحدود، الذي لا يتجاوز في حقيقته 22% من أرض فلسطين التاريخية.
 
لكن الجانب الأكثر إثارة لأعصاب الفلسطينيين وربما العرب والمسلمين أيضا هو المتعلق بالمسجد الأقصى الذي أثار الإسرائيليون للمرة الأولى مسألة اقتسام الجزء العلوي منه، مع سيادة على الجزء السفلي بغية استمرار التنقيب عن آثار الهيكل التي يقول اليهود إنها موجودة أسفل المسجد.

للمفارقة ومن أجل مزيد من الإثارة فقد جاء التاريخ المذكور بعد أقل من خمسة أشهر على انتصار تاريخي حققته المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله في الجنوب اللبناني، وذلك حين دفعت جنود الجيش الإسرائيلي إلى الفرار مثل الأرانب في غسق الليل.

في هذه الأجواء كان من الطبيعي أن يكون الشارع الفلسطيني جاهزا للثورة، ليس على الاحتلال وحسب، وإنما على خيارات سلطة عشش فيها الفساد وكثر فيها الفاسدون ممن لم تعد القضية الوطنية شيئا مذكورا في حساباتهم.
 
وبالمناسبة كان بعض هؤلاء هم عصب التحرك ضد ما يعرف بعسكرة الانتفاضة، أي ضد الانتفاضة لأنها كانت منذ أسابيعها الأولى ثورة مسلحة ضد الاحتلال.

من هنا كان من العبث بمكان أن يصار إلى تقييم انتفاضة الأقصى دون النظر إلى الظروف التي اندلعت فيها، سيما أن جزءا من خطاب الرفض لها والتشكيك بها لا زال يجيء على خلفية الإنجازات التي أضاعتها على الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعا حول ماهية تلك الإنجازات التي ضاعت، أو تلك التي كان بالإمكان تحقيقها دون الانتفاضة أو في حال لم تندلع من الأصل.

دعونا نتخيل المشهد لو بقي التفاوض قائما في ظل مجيء هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، وفي ظل المحافظين الجدد, وهي الهجمات التي لا صلة لها بالانتفاضة، بدليل أنها كانت في طور التنفيذ قبل اندلاعها.

لو وقعت الهجمات المشار إليها في ظل وضع عربي عادي كالذي كان عشية مفاوضات كامب ديفد وما بعدها، لكان بإمكان الولايات المتحدة أن تفرض على الوضع العربي الكثير من التراجع وصولا إلى فرض التسوية التي يريدها الإسرائيليون، وهو ما لم يحدث بفضل الانتفاضة وحيث كان التركيز الإسرائيلي منصبا على وقف الانتفاضة المسلحة والعمليات الاستشهادية والتهديد الوجودي غير المسبوق الذي شعرت به الدولة العبرية.

ثم دعونا نذهب أبعد من ذلك ونتخيل المشهد لو كان الوضع الفلسطيني والعربي بذلك التراجع والانحناء وجاءت استحقاقات الحرب على العراق.
 
"
أعادت انتفاضة الأقصى القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد أن كانت قد تراجعت خلال أعوام أوسلو وبدت كما لو أنها قد تحولت إلى مجرد صراع هامشي
"
ألم تكن احتمالات القبول بتسوية ذليلة واردا، ثم هل كان بالإمكان الحديث عن مقاومة عراقية تندلع بعد أيام من الاحتلال، وهي التي استلهمت في فعلها وبطولاتها ما بثته انتفاضة الأقصى من غضب في نفوس الجماهير العربية والإسلامية على الاحتلال الإسرائيلي وبشكل أكبر على الولايات المتحدة الأميركية وما كرسته من ثقافة المقاومة والاستشهاد.

على أن ذلك لا يجب أن يحول بيننا وبين الحديث عن إنجازات انتفاضة الأقصى خلال سنواتها الأربع الماضية على جميع الأصعدة. وهنا يحضر البعد العسكري والأمني في إنجازاتها على صعيد المقاومة والبطولة قياسا بتحولات الصراع مع الطرف الإسرائيلي خلال عقوده الخمسة ونصف الماضية.
 
ففي السياق العسكري والأمني يبدو من الضروري التذكير بتلك المعطيات التي عرضها رئيس جهاز المخابرات "الشاباك" آفي ديختر، التي تقول إن ما خسرته الدولة العبرية من قتلى وجرحى خلال الفترة من تأسيس الدولة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 كان 4319 شخصا مقابل 11356 خلال انتفاضة الأقصى حتى نهاية أغسطس/ آب الماضي، وحين نضيف إلى الرقم قتلى وجرحى عملية بئر السبع وما بعدها سيصل الرقم مع نهاية الأعوام الأربعة إلى 11500 شخص، أي أكثر من ضعفين ونصف الضعف قياسا بإصابات العقود الخمسة ونيف التي سبقتها.

هذا الواقع يؤكده المحلل الإسرائيلي الشهير بن كسبيت في مقال له بصحيفة معاريف بقوله "خلال السنوات الأربع الأخيرة أصيب مواطنون إسرائيليون أكثر مما أصيب خلال الـ52 سنة منذ تأسيس الدولة. هذا العدد مذهل حسب جميع الآراء.
الانتحاريون الفلسطينيون نجحوا أكثر مما نجحت فيه سبعة جيوش عربية بأسلحتها الجوية والمدفعية والمدرعات خلال خمس حروب مضت". ويصل به الأمر حد القول "الانتحاري الفلسطيني تحول إلى سلاح إستراتيجي ولذلك أصبحت مكافحته صراعاً وجودياً".

من الضروري أن نتذكر هنا أننا نتحدث عن صراع بين فلسطينيين عزل إلا من الإرادة والإيمان وعدو مدجج بأسباب القوة التكنولوجية والاستخبارية وحتى السياسية من حيث قدرته على حشد الكثير من الأصوات والأعمال ضد المقاومة وقادتها وعناصرها، ومع ذلك يتمكن المقاومون من تحقيق هذا الإنجاز المذهل.
 
وما يجب أن نتذكره أيضا في هذا السياق هو أن شارون جاء إلى السلطة قبل ثلاثة أعوام ونصف العام بوعد إنهاء الانتفاضة وتركيع الشعب الفلسطيني خلال مائة يوم لا أكثر فيما هو يعجز حتى هذه اللحظة عن تحقيق إنجازه الموعود رغم الظروف العربية والإقليمية والدولية التي تصب بشكل شبه كامل لصالحه.

من الضروري أيضا قبل الحديث عن الجوانب الإيجابية الأخرى لانتفاضة الأقصى أن نتذكر معادلة مهمة في سياق الحديث عن تجربة مقاومة لشعب محتل في مواجهة عدو مدجج بأسباب القوة.
 
إذ لا بد من القول إن مجرد صمود الشعب المحتل في معركة كهذه هو إنجاز تاريخي لا بد أن يؤخذ بنظر الاعتبار، فكيف حين يكون الظرف العربي والدولي بائسا كما هو عليه الحال الآن.

من الزوايا الأخرى يمكن القول إن انتفاضة الأقصى أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد أن كانت قد تراجعت خلال أعوام أوسلو وبدت كما لو أنها قد تحولت إلى مجرد صراع هامشي بين جارين يسيء أحدهما فهم الآخر!!

في السياق نفسه عادت الدولة العبرية إلى شيء من عزلتها الأولى بعد أن سجلت اختراقات مهمة خلال السنوات السبع التي سبقت الانتفاضة، وهي اختراقات تجاوزت في الواقع كل ما سبقها منذ تاريخ التاسيس.

وقد تبدت عزلة الدولة العبرية مقابل تعزيز مكانة القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من خلال التأييد الشعبي العارم في العالم، كما عكسته المظاهرات الكثيرة في العواصم الدولية وكما عكسه استطلاع الاتحاد الأوروبي، حيث قال 59% من الأوروبيين إن الدولة العبرية هي الأخطر على السلام العالمي ومن ورائها الولايات المتحدة.
 
أما الجانب الرسمي فقد جاء قرار محكمة لاهاي بشأن الجدار العازل ليؤكد عزلة الدولة العبرية وإمكانية حشرها في زاوية التناقض مع القانون الدولي.

من المؤكد أننا لن نرى عمق المأزق الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى دون أن نتذكر ما كان عليه الحال قبلها من تمدد دبلوماسي ومن أحلام بدت عريضة باختراق الوضع العربي والإسلامي والتمدد والهيمنة على المنطقة بأسرها.

"
أنقذت انتفاضة الأقصى الفلسطينيين من مسار سياسي عقيم لم يكن ليمنحهم غير الإذلال، وهو ما تأكد أكثر خلال مرحلة شارون وبوش وحتى كيري
"
عربيا لا بد أن نتذكر كيف أطاحت انتفاضة الأقصى بمشاريع التطبيع العربية شعبيا وإلى حد ما رسميا، ثم حجم التفاعل والالتفاف الشعبي حول القضية على مختلف الأصعدة، ثم نتذكر تلك الروح الجمعية التي تشكلت للأمة، وهي الروح التي تبدت في العراق بالاندلاع السريع للمقاومة ضد الاحتلال، وما سببه من إفشال لمشروع كان يستهدف الأمة في هويتها ومصالحها وما تبقى من وحدتها.
 
من المؤكد أن الشعب الفلسطيني عانى الكثير خلال انتفاضة الأقصى أكان بعدد الشهداء الذي وصل رقم الثلاثة آلاف، أم الجرحى الذين وصلوا عشرات الآلاف أم البيوت المهدومة التي زاد عددها عن 6000 بين هدم جزئي وكلي، فضلا عن الأراضي المصادرة والمجروفة والأشجار المخلوعة.

لكن ذلك كله لا يشكل خسارة كبيرة قياسا بخسائر الآخر أو قياسا بحجم القضية ومخاطرها على الأمة، كما أنه أمر طبيعي إذا ما أخذ في سياق مقاومة الشعوب ضد محتليها.
 
وفي كل الأحوال تبقى البطولة هي العنصر الأكثر جدارة بالحديث والإشادة في سياق الحديث عن الأعوام الأربعة الماضية.
 
وهي هنا بطولة من نوع فريد وحيث يتسابق الآلاف من الشبان على الشهادة، ويتحول الشهداء إلى طقس يومي يستقبل بالزغاريد.

بالمقابل شعر المجتمع الصهيوني بتهديد وجودي لم يشعر به من قبل وبرزت ظاهرة الهجرة المعاكسة بعد تراجع أرقام الهجرة الوافدة، فما قال 70% من الإسرائيليين حسب أحد استطلاعات الرأي أنهم لا يرون بأن لأبنائهم مستقبل في هذه البلاد.

لقد أنقذت انتفاضة الأقصى الفلسطينيين من مسار سياسي عقيم لم يكن ليمنحهم غير الإذلال، وهو ما تأكد أكثر خلال مرحلة شارون وبوش وحتى كيري، الأمر الذي يلقي بأقوال رفض عسكرة الانتفاضة، فضلاً عن الهزيمة الفلسطينية في سلة المهملات.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة