رؤيا بوش وتأويل شارون   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

يعتبر تأويل الرؤيا تقليدا قديما في كل الحضارات، وهو تقليد تمتزج فيه الخرافة والدجل بالحقيقة والواقع. وقد يكون تأويل الرؤيا بتفسيرها قولا، أو تحقيقها فعلا. ويمتاز الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش برؤاه السياسية الكبيرة، وبدعاواه الدينية العريضة، فهو يعتقد اعتقادا جازما أن "الرب" كلفه برسالة مقدسة على هذه الأرض.


لم يبق للعرب والمسلمين وخصوصا الفلسطينيين ما يخسرونه، أما الشعب الأميركي فلديه الكثير مما يخسره وهو من سيدفع ثمن إسرائيل باهظا من دمه كما دفعه باهظا من ماله على مدى نصف قرن
وتذكر مجلة "المسيحية اليوم" الأميركية في عددها الصادر يوم 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 أن بوش اتصل مرة بصديق له يوم كان حاكم ولاية تكساس، وقال له "أنا أومن أن الرب يريد مني الترشح للرئاسة"!

وأثناء الحملة الانتخابية تباهى بوش بأن "أعظم فيلسوف سياسي" يعجبه هو السيد المسيح، رغم أنه من الواضح أن بوش لا يستشير المسيح عليه السلام ولا يسير على خطاه.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول تعمق هذا الإحساس "الرسالي" لدى الرئيس الأميركي، حتى أصبح يبرر كل قراراته السياسية والعسكرية بأن "الرب" هو الذي أمره بها.

وهكذا أصبح بوسع الأميركيين مفاخرة العرب بأن لديهم "متنبئا"، يضاهي الشاعر العربي أبا الطيب المتنبي، وإن كان المتنبئ الأميركي يعوزه خيال الشعر وبلاغة اللسان.

ومن أمثلة "نبوءات" جورج بوش ما رواه عنه رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس ونشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 24 يونيو/ حزيران 2003، فقد ورد في الصحيفة ما يلي "طبقا لما يقوله (محمود) عباس فإن الرئيس بوش قال له: إن الرب أمرني أن أضرب القاعدة فضربتها، ثم أمرني بضرب صدام ففعلت، وأنا الآن مصمم على حل مشكلة الشرق الأوسط، فإن أعنتموني تصرفت، وإلا فالانتخابات قادمة، وسأضطر إلى التركيز عليها".

وهذا الإحساس الرسالي الغريب على العقلية الغربية في بلدان أخرى، هو الذي جعل رئيس الوزراء الكندي السابق يسخر من بوش، ويعتبره "مهووسا" بإقحام الدين في علاقاته بقادة الدول. وربما كان الأولى أن يعتبره "مجذوبا" يعاني من حالة "وجد" خاصة.

ومنذ أيام التحضير لغزو أفغانستان عام 2001 بدأ بوش يتحدث عن مبادرة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، يتم بموجبه تأسيس دولة فلسطينية -إلى جانب إسرائيل- على ما تبقى من أرض فلسطين.

وقد استعمل جورج بوش في خطابه آنذاك كلمة (vision) لوصف خطته تلك، فترجمها الإعلام العربي –الذي اعتاد حسن الظن بالقيادة الأميركية– بكلمة "رؤية"، وطال الحديث عن "رؤية" الرئيس بوش لحل القضية الفلسطينية، ورحب بها القادة العرب طوعا وكرها، بل تباهى أنصار بوش لأغراض الدعاية الخارجية بالقول إنه أول من قدم "رؤية" لإقامة دولة فلسطينية، وتحدث عنها بصريح القول.

لكن لكلمة vision الإنجليزية معاني ودلالات شتى -غير "الرؤية"- يحسن تسليط الضوء عليها، لفهم المعنى النفسي والمدلول السياسي الذي تحمله. ومن معاني هذه الكلمة "الخيال" و"الوهم" و"الرؤيا" و"الشبح" و"التصور" و"الأمر غير العملي" و"الكشف" و"التأمل" و"الذكاء" و"الفراسة"... إلخ.

ولما كان الرئيس بوش لا يتهم بالذكاء والفراسة –كما يقول خصومه والعهدة عليهم– فلم يبق لنا إلا أن نحمل الكلمة هنا على بعض المعاني الأخرى. ولعل كل الألفاظ السابقة –عدا الذكاء والفراسة- تصلح مرادفا عربيا لما أراده بوش.

• فالرئيس بوش يبيع العرب والفلسطينيين "وهما" و"خيالا" لا حقيقة له ولا روح فيه.
• وربما استحالت الدولة الفلسطينية المقترحة إلى "شبح" يطاردهم أو يطاردونه، لا فرق.
• كما أن هذه الدولة لا تعدو –في الواقع- أن تكون "تصورا غير عملي" و"تأملا" فلسفيا.
• وأخيرا فإن خطة بوش قد تكون "كشفا" من كشوفاته التي يتلقاها من "الرب" كما يقول.

لكن المرادف الذي أحبذه -ويحبذه الرئيس بوش على الراجح- هو كلمة "الرؤيا"، وذلك لسببين:

أولهما: أن "الرؤيا" مصطلح مسيحي أصيل، و"سفر الرؤيا" –آخر أسفار الإنجيل- هو السفر الأثير إلى قلوب الأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة، بمن فيهم الرئيس بوش، لأنه يتحدث عن فتن آخر الزمان وحروبه. وهو منطلقهم الفكري في دعم إسرائيل، ودليلهم العملي على أن العود الثاني للمسيح قد "أظلنا زمانه".


إذا كان دور بوش هو الرؤيا ودور شارون هو تأويلها وإعطاؤها المضمون الذي يريد حسب هواه، فإن دور القيادة المصرية والأردنية هو دور الشاهد المتواطئ في تحقيق وتنفيذ هذه الرؤيا
وثانيهما: أن خطة بوش كانت أقرب إلى الرؤيا والحلم الذي لا يملك صاحبه من تأويل معناه شيئا. فالذي يملك تعبير رؤيا بوش حول الدولة الفلسطينية هو شارون وليس بوش، كما برهنت عليه قمتهما الأخيرة التي هي عاشر قمة لهما في ثلاثة أعوام.

لقد كان الإعلان عن رؤيا الرئيس بوش حول الدولة الفلسطينية قبيل غزو أفغانستان بأيام مفيدا للإستراتيجية الأميركية في العالم الإسلامي. فهو عملية علاقات عامة، هدفها التهدئة من روع المسلمين، والتخفيف من غضبهم في وقت كانت تستعد فيه القوات الأميركية لاجتياح بلد مسلم. ولذلك عاد بوش للحديث عن رؤياه تلك قبيل غزو العراق أكثر من مرة، للغاية الدعائية ذاتها، وهي تسويق قرار الغزو.

وأخيرا جاء شارون إلى واشنطن حاملا معه تعبير الرؤيا التي رآها بوش منذ عامين ونصف. وقد كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن حقيقة العلاقة بين بوش وشارون في هذا الأمر، ومن هو المفعول به منهما ومن هو الفاعل.

فقد ذكرت معاريف في عددها الصادر يوم 15 أبريل/ نيسان 2004 أن شارون هدد بوش -بكل فجاجة- بأنه إذا لم يطلعه على نص البيان الختامي الذي سيتلوه خلال مؤتمرهما الصحفي قبل أن يصعد إلى طائرته متوجها إلى واشنطن، فإنه (أي شارون) سيلغي الزيارة! وقد قبل بوش بذلك صاغرا وأرسل مسودة البيان.

ولا بد من المسارعة إلى أن ما صرح به بوش من سياسات أميركية كان موجودا بالفعل على الأرض منذ عقود. فالمستوطنات كانت تبنى بعطايا أميركية سخية منذ العام 1967، رغم انتقاد القادة الأميركيين لها قولا، لتهدئة بال الشعوب العربية الغافلة، والحفاظ على ما تبقى من ماء وجه لدى حلفاء واشنطن من قادة العرب.

لكن الرئيس بوش امتاز عن سالفيه بالصراحة والجرأة، ورغم ما يتهمه به خصومه من ضعف ذهني وتلكؤ خطابي، فلا أحد يتهمه باللف والدوران، أو بالغموض في ما يريده وما يفعله.

وقد امتازت كلمة بوش في مؤتمره الصحفي مع شارون الأسبوع الماضي بذلك الوضوح المعتاد. واستخدم بوش مصطلحات جديدة ترفع الشك باليقين –لمن يحتاج إلى ذلك– حول النوايا والخطط الأميركية تجاه القضية الفلسطينية.

فقد تحدث الرئيس الأميركي عن "يهودية" دولة إسرائيل، وهو ما يعني تصفية عرقية للفلسطينيين، حتى الذين يحملون منهم الجنسية الإسرائيلية. واستعمل مصطلح "خطوط الهدنة" بدلا من "الحدود" بين الكيان الإسرائيلي والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وابتدع اسما جديدا "للمستوطنات اليهودية" في الضفة الغربية، فسماها "تجمعات سكانية إسرائيلية". وأخيرا دعا الفلسطينيين إلى "الواقعية"، وعدم الطموح إلى تفكيك تلك "التجمعات".

لليهود الأميركيين حضور متميز داخل البيت الأبيض هذه الأيام، منهم "كين ملمان" المدير السياسي للبيت الأبيض، و"أبراد بلاكمان" مدير جدولة برنامج الرئيس، و"لويس ليبي" مدير مكتب نائب الرئيس، و"أليوت أبرامز" مدير مجلس الأمن القومي المكلف بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمهام الدولية، و"آدم غولدمان" المسؤول في البيت الأبيض عن العلاقة مع الجالية اليهودية (منصب فريد من نوعه في أميركا والعالم).


لم يرض شعب قط بتقاسم أرضه مع مستعمريه إلا وفقدها كلها، وفقد ذاته في نهاية المطاف
وكان من هؤلاء الرهط إلى عهد قريب "آري فلايشر" الناطق باسم البيت الأبيض، و"ديفد فروم" كاتب خطابات الرئيس. كما أن حضور اليهود الأميركيين في وزارتي الدفاع والخارجية أبين وأقوى.

والراجح أن يكون بيان بوش الذي تلاه مع شارون حول القضية الفلسطينية الأسبوع الماضي من تحرير أحد هؤلاء الرهط، وقد يكون مجرد رسالة فاكس تلقاها بوش من شارون قبيل قمتهما بأيام أو ساعات، لأن بوش لا يملك سلطة تأويل رؤياه، وتحديد مضمون تصوره. وإنما يملك ذلك شارون وأعضاء ليكود الأميركي المحيطون بالرئيس بوش.

وتكفي نظرة سريعة على نص "خطة فك الارتباط" التي أعلنها شارون، وذكر في مقدمتها أنها "تحقيق لرؤية الرئيس بوش" لاكتشاف الوهم الكبير الذي باعه بوش للعرب بإعلانه تأييده قيام دولة فلسطينية.

فقد وردت في نص الخطة –كما نشرها موقع الجزيرة نت نقلا عن صحيفة معاريف الإسرائيلية– نقاط جديرة بالتأمل، منها:

أولا: بالنسبة لقطاع غزة الذي وعد شارون بالانسحاب منه، ووصف بوش ذلك بأنه خطوة "تاريخية وشجاعة"، نصت الفقرة الثالثة من خطة شارون على ما يلي:

1. ستشرف إسرائيل وترابط على الحدود الخارجية للقطاع من اليابسة، وستسيطر بشكل مطلق على المجال الجوي للقطاع، وستواصل القيام بعمليات عسكرية في المجال المائي لقطاع غزة.
2. يكون قطاع غزة منطقة منزوعة من الأسلحة التي لا تتفق مع الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين.
3. تحتفظ إسرائيل لنفسها بالحق الأساسي بالدفاع عن النفس، بما في ذلك القيام بخطوات مانعة (وقائية) وكذلك بالرد، من خلال استخدام القوة، ضد التهديدات التي ستنشأ في المنطقة.

ومعنى هذا -والكلمات لا تحتاج تأويلا هنا– هو أن قطاع غزة، بعد "انسحاب" قوات الاحتلال من مدنه، ستبقى حدوده الجوية والبرية والبحرية تحت السيطرة الإسرائيلية، وسيبقى الجيش الإسرائيلي يطارد ساكنيه العزل المنزوعي السلاح بنص الخطة، ويقتحم مدنهم وقراهم متى شاء، ويعيث فيهم فسادا وتقتيلا وتشريدا كما يريد. فأي تحرير أو انسحاب هذا؟!

ثانيا: بالنسبة للضفة الغربية التي تمثل عمق الكيان الفلسطيني الذي كان عرفات وصحبه من المؤمنين بالعدالة المنقوصة يراهنون عليه، فقد نصت الفقرة الأولى من الخطة على ما يلي:

"من الواضح أنه ستبقى في الضفة الغربية مناطق ستكون بمثابة جزء من دولة إسرائيل، وبضمنها مستوطنات مدنية، مناطق أمنية وأماكن سيكون لإسرائيل فيها مصالح أخرى". وهذا الشيء "الواضح" هو الذي طلب الرئيس بوش من الفلسطينيين أن يكونوا "واقعيين" في قبوله.

وإذا كان دور بوش هو الرؤيا، ودور شارون هو تأويلها وإعطاءها المضمون الذي يريد حسب هواه، فإن دور القيادة المصرية والأردنية هو دور الشاهد المتواطئ في تحقيق وتنفيذ هذه الرؤيا.

فقد نصت الفقرة الخامسة من خطة شارون على أن "توافق إسرائيل على أن يتم، بالتنسيق معها قيام جهات أميركية بريطانية مصرية أردنية أو خبراء آخرين، توافق عليهم إسرائيل، بتقديم المشورة والمساعدة والتدريب لقوات الأمن الفلسطينية كي تقوم بمحاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن العام.. وتصر إسرائيل على منع وجود قوات أمنية غريبة في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، دون التنسيق معها وبغير موافقتها".

وليس لهذا الكلام من مدلول سوى أن قيادتي مصر والأردن وافقتا على لعب دور الشاهد المتواطئ في تحقيق حلم شارون واغتيال الحلم الفلسطيني. وإلا فأنى لشارون أن يقحم اسم مصر والأردن مرارا في خطته دون موافقة قيادة البلدين؟! وأنى له أن يتحدث في خطته عن "اتفاق موثوق" مع مصر و"إمكانية إقامة منطقة صناعية مشتركة" مع مصر في غزة، واستمرار السيطرة على المعابر بالتنسيق مع مصر والأردن دون تلك الموافقة؟!

ورغم ما أبداه الرئيس المصري حسني مبارك على الملأ من "دلال وصدود" ضد الخطة الإسرائيلية الأميركية خلال زيارته الأخيرة لأميركا وأوروبا، وما أبداه الملك عبد الله على الملأ من "شهامة عربية" في تأجيل لقائه مع بوش منذ أيام، فإن كلا الرجلين "مكره لا بطل"، وليس بوسع أي منهما أن يرفض لواشنطن طلبا جوهريا مثل هذا.

فالنفق المظلم الذي وضع فيه حلفاء واشنطن من قادة العرب أنفسهم لا يترك أمامهم هامشا للمناورة، وكل ما يستطيعون فعله هو ازدواجية الخطاب، والتعاون في السر في تحقيق ما يدينونه في العلن. كما أن الوقائع الصلبة –بعيدا عن بلاغة الخطاب- تدل على تواطؤ واضح، ومنها زيارة الملك عبد الله السرية إلى إسرائيل، وزيارة الرئيس مبارك شبه السرية إلى تكساس.


أحسن الرئيس بوش إلى جميع العرب والمسلمين في كل أرجاء الأرض حينما استعمل مضرب السيف بدل مبضع الجراح، وتخلى عن وسائل التخدير التي درج عليها سالفوه
وخلافا للمواقف المزدوجة التي يتبناها بعض قادة العرب، فإن الرئيس بوش يستحق شكرا من الفلسطينيين وكافة العرب والمسلمين، لقد أحسن الرئيس بوش -بجلافة جنده وصلافة مواقفه- إلى العراقيين، حينما وحدهم في وجه الاحتلال بعد عهود من التمزق الطائفي، فرأينا شيعة بغداد يتبرعون بالدم لسنة الفلوجة، أثناء المذبحة الأميركية الأخيرة هناك، بعد أن كان بعضهم يسفك دماء بعض.

وأحسن الرئيس بوش إلى الفلسطينيين بصراحته وفجاجته، حينما تخلى عن "الغموض" الذي نصحه به دبلوماسيوه، فكشف عن نواياه في تصفية القضية الفلسطينية عارية، ووضع الفلسطينيين بفصائلهم وسلطتهم أمام واقعهم مجردا من كل زخرف، ودفعهم ليكونوا "واقعيين"، لا بالمعنى الذي أراده هو بالطبع، بل بالمعنى الذي ينبغي أن يكون: التخلي عن سراب الأوهام حول "الوسيط الأميركي النزيه"، وعدم المراهنة على عدالة منقوصة لن تجر عليهم غير مزيد من الاستعباد والاستئصال. فلم يرض شعب قط بتقاسم أرضه مع مستعمريه، إلا وفقدها كلها، وفقد ذاته في نهاية المطاف.

بل لقد أحسن الرئيس بوش إلى جميع العرب والمسلمين في كل أرجاء الأرض، حينما استعمل مضرب السيف، بدل مبضع الجراح، وتخلى عن وسائل التخدير التي درج عليها سالفوه.

ولعل أهم ما أثمرته قمة بوش شارون الأخيرة، هي انتقال الموقف الأميركي من الغموض والتلميح إلى الوضوح والتصريح.

وقد نصح أحد المعلقين في صحيفة واشنطن بوست الرئيس الأميركي بالاستمرار في "الغموض الإستراتيجي" الذي درجت عليه القيادات الأميركية السابقة في موقفها من المستوطنات الإسرائيلية، والاستمرار في إدانة المستوطنات قولا وتمويل بنائها فعلا، كما كان يفعل أسلافه، باعتبار ذلك أفضل لدبلوماسية أميركا، وأصون لماء وجه حلفائها. لكن بوش لا يحب المواقف المزدوجة، والكلمات التي تحمل أكثر من معنى، وهو ما يستحق عليه الشكر والثناء من جميع العرب والمسلمين.

ورغم أن الشعب الفلسطيني سيعيش على المدى القريب اشتدادا في محنته المضاعفة، فإن انكشاف الحقائق وسقوط الأقنعة وانفضاح المواقف أمامه وأمام جميع المؤمنين بالعدل والحرية، أمور تخدم القضية الفلسطينية أكثر من أي شيء آخر. فليس كالحقيقة طريق إلى الحرية.

وما على الفلسطينيين سوى أن يتذكروا أن الحصار الخانق الذي ضربه عليهم الجدار العنصري هو أيضا حصار خانق للحلم الصهيوني. ويكفي أن نقارن بين مطامح إسرائيل مطلع التسعينيات حينما كان شمعون بيريز يتفلسف، وينظِّر للسيطرة الإسرائيلية على الشرق الأوسط في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، ويتطلع إلى بسط ذراع إسرائيل تجاريا ودبلوماسيا على المنطقة العربية بالكامل، وبين واقع إسرائيل اليوم، وهي تنكمش على نفسها، وتبني حزاما ناسفا حول خصرها. ففي ذلك ما فيه من الاعتراف بالفشل. فالجدار يحول إسرائيل إلى قلعة معزولة، مثل قلاع الصليبيين التي بنوها في المنطقة منذ ألف عام، فاستحالت مقابر لهم في النهاية.

إن العرب والمسلمين –خصوصا الفلسطينيين منهم- لم يبق لديهم ما يخسرونه، بعد استباحة ديارهم واستعباد قادتهم وفرض الوصاية والتبعية عليهم. أما الشعب الأميركي فلديه الكثير مما يخسره، وهو الخاسر الأكبر من رؤيا بوش ومن تأويل شارون على المدى البعيد، وهو من سيدفع ثمن إسرائيل باهظا من دمه -بكل أسف- كما دفعه باهظا من ماله على مدى نصف قرن.

ويكفي دلالة على ذلك أن نختم بسؤال طرحه الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك في مقال له بإندبندنت يوم 16 أبريل/ نيسان 2004، تعليقا على قمة بوش وشارون، فقد بدأ فيسك مقاله بتساؤل "هل يعمل جورج بوش لصالح تنظيم القاعدة"؟! يبدو السؤال غريبا بعض الشيء، لكن فيسك كان جادا، كما هو دأبه دائما.
ــــــــــــــــــ
كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة