محددات السياسة التركية تجاه حماس   
الاثنين 22/6/1435 هـ - الموافق 21/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:28 (مكة المكرمة)، 14:28 (غرينتش)
محسن صالح


محددات العلاقة
دعم حماس وشرعيتها
الحسابات الإقليمية والدولية

كانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بالكيان الإسرائيلي بعد إنشائه، وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة معه. وقد حافظ النظام العلماني الصارم المدعوم من الجيش على هذه العلاقة لسنوات طويلة.

غير أن وصول حزب الفضيلة ذي الميول الإسلامية بزعامة نجم الدين أربكان إلى السلطة سنة 1996 مهّد لتبني رؤية قائمة على سياسة الاتجاه شرقا وتفعيل العلاقات مع العالم العربي الإسلامي، والاهتمام بقضاياه وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وقد تطورت هذه العلاقات بعد وصول حزب العدالة والتنمية (الذي خرج من عباءة حزب الفضيلة) للسلطة منذ سنة 2002. وسعى الحزب إلى دور إقليمي فاعل ومؤثر لتركيا. وهذا ما عبرت عنه السياسة التركية من خلال إستراتيجية "صفر مشاكل".

محددات العلاقة
شهدت العلاقات التركية بحركة حماس تحسنا كبيرا، خصوصا منذ فوز حماس بانتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية أوائل سنة 2006. وأسهمت الخلفية الإسلامية للطرفين في تعميق هذه العلاقة. غير أن السياسة التركية، تحت حكم حزب العدالة والتنمية، تجاه حماس (وتجاه قضية فلسطين بشكل عام) حكمتها مجموعة محددات أبرزها:

شهدت العلاقات التركية بحركة حماس تحسنا كبيرا، خصوصا منذ فوز حماس بانتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، وأسهمت الخلفية الإسلامية للطرفين في تعميق هذه العلاقة

1- الاستجابة للشعور بالانتماء الإسلامي، وللموروث التاريخي، وللرغبة الشعبية للأتراك في دعم قضية فلسطين. وبالتالي العمل من خلال دعم الملف السياسي والإنساني الفلسطيني على استقطاب شرائح واسعة من الأتراك المؤيدة للشعب الفلسطيني، والمعادية للكيان الإسرائيلي.

2- مراعاة الخلفية الإسلامية والمحافظة للحزب، شرط ألا يؤثر ذلك سلبا على برامجه وأوضاعه الداخلية، ولا على علاقاته الإقليمية والدولية.

3- التعامل مع قضية فلسطين كمدخل رئيسي للمنطقة العربية والشرق الأوسط، وللعب دور فاعل في البيئة الإقليمية المحيطة بتركيا.

4- مراعاة السقف العربي الرسمي في التعامل مع القضية الفلسطينية، وتبني المبادرة العربية للتسوية السلمية والتطبيع مع "إسرائيل"، والتعامل مع قيادة المنظمة والسلطة في رام الله كقيادة رسمية للشعب الفلسطيني، والمحافظة على علاقات طيبة معها.

5- مراعاة التدرج، بحيث تكون قدرة الحزب الحاكم على الدعم واتخاذ المواقف السياسية متناسبة مع قوة وضعه الداخلي ومتانته.

6- مراعاة عضوية تركيا في حلف الناتو الذي تقوده أميركا، ومراعاة رغبة الحزب الحاكم في دخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي، وبالتالي عدم تجاوز سقف سياسات أو خطوط حمر تؤدي إلى تأزيم علاقته مع هذه القوى.

7- مراعاة علاقات تركيا الرسمية مع "إسرائيل" بأشكالها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بحيث يتم التدرج في تخفيف العلاقة أو فكّها، أو في اتخاذ مواقف حادة تجاهها، دون أن يتسبب ذلك بخلخلة وضع الحزب الحاكم داخليا، أو في مواجهة مباشرة مع الغرب.

8- يدرك حزب العدالة والتنمية أنه يعمل في ظل نظام سياسي علماني، وفي بيئة تحتكم إلى الديمقراطية وصناديق الاقتراع، وأن لديه خصوما كثيرين في الساحة المحلية، وأن للعالم الغربي أدوات نفوذ مختلفة، يمكن أن تعمل على إسقاطه انتخابيا من خلال تشويه الصورة أو افتعال الأزمات.

وبالتالي فعليه أن يراعي شروط اللعبة السياسية، ومدى متانة جبهته الداخلية وقاعدته الشعبية. وعلى ذلك، فإن الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية ستراعي مجموعة المحددات السابقة في تعاملها مع حماس، وستدعم مسار التسوية السلمية، وستحرص على عدم الدخول في دعم مكشوف للمقاومة الفلسطينية، وعلى عدم الدخول في تحدٍّ مكشوف للقوى الغربية وللكيان الإسرائيلي. لكنها ستلعب في "المنطقة الرمادية"، وسترفع سقفها تدريجيا ضمن حسابات داخلية وإقليمية ودولية معقدة.

دعم حماس وشرعيتها
اعترفت تركيا بنتائج انتخابات 2006، وطالبت باحترام قرار الشعب الفلسطيني، وقامت باتصالات مبكرة بحركة حماس، رغم المعارضة الغربية الإسرائيلية. وفي مارس/آذار 2006، قام وفد بقيادة خالد مشعل بزيارة أنقرة. وفي الشهر نفسه، أصدرت الخارجية التركية بيانا دعت فيه إلى منح حكومة حماس الفرصة من أجل إثبات نفسها، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف إيجابي من حكومة حماس.

وأدانت الحكومة التركية الحصار الذي تعرضت له الحكومة التي قادتها حماس، وعندما حدث الانقسام الفلسطيني، وسيطرت حماس على قطاع غزة، لم تتحفظ حكومة أردوغان في التعامل مع حكومة تسيير الأعمال التي تقودها حماس في القطاع. وأدانت تركيا بشدة العدوان الإسرائيلي على القطاع في نهاية 2008 ومطلع 2009.

أعادت تركيا تعريف دورها الإقليمي في ضوء الثورات والتغيرات التي شهدها العالم العربي، ولم تعد سياسة "صفر مشاكل" هي الحاكمة للسياسة الخارجية التركية، بعد وقوف تركيا إلى جانب هذه الثورات

وشكلت حادثة الاعتداء الإسرائيلي الدموي على سفن أسطول الحرية (لكسر الحصار عن غزة) في فجر 31/5/2010، الذي أدى إلى مقتل تسعة أتراك مدنيين على متنها، منعطفا حادّا في العلاقات التركية الإسرائيلية. وتسببت في ردود فعل تركية شعبية ورسمية ساخطة جدا على "إسرائيل".

وتحركت تركيا في التحشيد السياسي والإعلامي ضد الجانب الإسرائيلي، وفي تمتين علاقتها بحماس. وكان استقبال تركيا لمجموعة من أسرى حماس المبعدين في خريف 2010 ومنحهم جوازات سفر تركية لتسهيل حركتهم، مؤشرا على تطور هذه العلاقة.

وكان وزير الخارجية التركي داود أوغلو واضحا عندما أعلن في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2011 أن سياسة تركيا هي عزل "إسرائيل" وتركيعها في المنطقة. وحتى بعد أن اضطرت "إسرائيل" للاعتذار لتركيا في 22/3 /20013 عن الهجوم على سفينة مافي مرمرة، فقد كانت تركيا لا تزال غير راضية بسبب عدم إنهاء "إسرائيل" حصارها لغزة.

من جهة أخرى، أعادت تركيا تعريف دورها الإقليمي في ضوء الثورات والتغيرات التي شهدها العالم العربي منذ مطلع 2011. ولم تعد سياسة "صفر مشاكل" هي الحاكمة للسياسة الخارجية التركية، بعد وقوف تركيا إلى جانب هذه الثورات، وانعكس ذلك بشكل سلبي واضح على علاقتها مع النظام السوري، وعلى النظام المصري بعد الانقلاب العسكري على مرسي. كما انعكس بشكل متفاوت على العلاقة مع إيران والسعودية والإمارات.

وساهمت الأحداث في سوريا بدرجة أو بأخرى في تحسين العلاقات بين القيادة التركية وحركة حماس، التي كان وجودها الرئيسي في الخارج هو في سوريا، بل أصبحت تركيا مقرا لبعض قيادات حماس بعد خروجها من سوريا، والتضييق عليها في مصر.

وشهدت علاقات حماس بتركيا تطورا ملحوظا خلال سنتي 2012 و2013 وتعددت اللقاءات بين الطرفين. فقد زار رئيس الحكومة في غزة إسماعيل هنية تركيا في مطلع سنة 2012، وقد كان من اللافت للنظر تصريح لوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو يقول فيه إن زيارة هنية دليل على أن "طريق فلسطين تمر بتركيا"، حسب جريدة زمان التركية في 6/1/2012، كما زار كل من خالد مشعل وإسماعيل هنية تركيا على رأس وفد من حماس للقاء رئيس الوزراء التركي أردوغان في 18/6/2013.

كما نشطت الدبلوماسية التركية بشكل كبير دعما لحماس وقطاع غزة في وجه العدوان الإسرائيلي الذي شنته "إسرائيل" على القطاع في الفترة من 14 إلى 21/11/2012. وضغطت في المحافل الإقليمية والدولية، خصوصا بالتعاون مع مصر وقطر، لوقف العدوان ورفع الحصار.

وشهد قطاع غزة نتيجة ذلك دعما رسميا وشعبيا واسعا أربك الحسابات الإسرائيلية، وجعلها ترضخ في النهاية لشروط المقاومة في وقف عدوانها. وصل أردوغان إلى مصر في 17/11/2012 عندما كانت الاشتباكات محتدمة، والتقى الرئيس المصري محمد مرسي، كما التقى أمير قطر وخالد مشعل، وجرى الاستماع لمطالب حماس وقوى المقاومة، حيث تمّ تبنيها ونشطت هذه الدبلوماسيات إقليميا ودوليا في دعمها. وقام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بزيارة غزة، في أثناء العدوان الإسرائيلي في 20/11/2012، بالاشتراك مع وفد وزراء الخارجية العرب.

الحسابات الإقليمية والدولية
كما أشرنا في المحددات، فقد راعت حكومة أردوغان مجموعة الظروف الإقليمية والدولية. ولأن المجال لا يتسع لتغطية كافة الجوانب، فإننا نشير على سبيل المثال إلى تبنيها موقفا رسميا يدعو إلى فتح قنوات الحوار مع حماس، وضمّها إلى العملية السياسية والدبلوماسية، لإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية.

ودعا وزير الخارجية حينها علي باباجان حماس في 27/1/2009، أي بعد نحو شهر فقط على العدوان على غزة، "إلى انتهاج سياسة سلمية لتحقيق أغراضها بدلا من الكفاح المسلح"، بينما قال غل "نحن ندعم مبادرة السلام العربية، ونعتقد أنها أفضل حلّ لمشكلات المنطقة".

وتواصلت السياسة التركية الإيجابية مع الحكومة الفلسطينية في رام الله، وقد زار الرئيس عباس تركيا في 29/2/2012، وفي 4/6/2012 ، ونفذت تركيا العديد من المشاريع سنتي 2012 و2013 في القدس والخليل وغزة وطولكرم ونابلس وطوباس وغيرها.

لن تذهب الآن العلاقات التركية الإسرائيلية إلى قطيعة كاملة، وستتابع تركيا سياستها في "الدعم المحسوب" لفلسطين ولحركة حماس، وفي المطالبة برفع الحصار عن غزة، وستتابع علاقتها الإيجابية مع السلطة في رام الله

من ناحية أخرى، سلكت الحكومة التركية تحت قيادة حزب العدالة والتنمية سلوكا براغماتيا فيما يتصل بعلاقاتها التجارية مع "إسرائيل". ولم تتأثر هذه العلاقات كثيرا بسبب توجهات تركيا إلى تحسين علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، ودعم قضية فلسطين، وتطوير علاقتها بحركة حماس، ولا حتى بسبب الأزمة السياسية الكبيرة الناشئة عن حادثة الهجوم الإسرائيلي على سفينة كسر الحصار التركية مافي مرمرة في 31/5/2010.

وقد يعزى جزء من حالة التناقض الظاهر بين توتر العلاقات السياسية وتحسن العلاقات التجارية بين الطرفين، إلى وجود شبكات مصالح تدير علاقاتها بمنأى عن العلاقات السياسية، وإلى عدم تمكن حكومة حزب العدالة والتنمية من فرض نفوذها وسياساتها على هذه الشبكات في بيئة علمانية واقتصادية مفتوحة، وتحاول الانضباط بمعايير الاتحاد الأوروبي في بناء العلاقات التجارية، أو إلى أن بعض أشكال العلاقة تأخذ بعين الاعتبار حاجة الجيش التركي للمنتجات والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.

وهكذا، فإن حجم التجارة بين البلدين ازداد في 2011 عن 2010 بنسبة تقارب 29.3%، غير أن هناك انخفاضا في التبادل التجاري بنسبة 10% قد حدث سنة 2012، لكن هذا التبادل سرعان ما استرد عافيته سنة 2013، عندما زاد حجم التبادل التجاري بنسبة 25% عن سنة 2012، وبنسبة 13% مقارنة بسنة 2011. وتؤكد هذه الإحصائيات على السلوك البراغماتي لدى الطرفين، بحيث تحولت تركيا سنة 2013 إلى ثامن شريك تجاري لـ"إسرائيل" على مستوى العالم، وبحجم تبادل تجاري يبلغ نحو خمسة مليارات دولار.

وأخيرا، فعلى الرغم من التعاطف الشعبي والرسمي التركي الواسع مع القضية الفلسطينية، وعلى الرغم من الفوز الكبير لأردوغان وحزبه في الانتخابات البلدية الأخيرة، فإن من الصعب على تركيا أن تكون عضوا في الناتو وساعية لعضوية الاتحاد الأوروبي، وأن تنهج في الوقت نفسه سياسات معادية عداء مكشوفا لـ"إسرائيل".

ولذلك، فمن غير المتوقع في الظروف الراهنة أن تذهب العلاقات التركية الإسرائيلية إلى قطيعة كاملة، وستتابع تركيا سياستها في "الدعم المحسوب" لفلسطين ولحركة حماس، وفي المطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، وستتابع علاقتها الإيجابية مع السلطة في رام الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة