إسرائيل وعقدة الديمغرافيا   
الثلاثاء 24/8/1434 هـ - الموافق 2/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
نبيل السهلي

الديمغرافيا كعصب للدولة الصهيونية
الخارطة الديمغرافية الراهنة
آفاق الميزان الديمغرافي

تحتفل الحركة الصهيونية في الحادي والثلاثين من أغسطس/آب القادم بمرور مائة وستة عشر عاماً على تأسيسها، فما هي الإنجازات التي تحققت في إطار الصراع الديمغرافي بين العرب واليهود في فلسطين خلال الفترة من مؤتمر بال في أغسطس/آب 1897 وحتى العام الحالي 2013 ، وما هي أفاق الصراع المذكور؟ ثمة أسئلة سنحاول الإجابة عليها في سياق هذا العرض. 

لقد عقدت مراكز البحث الإسرائيلية عشرات الندوات لتوصيف واقع الصراع الديمغرافي بين العرب واليهود وآفاقه، وصولاً إلى تسجيل توصيات من شأنها تهيئة الظروف لقلب الميزان الديمغرافي لصالح المستوطنين اليهود في نهاية المطاف. 

والملاحظ أن حكومة نتنياهو تسعى في سباق مع الزمن لترسيخ فكرة يهودية الدولة على الأرض، من خلال تهويد الزمان والمكان، في وقت يحاول فيه المفاوض الإسرائيلي انتزاع موافقة فلسطينية بتلك الفكرة.

اتبعت الحركة الصهيونية وسيلتين لتحقيق غاياتها في فلسطين، تمثلت الأولى: بجذب يهود العالم إلى فلسطين, والثانية: بارتكابها بحق أصحاب الأرض الشرعيين مجازر عديدة لدفعهم إلى الهروب للخارج

الديمغرافيا كعصب للدولة الصهيونية
اتبعت الحركة الصهيونية وسيلتين لتحقيق غاياتها في فلسطين، تمثلت الأولى بجذب يهود العالم إلى فلسطين عبر طرق مختلفة، وفي المقابل ارتكبت بحق أصحاب الأرض الشرعيين مجازر عديدة لدفعهم إلى الهروب خارج وطنهم فلسطين، وبهذا كان اليهود الركيزة الأهم لقيام الدولة على حساب الأرض الفلسطينية وسكانها العرب.

في عام 1948 طردت العصابات الصهيونية بفعل ارتكاب عشرات المجاز (750) ألف فلسطيني يمثلون آنذاك (53.6%) من مجموع الشعب الفلسطيني البالغ مليونا وأربعمائة ألف فلسطيني، وتركز معظم اللاجئين الفلسطينيين إثر نكبة عام 1948 في المناطق الفلسطينية الناجية من الاحتلال، أي في الضفة والقطاع (80.5%), في حين اضطر (19.5%) من اللاجئين الفلسطينيين إلى التوجه للدول العربية الشقيقة، سوريا، والأردن ولبنان، ومصر والعراق، ما لبث العديد ممن توجهوا إلى الدول العربية للسفر إلى مناطق جذب اقتصادية في أوروبا وأميركا وبعد ذلك إلى دول الخليج العربية.

ويشار إلى أنه بقي في المناطق الفلسطينية التي أنشئت عليها إسرائيل والبالغة (78%) من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومتراً مربعاً، بقي نحو 151 ألف فلسطيني تركز غالبيتهم في الجليل الفلسطيني، وصل عددهم في عام 2013 إلى (1.4) مليون فلسطيني.

الخارطة الديمغرافية الراهنة
بفعل الزيادة الطبيعية العالية بين الفلسطينيين، ارتفع مجموعهم ليصل إلى (11.6) مليون عربي فلسطيني في عام 2013 -حسب الجهاز الإحصائي الفلسطيني-، والملاحظ للباحث المتخصص أنه رغم السياسات الإسرائيلية التي أدت إلى عمليات ترانسفير طالت نحو 70% من الشعب الفلسطيني في عامي 1948 و1967، بيد أن غالبية الفلسطينيين تتركز في حدود فلسطين التاريخية والدول العربية المجاورة، وتشير المعطيات إلى أن (45.6%) هم في فلسطين التاريخية، و(54.4%) خارجها في المنافي القريبة والبعيدة.

وتقدر نسبة الفلسطينيين المقيمين في فلسطين وحولها في الدول العربية المجاورة (80%) من مجموع الشعب الفلسطيني في عام 2013، وباقي النسبة من الشعب الفلسطيني وتصل إلى (20%)  تتوزع في الدول العربية غير المجاورة لفلسطين وأوروبا وأميركا.

يتوزع اللاجئون على خمس مناطق لجوء في إطار أونروا، ومنطقتين خارج أونروا في الوطن العربي هما العراق ومصر، فضلاً عن التوزع في المنافي البعيدة في الدول الأميركية والأوروبية

وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين فإن عددهم يقدر في عام 2013 بنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني، منهم (5.3) ملايين مسجلين في أونروا، أي حوالي (88%) من مجموع اللاجئين المقدر في العام المذكور، وبذلك تصل نسبة اللاجئين إلى مجموع الشعب الفلسطيني في عام 2013 نحو (55%), في حين لا تتعدى النسبة (48.8%) حسب المسجلين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين أونروا.

ويتوزع اللاجئون على خمس مناطق لجوء في إطار أونروا، ومنطقتين خارج أونروا في الوطن العربي هما العراق ومصر، فضلاً عن التوزع في المنافي البعيدة في الدول الأميركية والأوروبية، وبشكل عام تستحوذ الأردن على (41%) من إجمالي اللاجئين، وقطاع غزة (22%), والضفة الفلسطينية (16%)، وكل من سوريا ولبنان (10.5%) على التوالي من  إجمالي اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات أونروا في 2013.

آفاق الميزان الديمغرافي
يؤكد الباحثون في مجال الديمغرافيا أن مجموع الشعب الفلسطيني يتضاعف كل عشرين عاما، وتبعاً لذلك سيصل مجموع الشعب الفلسطيني إلى (23.2) مليون في عام 2033، وذلك بناء على سنة أساس هي 2013 ومعدل نمو وسطي قدره (3%) سنوياً، في مقابل ذلك يتضاعف مجموع اليهود في إسرائيل كل 47 عاماً بناء على سنة أساس 2013 حيث عدد اليهود في إسرائيل (5.9) ملايين يهودي، ومعدل النمو دون الهجرة  -خاصة بعد تراجع زخم الهجرة منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم- هو (1.5%).

وبالنسبة لأهم الخصائص التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني الفتوة، بسبب اتساع قاعدة الهرم السكاني الممثل للأطفال الفلسطينيين، وتصل نسبة الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلى أكثر من (50%) من الشعب الفلسطيني بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيون الذين يشكلون (55%) من الشعب الفلسطيني كما ذكرنا، ومرد ارتفاع نسبة الأطفال ارتفاع معدلات الخصوبة الكلية للمرآة الفلسطينية حيث يصل المعدل إلى خمسة أطفال طيلة الحياة الإنجابية، وتتفاوت نسب الأطفال والخصوبة بين التجمعات الفلسطينية وإن كانت المؤشرات أعلى في قطاع غزة، وسبب التفاوت في المؤشرات اختلاف العادات والتقاليد والظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة.

ويمكن تقدير الزيادة السنوية للعرب الفلسطينيين، بناء على سنة أساس 2013، ومعدل نمو (3%)سنويا، حيث يزيد العرب الفلسطينيون بمقدار (246 ألف) نسمة على مدار العام، ومعدل شهري قدره (20500) نسمة، أي أن هناك ثمة 683 مولوداً فلسطيني على مدار اليوم، وفي الساعة (28.5) مولوداً، مقابل ذلك يزيد اليهود في إسرائيل بمقدار 63600 سنوياً، بمعدل (5300) شهرياً، وفي اليوم (177) مولوداً ، وفي الساعة يزداد اليهود بمقدار (7.4) مواليد، أي أن الزيادة بين العرب الفلسطينيين تشكل أربعة أضعاف الزيادة اليومية بين اليهود في إسرائيل.

ثمة تراجع لعوامل الطرد لليهود من دول الأصل باتجاه فلسطين المحتلة، خاصة وأن أكثر من نصف اليهود في العالم موجودون حالياً في دول أكثر جذباً من الاقتصاد الإسرائيلي

والملاحظ أن الصراع الديمغرافي بين العرب الفلسطينيين واليهود في إسرائيل، هو لصالح العرب في المدى البعيد، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار معدلات النمو العالية بين العرب مقارنة بمثيلاتها بين اليهود، فضلاً عن تراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين المحتلة، بفعل تراجع عوامل الجذب المحلية لليهود إلى فلسطين المحتلة في المقام الأول، في حين أنه لا توجد عوامل طاردة لليهود باتجاه فلسطين المحتلة من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، وقد يكون صمود الفلسطيني فوق أرضه العامل الأهم في الصراع المذكور، خاصة وأن الحركة الصهيونية وإسرائيل اعتمدت فكرة الترانسفير للعرب الفلسطينيين مدخلاً أساسيا من أجل تحقيق التفوق الديمغرافي في المدى البعيد. 

ويشار أيضاً إلى تراجع عوامل الطرد لليهود من دول الأصل باتجاه فلسطين المحتلة، خاصة وأن أكثر من نصف مجموع اليهود في العالم موجودون حالياً في دول أكثر جذباً من الاقتصاد الإسرائيلي، مثل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة (5.6) ملايين يهودي، ونحو (600) آلف يهودي في فرنسا.

مما تقدم يتضح أن هناك صراعاً هاما خفياً يحصل بين العرب واليهود على أرض فلسطين، وهو لصالح العرب في المدى الإستراتيجي كما أشرنا وللأسباب المذكورة أنفاً، لكن تبقى الإشارة إلى ضرورة دعم العرب الفلسطينيين فوق أرضهم، حتى لا تتحقق أحلام المؤسسة الإسرائيلية في قلب الميزان الديمغرافي لصالح اليهود بعد تحقيق السيطرة الكبيرة على الأرض الفلسطينية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة