ذكرى الثورات بين اليوتوبيا وأوهام الانبعاث   
الجمعة 1434/3/14 هـ - الموافق 25/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:37 (مكة المكرمة)، 10:37 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

مع حلول الذكرى الثانية لانطلاق قطار الثورات العربية، طفقت الشعوب العربية تلملم أوراقها وتراجع حساباتها، بتفحص لما مضى وترقب لما بقي. وبين دعوات لشحذ الهمم بغية مواصلة الثورة وبلوغ مراميها، ومطالبات بإشعال ثورة جديدة تصحح مسار الثورة الأم وتعيدها إلى أحضان صناعها الحقيقيين بعد استلابها من قبل قراصنة الثورات، وقف الربيع العربي عند مفترق طرق بين يأس من اليوتوبيا المفقودة وآمال في ثورة جديدة مستحيلة.

سوسيولوجيا الثورات
إذا كان من المتعذر على أي تحرك احتجاجي شعبي أن يتحول إلى فعل ثوري قبل أن يحظى بالدعم الجماهيري الواسع، فقد أضفي انضمام الفئات الاجتماعية المهمشة إلى انتفاضة الشباب الثائر بمختلف أصقاع بلدان الربيع العربي سمتا ثوريا على تلك الانتفاضة جعلها إلى الثورة الحقيقية أقرب، ليبدو جليا تعانق الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية للفعل الثوري.

انضمام الفئات الاجتماعية المهمشة إلى انتفاضة الشباب الثائر بمختلف أصقاع بلدان الربيع العربي أضفى سمتا ثوريا على تلك الانتفاضة وجعلها إلى الثورة الحقيقية أقرب

وبينما ينصرف اهتمام علم الاقتصاد السياسي بالأساس إلى دراسة ديناميكيات التفاعل بين "السلطة" و"الثروة" وتأثير كل منهما على الآخر كما على سياسات الدولة وتوجهاتها على الصعيدين الداخلي والخارجي، اقتضت قواعد التغير الاجتماعي ألا تنتج الثورات بيئة ملائمة للنمو الاقتصادي، كون الثورة بطبيعتها فعلا للتغيير الجذري الشامل في هيكل وبنية المجتمع والدولة في آن، تتوقف على أثره الأنماط التقليدية للعلاقات الاقتصادية أو يتغير مسارها إلى حين استقرار الأوضاع مجددا بما يسمح بعودة عجلة الاقتصاد الطبيعي للدوران.

وشأنها شأن سائر الثورات التي عرفها تاريخ البشر، ألقت الثورات العربية بظلالها السلبية المرحلية على اقتصادات دول الربيع العربي، بين تآكل احتياطي النقد الأجنبي وانكماش الاستثمارات الأجنبية إثر هروب المستثمرين والرساميل، إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم ونسبة البطالة وﻋﺠز ﺍﻟموﺍﺯنة.

ومن بين وعود هائلة من العرب والعجم بدعم اقتصادات دول الربيع العربي، لم تتلق حكومات هذه الدول سوى النذر اليسير، حتى إن وزيرة الدولة التونسية لشؤون الاستثمار والتعاون الدولي أكدت أنه من بين 30 مليار دولار كانت قمة مجموعة الثماني المنعقدة في مايو/أيار 2011 قد وعدت بها حكومات دول الربيع العربي، لم يصل بلادها سوى 250 مليون دولار فقط.

ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لمصر، التي علقت المساعدات الغربية لها، في حين تنصلت دول مجاورة عديدة من وعودها بدعم اقتصادها المنهك لأسباب عديدة كان من أبرزها تعاطف بعض دوائر الحكم في تلك الدول مع نظام مبارك فضلا عن هواجس العدوى الثورية.

وفيما تبدل على البلاد في هذه الفترة القصيرة أربعة رؤساء وزارات من خلفيات مختلفة، وتولى الحقائب الاقتصادية لوزارات المالية والتخطيط والاستثمار والتموين والصناعة والزراعة والسياحة ما يقرب من عشرين وزيرا، لم يشهد الوضع الاقتصادي تحسنا ملموسا.

الأمر الذي دفع بمؤسستي موديز وستاندارد آند بورز للتصنيفات الائتمانية إلى خفض رتبة الديون المصرية كما التصنيف الائتماني لبعض البنوك، ما أدى إلى اهتزاز ثقة المجتمع الدولي في الاقتصاد المصري بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتخبط الإداري إضافة إلى زيادة حجم الديون السيادية.

وبموازاة ذلك، لا تزال الإنجازات السياسية البطيئة والمحدودة التي تحققت أسيرة للطعن في شرعيتها، فبعد صدور أحكام قضائية باتة بحل أول جمعية تأسيسية لوضع دستور الثورة، ومن بعدها أول برلمان منتخب، تترقب الجمعية التأسيسية الثانية قرارا مشابها فيما يتوجس قانون انتخاب البرلمان الجديد خيفة من حكم وشيك للمحكمة الدستورية العليا بشأن دستوريته، ورغم أن دستور الثورة قد مرر عبر الاستفتاء الشعبي بنسبة 64%، فإنه لا يزال محل جدل سياسي كبير، شكل بدوره دافعا لفصائل سياسية وجماهيرية تتشكك في شرعيته كما في شرعية أول رئيس مدني منتخب، للاحتشاد في تظاهرات احتجاجية في الذكرى الثانية لانطلاق ثورة 25 يناير، تطالب بإسقاطهما معا.

ثورة التوقعات
من بين تداعيات شتى للثورات على المجتمعات التي تندلع في ربوعها، برأسه يطل إسهام تلك الثورات في رفع سقف التوقعات لدى قطاعات جماهيرية واسعة فيما يتعلق بطموحاتها السياسية ومطالبها الاقتصادية، حيث تستتبع كل ثورة شعبية ثورة أخرى موازية في تطلعات الجماهير من ورائها، على كل الصعد.

مع تواضع أداء الحكومات الجديدة وتقلص قدرتها على الوفاء بمطالب الشعوب، جراء التحديات, تتولد حالة من الغضب الشعبي العارم، الذى يبلغ حد اليأس والإحباط حيال النخبة الحاكمة والثورة

ومع تواضع أداء الحكومات الجديدة وتقلص قدرتها على الوفاء بمطالب الشعوب، جراء التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية الجسام التي تحاصر البلاد في المرحلة الانتقالية، تتولد حالة من الغضب الشعبي العارم، الذي يبلغ حد اليأس والإحباط حيال النخبة الحاكمة والثورة.

وغير بعيد عن ثورة التوقعات، يتجلى تقلص قدرة الجماهير على الصبر والاحتمال ودفع نصيبها من فاتورة التغييرات العميقة في ظروف بالغة الدقة والتعقيد، خصوصا إذا ما لم يتأت من الثورات في المراحل الانتقالية العصيبة والممتدة سوى الانفلات الأمني والتأزم الاقتصادي والصراع السياسي بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة على السلطة.

وغالبا لا تعبأ الشعوب بمخاطر المراحل الانتقالية وحساسية عمليات التحول، وقد لا تكترث بطول أمد المراحل الانتقالية، إلى الحد الذي عبر عنه الزعيم الصيني الأشهر ماو تسي تونغ عام 1975 في رده على سؤال حول تقييمه للثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، بالقول "إنه من السابق لأوانه الحكم على هذه الثورة"، ومن بعده الرئيس البرتغالي السابق جورج سامبايو حينما أعلن "أن بلاده احتاجت إلى سبع سنوات لوضع القطار على السكة وبناء الدولة بشكل صحي".

وتكمن أبرز التداعيات الخطيرة لهذا السخط وذلك الإحباط الشعبيين في انعكاساتهما السلبية على سلوكيات الجماهير، بحيث تتصاعد وتيرة العنف التعبيري لدى بعض الفصائل الشعبية لتنحرف بالفعل الثوري صوب الفوضى أو التعدي على هيبة الدولة، التي استبد بها الانكشاف والارتباك إلى الحد الذي يسمح للمجترئين عليها بإرهاب مؤسساتها كالقضاء والشرطة وغيرها من خلال محاصرتها والتأثير في عملها بما يحول دون توفر المناخ الملائم الذي يضمن لها أداء واجبها بما يرسي دعائم دولة المؤسسات وسيادة القانون.

ففي تونس، التي شهدت تفجر أولى شرارات الربيع العربي، أفضى شعور قطاع كبير من الجماهير بخيبة أمل واسعة جراء الثورة، بعدما تفاقم التدهور الاقتصادي وازدادت حدة الانقسام السياسي بشأن الدستور الجديد والانتخابات، وتدهور الأمن نتيجة العنف الاجتماعي وانبعاث الفكر الجهادي والتكفيري، إلى حالة من الاستياء البالغ والسخط الشديد إزاء أداء الحكومة بدت ملامحهما جلية أثناء زيارة الرئيس التونسي المنصف المرزوقي لمدينة سيدي بوزيد مهد ثورة الياسمين، حيث قوبل أول رئيس منتخب بعد الإطاحة ببن علي بوابل من الحجارة.

وأثناء الاحتفال بالذكرى الثانية للثورة، تظاهر آلاف التونسيين في العاصمة وسيدى بوزيد ومدن أخرى للمطالبة بتحقيق مطالب الثورة، وعلى رأسها القصاص للشهداء ومحاسبة الفاسدين، ورددوا هتافات معادية لحكومة النهضة، منها "النهضة ارحل"، و"يسقط حزب الإخوان"، و"الصدام الصدام حتى يسقط النظام"، و"لا خوف لا رعب.. السلطة ملك للشعب"، والشعب يريد الثورة من جديد".

وفي مصر، لم يكن الوضع أفضل حالا، حيث تتبارى فصائل وحركات سياسية متنوعة في تنظيم تظاهرات ومسيرات احتجاجية في الذكرى الثانية لثورة يناير 2011، ترفع شعارات مناهضة لجماعة الإخوان والرئيس مرسي وتندد بالدستور الجديد وقانون الانتخابات، كما تطرح حزمة من المطالب السياسية والاقتصادية، من بينها "إسقاط النظام".

ميكانيزم تعويضي
لما كانت الثورات بحكم طبيعتها تستتبع هزات اقتصادية واجتماعية وكذا ارتباكات أمنية، فإن الحاجة تبدو ملحة أمام أنظمة الربيع العربي لاعتماد ميكانيزم تعويضي مرحلي يتوخى تقليص كلفة التغيير الثوري ويضمن الانتقال الناعم والسلس نحو غد أفضل، كما يطوي بين ثناياه رسائل طمأنة للشعوب المترقبة لعوائد الثورات، إلى حين اكتمالها وبلوغها غاياتها، وذلك عبر حزمة إجراءات عاجلة من قبيل: إشراك كل القوى والفاعلين السياسيين في عملية اتخاذ القرار، وتحري الشفافية ومحاربة الفساد، علاوة على تعزيز السلم الاجتماعي وترميم أزمة الثقة بين النخبة الحاكمة والجماهير، والعمل بدأب لتوفير الأمن والحيلولة دون التلاعب بالاحتياجات الأساسية, التي لا غنى عنها للمواطنين، إضافة إلى السعي الحثيث لاستعادة الأموال المنهوبة وتحقيق العدالة الانتقالية.

بيد أن الحكومات والأنظمة التي أسندت إليها المسؤولية عقب الإطاحة بأنظمة الاستبداد السابقة في بلدان الربيع العربي لم تبل بلاء حسنا في هذا المضمار على النحو الذي يمكن أن يرقى إلى مستوى تطلعات الجماهير التواقة لجني ثمار الثورة والمتلهفة لأن ترفل في نعيمها بعد طول عناء وحرمان.
فقد تضافرت عوامل عديدة في العامين المنقضيين من أجل إعاقة تنفيذ ذلك الميكانيزم التعويضي، كان من أبرزها: الثورة المضادة والدولة العميقة، علاوة على سوء الإدارة جراء نقص الخبرة، وغياب الأمن وضخامة إرث المشكلات المزمنة والمستعصية، فضلا عن غياب التوافق الوطني بين مختلف الأطياف السياسية التي ما لبثت أن تلاقت لإسقاط النظام السابق حتى تفرقت بها السبل لاحقا لتهوي بها حساباتها الفئوية ومصالحها الحزبية الضيقة في مستنقع الصراع على السلطة.

وتزامن ذلك كله مع انعكاس تفاقم مخاوف بعض القوى الدولية والإقليمية من الثورات العربية وصعود الإسلام السياسي، بالسلب على مستقبل تلك الثورات. ففي الوقت الذي لم تخف أطراف إقليمية توجسها بجريرة ذلك، لم تتورع إدارة أوباما في ولايتها الثانية عن إعلان نيتها مراجعة إستراتيجيتها في هذا الصدد، والتي استندت في إحدى ركائزها على اعتقاد واشنطن الراسخ في قوة وتماسك تيارات الإسلام السياسي وتعاظم قدراتها السياسية والتنظيمية واتساع قاعدتها الجماهيرية واستعدادها للتأسي بالتجربة التركية، الأمر الذي يعزز من جاهزيتها لتحقيق الاستقرار الإقليمي والحفاظ على المصالح الغربية، وذلك على خلاف القوى المدنية بشتى أطيافها، التي استسلمت للضعف والتشرذم والافتقاد للرؤية وغياب الظهير الشعبي.

الحكومات والأنظمة التي أسندت إليها المسؤولية عقب الإطاحة بأنظمة الاستبداد السابقة في بلدان الربيع العربي لم تبل بلاء حسنا على النحو الذي يمكن أن يرقى إلى مستوى تطلعات الجماهير

ويبدو أن الجهود المضنية والمحاولات الحثيثة التي تبنتها تلك الحكومات توخيا لهذا المقصد التعويضي التطمينى لم تكن كافية لاسترضاء الشعوب ومعالجة إرث الأزمات الهائل عن الأنظمة السابقة.

فبينما ارتفع سقف حرية التعبير إلى آفاق غير مسبوقة، واتخذت خطوات وثابة على طريق محاربة الفساد، بشتى صوره، وتسابقت المساعي لاستعادة السيادة واستقلال القرار الوطني، ووقف التدهور الاقتصادي والارتباك الأمني والتعثر الديمقراطي بالمرصاد للحيلولة دون استكمال أو إنجاح أي تحركات من هذا القبيل.

وبينما استعصت عملية استعادة الأموال المنهوبة، تتعثر جهود تحقيق العدالة الانتقالية مع رموز النظام السابق وقتلة الثوار، كما لم يراوح ملف العدالة الاجتماعية مكانه، فبينما بدأ على استحياء تطبيق الحد الأدنى للأجور ببعض مؤسسات الدولة، لا يزال الحد الأقصى الذي يبلغ 35 ضعفا من الحد الأدنى أعلى بكثير من متطلبات المرحلة، وغير متناغم مع ما هو مطبق في الدول الديمقراطية.

وبينما أكد الميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الصادر عام 1966، الذي صادقت عليه دول الربيع العربي، على حق المواطن في الغذاء والأمن والعمل والمسكن والبيئة النظيفة والتعليم والرعاية الصحية باعتبارها حقوقا أساسية لا تقبل المساومة أو الانتقاص، مع الإشارة إلى أهمية دعمها بسياسات وقوانين نافذة وآليات تنفيذية واضحة وناجزة، لم يستشعر مواطنو دول الربيع العربي في العامين الماضيين أي إجراءات ملموسة على هذا الدرب، كما خلا الدستور المصري الجديد، رغم تأكيده على هذه الحقوق مجتمعة، من الآليات الكفيلة بإلزام الدولة بتنفيذها وضمان سبل تمويلها.

أما وقد بدا جليا مدى عجز الفعل الثوري العربي المتعثر عن مواكبة ثورة التوقعات المتعاظمة بالتزامن مع ارتباك الميكانيزم التعويضي، فإن الأمر يتطلب تحركات عاجلة وناجزة تتخطى الترضيات الآنية التي يقدمها نظام الرئيس مرسي حاليا، كالإعلان عن خفض أسعار بعض السلع أو إقامة شوادر لبيع السلع الأساسية بأسعار رمزية، أو حتى إصدار عفو رئاسي عن متظاهرين متهمين في قضايا تخريب.

ولتكن البداية من دعوة صادقة إلى حوار وطني جاد وشامل يمهد بدوره السبيل لإبرام عقد اجتماعي جديد بين القوى الوطنية قاطبة بغير إقصاء، ويسرع الخطى من أجل انتهاز الفرصة التاريخية واستكمال الثورة، التي قد لا يجود الزمان بمثلها في الأجلين القصير والمتوسط على الأقل، حيث يؤكد تاريخ الثورات أن الشعوب والمجتمعات لا يمكن أن تحتمل ثورتين متتاليتين في مدى زمنى قصير، وإن تسنى لها معايشة موجات أو هزات ثورية ارتدادية محدودة في أعقاب الزلزال الثوري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة