في أسباب انعطاف السياسة السورية   
الثلاثاء 1429/1/8 هـ - الموافق 15/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 1:34 (مكة المكرمة)، 22:34 (غرينتش)


أكرم البني

لم يكن قراراً بسيطاً أو سهلاً أن تشارك سوريا في مؤتمر أنابوليس، ليس فقط لأن مثل هذه المشاركة تضعها عملياً على مسافة بينة من حلفائها وعلى الضد من خطابها السياسي ومواقفها المتشددة التي بدأت تتصاعد وتفترق عن التوافقات العربية والعالمية منذ الحرب الأميركية على العراق واغتيال رفيق الحريري وانسحاب جيشها من لبنان، وإنما أيضاً لأنه اتخذ في لحظة سياسية خاصة من استعار الصراعات واشتداد حدة الاستقطابات ووصول الأزمات التي تعصف بالمنطقة إلى الذروة أو إلى نهايات حرجة.

وهذا يشجع على القول إن هذا القرار قد يكون بداية انعطافة تجريها السياسة السورية تلتف فيها على خيار وسمها في بحر الأعوام الثلاثة المنصرمة، بمعارضة السياسات الغربية والتصدي لها، والتناغم مع ما سمي المحور الرباعي الذي يضم إلى جانبها إيران وحزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلاميتين في فلسطين، وكأننا قد نشهد بداية رحلة جديدة من التعاطي والتفاهم مع الغرب ومحور الاعتدال العربي.

عزز ذلك زيارة الملك الأردني الخاطفة لدمشق، والاتصالات السورية الفرنسية على مستوى القمة، التي ربما تتوج بتدشين الانفتاح السوري على أوروبا وبالمقابل الأوروبي على سوريا، من خلال زيارة وزير الخارجية السوري القريبة إلى باريس.

"
فيما مضى كانت السياسة السورية تتفنن في اللعب على عامل الوقت والجمع بين المتناقضات، الاتحاد السوفياتي وأميركا، لتعزيز وزنها وتسويغ دورها الإقليمي، لكن منذ احتلال العراق ثمة مرحلة جديدة بدأت عنوانها تفكيك آليات الصراع العتيقة وقلب قواعد اللعبة القديمة
"
ويصب في القناة نفسها ما يرشح من معلومات حول مرونة سورية في التعاطي مع استحقاق الرئاسة اللبنانية، وحول احتمال بدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فيما مضى كانت السياسة السورية تتفنن في اللعب على عامل الوقت والجمع بين المتناقضات، الاتحاد السوفياتي وأميركا، أو الشرق والغرب، لتعزيز وزنها وتسويغ دورها، مطمئنة نسبياً إلى الروح العامة التي تحكم السياسات العالمية، روح التفاهم والتسليم بدورها الإقليمي، لكن منذ احتلال العراق ثمة مرحلة جديدة بدأت عنوانها تفكيك آليات الصراع العتيقة وقلب قواعد اللعبة القديمة، مما دفع الكثيرين إلى التنبؤ بأن استمرار مناوراتها لإعادة وزنها ودورها الإقليمي سوف تصل إلى طريق مسدود.

ورغم أن السياسة السورية لم تفقد بعد كل أوراق قوتها وتملك مقدرة لا تزال موضع حساب، فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أو يتجاهل المأزق الذي تعيشه اليوم وظواهر الارتباك والاضطراب التي تكتنفها كاشفة عن هوة تتسع بين ما تدعيه وما تستطيعه وبين ما تعلنه وما تضمره.

فهناك متغيرات كثيرة حدثت، لم تأخذها السياسة السورية في الاعتبار أو رفضت التأقلم معها، إما عن ضعف وعجز، أو ربما تشبث واعٍ بمصالح وامتيازات لا يريد أصحابها التنازل عنها أو عن بعضها حتى لو كان الطوفان.

أو لعل الأمر هو سوء تقدير وتضخيم للذات والاعتقاد بأن سوريا لا تزال تشكل الرقم الصعب في المنطقة الذي لا يمكن بأي حال تجاوزه، وأن ما راكمته من قوى ومن صلات وأوراق نفوذ يستحق أن يؤخذ بالحسبان وألا يهمل.

ويجري تعزيز هذا الاعتقاد بالعزف على وتر التحذير من خطورة تغيير الأوضاع والتهويل بأن مثل هذا التغيير هو الخيار الأسوأ أمام احتمال حضور فوضى لا تبقي ولا تذر أو احتمال صعود تيارات إسلامية متشددة تتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع!.

لكن اليوم تختلف التفسيرات وتتعدد حول الأسباب التي حدت بالسياسة السورية إلى هذه الانعطافة ودوافع توقيتها، هل يتعلق الأمر بتوصل النخبة الحاكمة إلى حقيقة أن طريق المساومات والابتزاز باتت مقفلة وأن الأمور وصلت إلى الأوج وبات ما يعرض عليهم للعودة إلى حقل التوافق والتفاهم هو أقصى ما يمكن أن يقدمه الغرب لهم؟!.

أم يعود إلى تقدير صائب وصحيح بأن سياسة المماطلة والرهان على عامل الوقت قد ولت ولم يعد يجدي نفعاً ترقب مستجدات يمكن الإفادة منها للالتفاف على الضغوط والحصار أمام تطورات منظورة وغير منظورة يرجح أنها سوف تأتي لتضيف مزيداً من التعقيد والصعوبات أمام دمشق؟!.

فليس أمراً نافلاً حين يستعيد الإصلاحيون الإيرانيون مواقعهم ودورهم، فينتخب هاشمي رفسنجاني رئيساً لمجلس الخبراء وهو الهيئة الأعلى في إيران المنوط بها تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ويتم تعيين قائد جديد للحرس الثوري يعتبر من المقربين لهم، وقبل ذلك يفوزون بأغلبية مقاعد المجالس البلدية.

وإذا اتفقنا على أن ما يجري في إيران لا يزال بعيداً عن مركز اتخاذ القرار ولن يؤثر بصورة مباشرة في السياسة الخارجية، فإنه بلا شك يضعفها موضوعياً ويحد من عنفوانها عملياً ويظهرها على الأقل أنها لا تحظى بموافقة الشارع الإيراني أو تأييده.

وطبعاً لا يمكن لمثل هذه التطورات في الحالة الإيرانية أن تمر مرور الكرام في الحسابات السورية التي اتكأت جيداً على الثقل الإيراني في ملماتها وكانت تعتقد أنه، بأقل كلفة، يستطيع نجدتها إلى آخر الشوط.

"
من غير المنطقي ألا تأخذ السياسة السورية في اعتبارها احتمال أرجح هو تراجع الدعم الإيراني لها مع الوقت ومع تقدم نفوذ الإصلاحيين ودورهم، وهم الذين يميلون لمنح الأولوية لمعالجة الملفات الداخلية
"
وتالياً من غير المنطقي ألا تأخذ السياسة السورية في اعتبارها احتمال أرجح هو تراجع الدعم الإيراني لها مع الوقت ومع تقدم نفوذ الإصلاحيين ودورهم، وهم الذين يميلون لمنح الأولوية لمعالجة الملفات الداخلية، مثلما لا يفضلون أساليب المواجهة والمكاسرة، وسقفهم منخفض في ما يحتمل أن يقدموه من مساندة لحلفائهم.

وأيضاً ليس حدثاً بسيطاً ما جرى في فلسطين بعد استيلاء حركة حماس على قطاع غزة، الذي أفقد السياسة السورية وزناً سياسياً ودعماً معنوياً كبيراً من الوجهة الفلسطينية، وهو حدث مرشح لمزيد من التطورات السلبية التي قد تجعل الحالة الفلسطينية مع مرور الزمن عبئاً على النظام السوري أكثر من ورقة قوة في يده.

مثلما تظهر أي قراءة سريعة للحالة اللبنانية أن الدفع نحو الخيارات الأقصى سيكون مدمراً وينعكس ضرراً على الجميع، وأن استمرار تفاقم الأزمة هناك وتأجيج الاحتقانات هو خيار مكلف قد لا يكون لسوريا وحلفائها مع مرور الوقت من طاقة على تحمله، وقد يمتد لهبه إلى بلدان الجوار مهدداً أمنها واستقرارها.

ويمكن أن نضيف إلى ما سبق النجاح النسبي للخطة الأمنية في العراق، وبدء تبلور قوى عراقية من مختلف الطوائف والتيارات السياسية ترغب في وضع حد لأعمال القتل والتدمير وتتطلع لاعتماد الأساليب السياسية والسلمية في إدارة صراعاتها، وما يعنيه ذلك في مستقبل قريب من احتمال إخراج الورقة العراقية من حقل المساومة والابتزاز.

ونضيف أيضاً تقدير أهل الحكم بأن تقدم المفاوضات في أنابوليس قد يخرجهم من المولد بلا حمص، وأن مصلحتهم تتأتى من الحضور والمشاركة حتى لو كانت الاستجابة لمطلبهم في إدراج موضوع الجولان المحتل مجرد استجابة شكلية.

أفلا توجه مشاركتهم رسالة واضحة تغازل بعض مراكز صنع القرار في إسرائيل التي تطرح أولوية العمل على المسار السوري بصفته الأيسر والأسهل بالمقارنة مع صعوبة وتعقيدات المسار الفلسطيني؟!.

وألا تمنحهم فرصة جدية لتفكيك أطواق العزلة وفتح قنوات للحوار والتواصل، ما دام خيار المواجهة لتحريك وتحسين الموقع التفاوضي يحمل في طياته العديد من المخاطر.

وما دام التوجه لاستخدام أدوات النفوذ يحمل الكثير من التعقيد وقد يفضي إلى المزيد من الضرر والخسارة، والأهم أن استمرار الحصار قد بدأ ينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي السوري ويخلف مزيداً من الركود ومن تردي الأحوال المعيشية للناس.

والنتيجة هي أنه لا فائدة من الانتظار والرهان على مستجدات يبدو أنها سوف تأتي في غير صالح السياسة السورية وما تطمح إليه من وزن ونفوذ، وبالتالي فخيار استثمار اللحظة الراهنة لفتح أبواب التواصل والتوافق مع الغرب والدول العربية وبالأخص السعودية ومصر يبدو أنه الخيار الأجدى والأفضل أمامها.

"
السياسة السورية تدخل حلبة التفاهم هذه المرة وهي تعرف جيداً أنها لم تعد تملك هامشاً واسعاً للمناورة وأن ليس ثمة قبول للتوافق على دورها الإقليمي على حساب أي من الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية
"
لكن النجاح في فتح قنوات للحوار والتواصل بين طرفين يرتهن بالاستعداد المتبادل لتقديم التنازلات أو قبول كل منهما بشروط ما كان ليقبل بها ابتداء.

مما يعني أن السياسة السورية تدخل حلبة التفاهم هذه المرة وهي تعرف جيداً أنها لم تعد تملك هامشاً واسعاً للمناورة وأن ليس ثمة قبول للتوافق على دورها الإقليمي على حساب أي من الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية.

وأن ما يجري في حال فتحت الأبواب أمامها هو فرصتها الأخيرة ربما، مع تراجع ثقة الغرب بها وشيوع إحساس بعدم قدرتها على الوفاء بوعودها والتزاماتها بعد تجريبها أكثر من مرة وانقلابها على غير فرصة أعطيت لها لم تثبت فيها رغبة صادقة في التعاون.

وبرغم وضوح الانعطافة السورية وقوة أسبابها فلن تكون نهائية وبمنأى عن تطورات معاكسة نحو التشدد والتصعيد، خاصة أن النظام لا يزال يفتقد رؤية مستقبلية متكاملة وواضحة تحدد خياراته ويمكن على أساسها صياغة سياساته ووضع تكتيكات متكاملة للخروج من المأزق الراهن بأقل الخسائر والآلام.

يزيد الطين بلة حضور قوي لنظرية المؤامرة وأحد إفرازاتها هو تعميم رأي يقول بعدم جدوى التعاون أو تقديم ما يسمى "التنازلات" وأن الاستجابة لمطالب الغرب لا تجدي نفعاً، وأن الأمور تسير وفق مخطط مرسوم مسبقاً سواء تعاونت السلطة السورية أم لم تتعاون.

فكل خطوة إلى الوراء ستجر خلفها خطوات وتترك الباب مفتوحاً أمام متوالية من الاشتراطات والإملاءات تطعن في مبدأ السيادة وقد تهدد استقرار المجتمع السوري في الصميم!.

ولعل الغرض من الترويج لهذه الفكرة هو تحرير السلطة من أي مسؤولية وخاصة مسؤوليتها في ما ستؤول إليه الأوضاع إن رفضت الخيار الأقل سوءاً، بما في ذلك مساعدتها على تسويغ خيار المواجهة والخطاب الهجومي وتبرير ما ترفعه من عبارات تحدٍ وشعارات طنانة لا تمت إلى الواقع والإمكانيات الحقيقية بأي صلة!.

ويجد الكثيرون أن هذه الانعطافة في السياسة السورية قد أعادت لها شيئا من الواقعية والتوازن، سواء حصل ما حصل نتيجة صفقة أو تسوية أو تقديم ضمانات أو في حال لم يتحقق أي شيء من هذا القبيل، وكأنهم يشيرون إلى أن هذه الطريق هي الطريق الأقل تكلفة في ظل فقدان الحد الأدنى من شروط وأسباب القدرة على فتح مواجهة واسعة وتالياً في ظل ظروف دولية وإقليمية محيطة ليست أبداً في مصلحة سياسة التحدي.

المرونة السياسية خيار مشروع في اللحظة الراهنة وتعني تلمس المتغير النوعي في توازن القوى بعد سقوط العراق والحضور العسكري الأميركي على أرضه، وأيضاً ضحالة ما تملكه سوريا من قوى ذاتية وتحالفات عالمية وإقليمية.

فلم يعد ثمة جدوى أو قيمة كبيرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة الرأس الأميركي من استخدام الطرائق والأساليب التي كانت تدار بها الأزمات في الماضي مثلما يفترض لنجاح أي سياسة اليوم أن تأخذ في اعتبارها حقيقة ما حصل عالمياً وإقليمياً، والأهم طوق الحصار شبه المحكم الذي أحاط بالساحة السورية، كي لا تغدو هذه السياسة نوعاً من المغامرة أو المجازفة.

"
علينا تمثل الدرس العراقي جيداً وألا تقودنا مصالح أنانية إلى زعزعة استقرار بلادنا بأيدينا، فالمخرج الآمن يعتمد على التكيف الإيجابي مع المتغيرات العالمية والإقليمية, والتجاوب مع حاجات التحول الديمقراطي والانفتاح
"
في هذا الإهاب، لنتذكر جميعنا كيف شاعت في الأوساط السياسية والثقافية السورية الرسمية وغير الرسمية عبارات عقلانية أقلها حدة عبارة "سلوك مغامر" لوصف سياسات نظام صدام حسين عندما وضعت العراق في مواجهة أميركا وحلفائها واختارت مسار التصعيد والهجوم الاستفزازي رغم الاختلال الهائل في توازن القوى.

ولأن هذه السياسات لم تتقن أساليب التكتيك والتراجع التي يكره الضعفاء عليها لتخفيف ما يلحق بهم من خسائر وآلام، ولأنها تالياً لم تسارع إلى الانفتاح على الناس وبناء مجتمع معافى هو خير ما تتقوى به، بما في ذلك المبادرة لتحسين صورة البلاد عالمياً وكسب التعاطف السياسي والإنساني العالمي وعزل العنجهية الأميركية.

ربما علينا تمثل الدرس العراقي جيداً وألا تقودنا مصالح أنانية وضيقة أو أساليب المماطلة والتسويف إلى زعزعة استقرار بلادنا بأيدينا، فالمخرج الآمن بات معروفاً للجميع، تكثفه مزدوجة إنقاذية.

ذراعها الأولى التكيف الإيجابي مع المتغيرات العالمية والإقليمية وإحداث تغيير جوهري في صورة السياسة السورية على الصعيدين العربي والعالمي كي تلامس هذه الصورة المعايير والتوجهات الدولية بما يساعد على كسب الرأي العام وحشد مزيد من القوى الداعمة لمصالحنا وحقوقنا.

وذراعها الثانية التجاوب مع حاجات التحول الديمقراطي والانفتاح على المجتمع وقواه الحية بما يشبع الاحتياجات الوطنية الداخلية ويوفر الشرط الحافز لتفعيل الطاقات وتثوير الإبداعات في عملية التنمية والبناء ومواجهة كافة التحديات، وكل ما عدا ذلك هو أشبه بمضيعة للوقت سوف يدفع ثمنها المجتمع ومستقبل أجياله غالياً.
ـــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة