حق الغذاء مضمون على الورق منتهك في الواقع   
السبت 1432/10/13 هـ - الموافق 10/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)
لؤي ديب

 
يقول "جان زيغلر" المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة حول الحق في الغذاء: "في عالم يغص بالأغنياء المترفين، من العار أن يعاني مليار إنسان من الجوع"، وها نحن اليوم أمام صورة مرعبة، البشر يموتون جوعا، أو يكادون، في الصومال وكينيا وأثيوبيا، ومنظمات العون الإنساني والمنظمات الحقوقية -التي تقلصت ميزانياتها التشغيلية في الأعوام الخمس الأخيرة إلى النصف- تجتمع من مختلف أنحاء العالم، تحاول إيصال الغذاء إلى المتضررين، وسط جملة من المصاعب والمخاطر، وشيء من التعقيد لا يخلو من شبهة المؤامرة على الفقراء والجوعى لصالح الأغنياء.

منظمات متصارعة هنا وهناك في الصومال، تكفي ميزانياتها التسليحية لإطعام كل الجوعى، لا تسمح بأعمال الإغاثة وتوزيع الغذاء من قبل المنظمات إلا نادرا. وفي كينيا وأثيوبيا يصعب جدا الوصول إلى الضحايا والمتضررين في المناطق النائية لعدة عوامل، لا تبدأ بالصعوبات اللوجستية ولا تنتهي بالفساد والمرتشين الذين يساومون نشطاء الإغاثة على جهودهم الرامية لإنقاذ الجوعى.
"
من الصعب جدا الوصول إلى الضحايا والمتضررين في المناطق النائية لعدة عوامل، لا تبدأ بالصعوبات اللوجستية ولا تنتهي بالفساد والمرتشين الذين يساومون نشطاء الإغاثة
"
لكن، وبالرغم من كل شيء يبقى هؤلاء الجوعى بشرا، وجزءا من التركيبة البشرية للمجتمع الدولي، ولهم الحق في الحصول على الطعام، هذا الحق مثبت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، فإن الحق في الطعام يعني حق الفرد في اختيار سلة الغذاء، ويعني أيضا الحق في الحصول على الكمية الأساسية من الغذاء اليومي، ويعني أيضا الحق في إنتاج ما تحتاجه من الطعام إذا أردت، كمزارع صغير. وكلما تعمقنا أكثر في المفهوم نجد أن هذا الحق ينتج عنه كثير من الحقوق، التي لا يطالب الجوعى اليوم إلا بأدناها، وهو ما يحفظ لهم حقهم في البقاء على قيد الحياة.

الكثير من المزارعين الصغار في أفريقيا فقدوا أراضيهم الزراعية، فقد اشترتها منهم شركات أميركية وأوروبية وأسيوية كبرى، لتستثمرها في إنتاج غذاء ووقود حيوي للاستهلاك في بلدان تلك الشركات. والكثير من الأراضي الزراعية التي يمكن أن تنهي هذه المأساة أصبح الاقتراب منها ممنوعا لأسباب أمنية، لأن هناك أجانب من اللون الآخر يعملون فيها لاستخراج البترول، وأمنهم مهدد من السكان الأصليين، فكان لزاما على الحكومات الفاسدة إقامة مربعات أمنية تمتد آلاف الهكتارات.
 
ويعد الفساد والجهل وغياب المنظومات التشريعية من أهم أسباب المجاعة، فقد تسببت العديد من شركات البترول في تلويث مصادر الغذاء من أراض ومياه، لأن لا قوانين تضبط عمليات التخلص من مخلفاتها؛ ولعلنا نستذكر عام 2002، عندما  أدانت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان حكومة نيجيريا لسماحها لشركة بترول بتلويث مصادر الغذاء.
النازحون الصوماليون إلى معسكر "داداب" في كينيا، ومعسكرات أثيوبيا النائية، لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء، وأصبحت المنظمات الإغاثية -لقلة الحيلة وصعوبات النقل- تصنع معجونا غذائيا لا يزيد وزنه عن مائة جرام، يهدف فقط إلى إبقاء الإنسان على قيد الحياة، ليسقط مع كيس المعجون الجديد الحق في الطعام، والحق في الاختيار، والحق في الشبع، وحتى الحق في التظلم والصراخ.

من غير الطبيعي أن تكون النصوص حول الحق في الطعام مجرد حبر على ورق، فهو أمر من المسلمات التي يجب أن تكون حقيقة على أرض الواقع، والحق طبعا لا يمكن تطبيقه إلا إذا اعترفت به جميع الأطراف المعنية به، وعقدت العزم على تطبيقه ومحاربه كل ما يعترض طريقه. ولعل الدهشة تصيب القارئ إن علم أن تقريرا للشبكة الدولية للحقوق والتنمية تحدث عن أن الدول الغنية تخلصت من فائضها الغذائي، وألقت في البحر محاصيل من الحبوب بداية عام (2011) يفوق حاجة الجوعى بخمسة عشر مرة.
الحق في الطعام يضمنه القانون الدولي، وبالتالي فمن الناحية النظرية، إذا تعرض هذا الحق للانتهاك يمكن للمتضررين اللجوء إلى المحاكم، فالقاعدة القانونية تسلم بأنه حين ينتهك أحد الحقوق الأساسية يمكن للمتضررين التوجه إلى المحاكم. لكن ذلك يعني سلسلة من الإجراءات القضائية المعقدة والطويلة، ناهيك عن افتقار (أو بمعنى أدق: إفقار) المجتمع الدولي لمحكمة متخصصة من هذا النوع، ليعود الموضوع ويرتبط بقضية إصلاح الأمم المتحدة، وإنهاء سيطرة الخمسة الكبار عليها.
 
وحتى لو افترضنا وجود مثل هذه المحاكم، فلن تكون نتائج التحرك نحوها ذات منفعة للذين يتضورون جوعا ويأكلون رمل الأرض، ولن يتعدى تأثير مثل هذه الخطوات الرأي العام في المجتمعات التي تنفق أموالها على الجرائد ولديها أجهزة تلفاز، ولكن وجودها يبقى ضروريا لتحديد المعايير المبدئية للسياسات الدولية، والحد من وقوع المجاعات.

"
تواجه منظمات الإغاثة والحقوق منذ سنوات حربا ضروسا على مصادر دخلها وتعقيدات تشريعية تحد من قدرتها على التحرك الذي يمكن أن يرتقي إلى مواجهة أي أزمة
"
الجانب القانوني في الموضوع معقد جدا، ومنظمات الإغاثة والحقوق تواجه منذ سنوات حربا ضروسا على مصادر دخلها، وتعقيدات تشريعية تحد من قدرتها على التحرك الذي يمكن أن يرتقي إلى مستوى الأزمة؛ فمنذ ارتباط الحرب على الإرهاب بالتضييق على عمل هذه المنظمات انحسرت قدرتها التنفيذية وتم تفكيك المئات منها، ليحضر المجتمع المدني في الأزمة وفق إمكانياته وبشكل خجول، والمنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة صناديقها تكاد تكون خاوية، وهي تعتمد على توجيه النداءات في الأزمات، لتقوم بدورها بما توفر لديها من إمكانيات متواضعة.
 
والسبب في ذلك يمكن معرفته بسهولة عند الاطلاع على ميزانية الأمم المتحدة، لنعرف أن أكثر من 45 دولة غنية ومنتجة لا تسدد ما يستحق عليها للأمم المتحدة، وأنها تربط حتى التزاماتها للصناديق الإغاثية التابعة للمنظمة بشروط سياسية.

في عام 1948، اعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بحق الحصول على الطعام كحق أساسي من حقوق الإنسان، وفي عام 1966 اعترف الإعلان العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحق التحرر من الجوع، وفي عام 1996 صدر إعلان روما عن القمة الدولية حول الغذاء الذي يدعو لإنهاء الجوع في العالم بحلول عام 2015، وفي عام 2001 اعترفت اللجنة الأفريقية لحقوق الشعوب والأفراد بحق الحصول على الطعام وضمنته لميثاق الاتحاد الأفريقي، وفي عام 2004 وضعت منظمة الزراعة والأغذية الدولية موجهات طوعية للدول حول حق الحصول على الطعام؛ وكلها تحركات لم تستطع وقف المجاعة في القرن الأفريقي.
 
ويكفي القارئ فطنة أن يعرف أن الأطراف المعنية بدعم الجماعات المختلفة في الصومال قد أنفقت على السلاح في العام 2010 مبلغ 6.8 مليار دولار، وهي تعجز اليوم عن جمع نصف مليار لإنقاذ حياة مئات آلاف الصوماليين. والأمر محير، فعندما يتعلق بتدمير حياة البشر يكون التحرك سريعا، لكن عند إنقاذ حياتهم يكون البطء سيد الموقف.

عندما بدأت عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية كان تحرك الدول التي تعرضت مصالحها للخطر سريعا، وتم تخصيص ميزانية سنوية تجاوزت ثمانية مليارات لضمان أمن مرور السفن، ولو طلب أحد ربع المبلغ لإحلال السلام في الصومال لاحتجنا إلى مائة مؤتمر، ينفق عليها المليارات لتخرج بلا نتيجة!

ترى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان أنه يجب تقديم الحكومات أو المنظمات المعنية إلى المحكمة في حال انتهاك الحق في الطعام، وسبق أن دعت اللجنة إلى محاكمة شركة شل النفطية لأنها تتسبب في تقليل فرص الحصول على الطعام في منطقة دلتا النيجر النيجيرية، إضافة إلى ذلك طالبت اللجنة الدول الأفريقية بإدراج الحقوق الأساسية العالمية في تشريعاتها الوطنية، والعمل على عدم المساس بها.
 
وعلى الرغم من أهمية هذه الحقوق، واعتبارها مصدرا أساسيا من مصادر القانون الدولي، وذات نتائج على المدى البعيد، لأنها يمكن أن تدفع الدول إلى إعادة النظر في سياساتها السيئة المرتبطة بالموضوع، إلا أن الدعوات إليها ظلت ضعيفة لا تجد الإمكانيات المناسبة أو الإرادة الحقيقية لتطبيقها على الأرض.

هل أصبح العالم بحاجة إلى تنظيم مظاهرات تنادي بالحق في الطعام لمن لا يجدونه، أم أن أفريقيا أصبحت بحاجة إلى ربيع أفريقي مشابه للربيع العربي لاستئصال منظومة الفساد، أم أننا بحاجة إلى تحرك عملي منطقي واقعي يعيد الاعتبار إلى منظمات الإغاثة والمجتمع المدني ويدعم دورها الريادي إلى جانب الحكومات في تحمل مسؤولياتها تجاه المجتمع؟
 
 ألسنا بحاجة -كعرب وكمسلمين وكعالم ثالث- إلى التحرك بجدية أكثر تجاه إصلاح منظومة الأمم المتحدة والدفع بتحركاتها النشطة لتنمية الشعوب؟ ألسنا بحاجة إلى اتفاقيات ثنائية وإقليمية بين شعوب العالم الثالث لوقف التحايل القانوني الرهيب الذي تمارسه الشركات والدول الكبرى على الحكومات الضعيفة وعديمة الخبرة في أفريقيا؟ ألسنا بحاجة إلى توجيه حقيقي للاستثمارات العربية والإسلامية لتجلس في مكانها الطبيعي في استثمارات حقيقية في الزراعة والثروة الحيوانية في أفريقيا المؤهلة لذلك، بدلا من استثمارات البورصة الوهمية؟
 
"
هل أصبح العالم بحاجة إلى تنظيم مظاهرات تنادي بالحق في الطعام لمن لا يجدونه، أم أن أفريقيا أصبحت بحاجة إلى ربيع أفريقي مشابه للربيع العربي لاستئصال منظومة الفساد؟
"
وعلينا ألا ننسى أننا كعرب نستورد مجتمعين من الغرب 78% من سلتنا الغذائية، وأن أي خلاف سياسي حقيقي مع تلك الدول يهدد أمننا الغذائي، ويلوح بمصير مرعب كمصير إخواننا الجوعى. أليس جديرا بنا إعادة الاعتبار للعلاقات العربية الإسلامية الأفريقية، وإيجاد حلول للمشكلات المائية العالقة، وإخراج إسرائيل من اللعبة المائية الأفريقية، وهي التي أصبح نفوذها في أفريقيا يصل إلى درجة التحكم في القرار السيادي للدول، وهل نسينا أننا سنواجه -شئنا أم أبينا- وقريبا مشكلة شح المياه في العالم العربي؟
 
إن الأذكياء فقط هم من يتعلمون من مدارس الشعوب والسياسة، وهم فقط من يصنعون مستقبلهم ويصوغون تشريعاتهم وقوانينهم وفق ما تقتضيه مصالح شعوبهم، وهم فقط من يتعلمون الدرس سريعا، وهم الذين يعملون دون خلط لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وكل الحكومات العربية مطالبة اليوم بالارتقاء إلى مستوى الدماء التي سالت في الثورات العربية، وإحداث التغيير في السياسات المستقبلية قبل الداخلية، لضمان أمن واستقرار الأجيال القادمة.
 
وليس منهم من تنقصه الفطنة، وليس منهم من لا سفير له في نيويورك أو جنيف إلا الفقير جدا، وهناك مُلزم أخلاقي وديني ووجودي لمستقبلهم يطالبهم بالجدية، كل الجدية، والإصرار على التحرك لإصلاح منظومة الأمم المتحدة، وإعادة النظر في الاتفاقيات الجائرة. كما أن المشرع العربي مطالب بتعلم الدرس، واعتبار الأمن الغذائي والمائي أمنا قوميا من الدرجة الأولى، وبالتالي عليه إقرار السياسات اللازمة للاعتماد على الذات.
 
ولا يغيب دور الجامعة العربية في تحديد سقف زمني وخطة موحدة لإعلان المنطقة العربية منطقة تعتمد على ذاتها في حاجاتها الغذائية، عسى أن أجيالنا أو الأجيال اللاحقة تذكر عملا حقيقيا ذا منفعة للشعوب العربية قدمته الجامعة العربية، ولا حجة لها في تركه، فالأمر بعيد عن الساسة واختلافاتهم. ونتمنى على المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية، أن يدركوا أنهم -كشعوب عالم ثالث- يربطهم مصير مشترك، وأنهم بحاجة إلى توحيد كل الجهود من أجل مصالح الشعوب التي ما عادت تصبر على التقصير كثيرا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة