بين يدي مصالحة القاهرة   
الثلاثاء 14/3/1430 هـ - الموافق 10/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)


محمد إبراهيم المدهون

ما زلنا نعيش أجواء الألفة التي تحققت جراء محرقة غزة "وألف بين قلوبهم"، على الرغم من الكثير من المنغصات التي تحتاج إلى ملاحقة في مهدها "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، وأجلاها الاعتقال السياسي والتنسيق الأمني ومعركة الإعمار.

يجب ألا نعود بحال إلى مربع الفتنة الداخلية التي تسر العدو وتحزن الصديق، لذلك كان لزاماً علينا جميعاً أن نؤسس لواقع فلسطيني أكثر متانة وتراصا وتآلفا وترابطا بعيداً عن المناكفة السياسية أو الاستقواء في الخارج "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين"، ولا ينبغي أن ننسى يوم شاس حين أشعل دعوى الجاهلية بين الأوس والخزرج فأطفأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها تحت قدميه.

"
لترسيخ اتفاق سياسي رصين على كافة الملفات نحن بحاجة إلى إشاعة أجواء إيجابية وذلك عبر تثقيف عالٍ لقواعد حركتي حماس وفتح بشأن الاتفاق وبنوده وروحه وسبل تطبيقه وضرورة الالتزام به حتى تسود ثقافة التعايش والتآخي الفتحمساوي
"

لترسيخ اتفاق سياسي رصين على كافة الملفات نحن بحاجة إلى إشاعة أجواء إيجابية وذلك عبر تثقيف عالٍ لقواعد حركتي حماس وفتح بشأن الاتفاق وبنوده وروحه وسبل تطبيقه وضرورة الالتزام به حتى تسود ثقافة التعايش والتآخي الفتحمساوي على أساس وطني وبأولوية عليا للأجندة الفلسطينية، ومن الضروري أن يترابط ذلك مع خطاب إعلامي يعزز هذه الثقافة لتكون روحاً جديدة تسري في أوصال مجتمعنا العطش إلى الوئام الداخلي والسلم الأهلي.

كل ذلك سيسهم في إدارة الملفات السياسية الفلسطينية بشكل مشترك مما يُسهم في رفع الحصار ويحقق الإعمار لشعبنا، كما قد يُحدث ذلك حراكاً سياسياً يحقق شيئاً لشعبنا أو يعزز من بروز عدونا بوجهه البشع كمحتل ومغتصب للحقوق وقاتل للأطفال.

كما أن ذلك يسهم في إحياء الملفات الوطنية الكبرى كقضية اللاجئين والأسرى والمستوطنات. في إطار من إدارة المقاومة والممانعة في المنطقة من أجل استعادة الحقوق أو بالحد الأدنى عدم التفريط فيها صوناً لحقوق الأجيال القادمة.

إن التحقق من تطبيق الاتفاق يبدأ بإجراءات الميدان التي تمنع انتكاساً يعيد الأحداث إلى مربعها الأسود المرعب، وتحقق التزاماً تنظيمياً عالياً وتحصيناً لمواجهة خروقات إطلاق نار أو تجاوز غير محسوب لنغلق الباب بذلك أمام قضيتنا العادلة ونتراجع بها خطوات إلى الوراء.

ومن ثم نُقذف جميعاً في أتون شريعة الغاب وفي زوايا الإهمال والنسيان ونغرق في بحر دمنا وعجزنا عن مواجهة تحديات الاحتلال. ومن هنا فإن السيطرة الميدانية والملاحقة القضائية والأخذ على أيدي العابثين ضرورة لا مناص منها، ومن ذلك تكون حتمية التواصل اليومي الفاعل بين حركتي حماس وفتح وفي شتى المدن والمخيمات والقرى والأحياء.

وتفعيل وتأسيس المكاتب المشتركة في كل مكان فعلٌ أساسي لا مناص منه والمسؤولية في ذلك مشتركة مع ضرورة أن يشمل ذلك كل مكان في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث إن الاتفاق يعبر عن موقف واحد موحد لحماس وفتح في كل مكان وبكل مؤسساتهم ومكاتبهم ودوائرهم، ومن هنا لا بد من إدارة حثيثة ومثابرة عالية ونفس طويل وحس وطني عال يقود إلى تحقيق المصالحة واقعاً حياً وتجسيداً حقيقياً لتحفظ لشعبنا دمه وحقوقه.

إن إنجاح المصالحة مهمة فلسطينية/عربية وعلى وجه الخصوص مهمة فتحمساوية وذلك بتوفير العوامل اللازمة لإنجاح الاتفاق وباستثمار أمثل للغطاء العربي للاتفاق وبشكل عاجل لرفع الحصار وضم الجهد العربي الإسلامي إلى الجهد الفلسطيني.

ومن ثم الاستمرار من أجل تجسيد حوار وطني شامل يقود من أجل مصالحة وطنية عامة وشاملة تصون الدم وتلملم الجراح وتتوجه إلى المكلومين والمجروحين والمتضررين بالمواساة والإسناد والتعويض في مشروع وطني متكامل يصون ولا يبدد، يوحد ولا يشتت، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم. مع ضرورة استثمار سريع وعاجل لحالة التجاوب الشعبي الفائق في تحقيق واقع المؤاخاة والترابط بعد تحقق حالة الصبر والصمود والعض على الجراح.

"
لا ينبغي السماح بضرب الداخل الفلسطيني عبر التنازع الفصائلي وعدم التوحد لرفع الحصار السياسي والمالي، وإنما التوجه بشكل جمعي لكسر الحصار مع حماية الشرعية السياسية الانتخابية دون التفريط في حقوق شعبنا
"
يجب الخروج بأسرع وقت ممكن من الأزمة الراهنة ولكن ليس بأي ثمن وإنما بتحقيق الانتصار الفلسطيني عبر الوحدة لمواجهة طوفان الحصار الخارجي الظالم، مع العلم بأننا ككلٍ فلسطيني لم نستنفذ كافة الجهود من أجل صياغة وفاق وطني يضم المجموع الفلسطيني وعلى كافة المستويات الرسمية الأهلية وهذا يحتاج إلى جهد الجميع رئاسة وحكومة ومجلسا تشريعيا وفصائل ومؤسسات.

هذا علاوة على أن مواجهة الحصار الظالم فلسطينياً بشكل موحد ومترابط فلسطينياً يؤدي بشكل كبير إلى التعاطي الدولي مع الحكومة الفلسطينية الثانية عشرة المرتقبة بغض النظر عن القوى المشكلة لها أو الوزراء الذين يشاركون فيها ما دامت تمثل المجموع الفلسطيني.

ومن هنا لا ينبغي السماح بضرب الداخل الفلسطيني عبر التنازع الفصائلي وعدم التوحد لرفع الحصار السياسي والمالي وإنما التوجه بشكل جمعي لكسر الحصار مع حماية الشرعية السياسية الانتخابية دون التفريط في حقوق شعبنا.

الاستجابة لنتائج الانتخابات بتشكيل وزاري يستمزج ألوان الطيف السياسي، وأن يكون العمل الجبهوي الائتلافي عنوان المرحلة القادمة ويحتكم إلى معايير موضوعية تخدم الشعب الفلسطيني، وتكون أقرب إلى الصيغة التي تنال احترام المجموع الفلسطيني وتشكيل حكومة يتفق عليها الجميع وخاصة فتح وحماس كحكومة وحدة وطنية.

وأن تكون الحكومة بجملتها أو معظمها من خارج أعضاء التشريعي لترسيخ مبدأ فصل السلطات وخاصة السلطة التنفيذية عن التشريعية مما سيعزز روح المحاسبة التي يمثلها التشريعي.

وأن تعمل هذه الحكومة في المرحلة القادمة كأولوية قصوى على إعادة الإعمار وتعزيز الجبهة الداخلية عبر إصلاح السلطة ومحاربة الفساد وإعادة بناء الهياكل وإعداد الخطط التطويرية ومواجهة القضايا اليومية والمشاكل الحياتية التي يواجهها المواطن الفلسطيني كالبطالة والمشكلات الصحية والسكنية والتعليمية.

والبرنامج السياسي المقترح لحكومة الوحدة الوطنية ينبغي ألا يذهب باتجاه التنازل عن الثوابت وأن يكون مقبولاً للأطراف العربية والدولية وهذا يدفع باتجاه الصياغات المحتملة التي تقبل وجهة نظر جميع الأطراف. مع العلم بأنه قد تم التعاطي السياسي المرن من حماس في وثيقة الوفاق الوطني والبرنامج السياسي للحكومة الحادية عشرة بشكل غير مسبوق مما يدفع إلى ضرورة استثمار ذلك.

"
الطريق إلى حكومة الوفاق الفلسطيني ليس شائكاً ولا طويلاً ولكن المطلوب تحقق الإرادة الجمعية الفلسطينية بتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصلحة الفئوية الضيقة أو الاشتراطات الخارجية
"
إن حكومة الوفاق الوطني يجب أن تُشكل على أرضية ضمان فك الحصار عن الشعب الفلسطيني وكذلك رفع الحصار عن الحكومة الفلسطينية لا عن عدد من وزراء الحكومة فيما يبقى الحصار على وزراء آخرين فيكون للحكومة نصف متحرك خارجياً وداخلياً وله علاقات خارجية ونصف آخر يجد المنع والتعطيل والإيقاف عن السفر والحركة، مما يشكل خطورة كبيرة على الحكومة الثانية عشرة ومستقبلها.

الطريق إلى حكومة الوفاق الفلسطيني ليس شائكاً ولا طويلاً ولكن المطلوب تحقق الإرادة الجمعية الفلسطينية بتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصلحة الفئوية الضيقة أو الاشتراطات الخارجية. مع ضرورة توفر النية الصادقة للعمل المشترك على قاعدة المصالح العليا كي يتم تجسيد وبحق شعار "شركاء في الدم شركاء في القرار".

الحوار يجب أن يمضي حثيثاً في الشروع وبالجدية الكاملة لإنجاز ملف منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة بنائها بسقف زمني على أسس صحيحة تضمن مشاركة الكل الفلسطيني وبما يشكل مرجعية وضمانا لقضيتنا العادلة وصونا لحقوق شعبنا في المنافي والشتات من خلال تمثيله في المرجعية الفلسطينية العليا التي تمثل بيت الفلسطينيين في الداخل والخارج.

إن التحديات تحتم على الجميع التوجه فوراً إلى بناء منظمة التحرير الفلسطينية ككيان فلسطيني صلب ومرجعية عليا برفدها بعناصر الصدقية والكفاءة من الأعضاء في اللجنة التنفيذية، وبضم حماس بما يتناسب مع ثقلها الجماهيري, وبآلية وخطط عمل. وإعادة صياغة برنامج سياسي وطني جامع تتفق عليه كافة القوى السياسية. وإعادة ملف المفاوضات إلى حقيبة منظمة التحرير الإطار الجامع، وهذا سيُخرج حماس من مأزق الاقتراب من الخطر السياسي في العلاقة المباشرة مع إسرائيل، وفي ذات الوقت لن يحرمها القدرة على التأثير على مجريات الأمور (من خلال المنظمة).

ومن هنا يمكن أن تنطلق منظمة التحرير إلى هدنة طويلة الأجل (يتفق عليها الجميع) ويصبح على حماس كغيرها الالتزام بالهدنة والانضباط في الرد حال حدوث خرق صهيوني والمحافظة على التوازن بين العمل السياسي والمقاومة.

السيادة الكاملة للقانون تحمي الضعيف وتعيد الحقوق وتربط على القلوب وتردع الظالم، ومن هنا فإن الضرورة تقتضي إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس جديدة بعيدة عن الحزبية المقيتة، مع التغليب الكامل لفلسطين قضية وشعبا.

إن هذه الصياغة الجديدة للأجهزة الأمنية يجب أن تجرى عاجلاً وليس آجلا وبرؤية وطنية تكون محل اتفاق، وأساس ذلك إعادة بناء مجلس الأمن القومي على أن يضم الخبرات ويقدم الرؤية المتكاملة ويمثل الكل الفلسطيني على أسس من المهنية والشفافية والنزاهة.

"
حوار القاهرة يعني أن مواصلة المشوار ضرورة، لأن معركة التحرير الفلسطينية لما تنتهِ بعدُ فما زالت في إحدى محطاتها وما زالت تتواصل على أكثر من صعيد وأسلوب، ولا مبرّر للتكهّن بأنها سوف تتوقّف قبل تحقيق الاستقلال الوطني
"
ومن ثم يجرى تطبيق هذه الرؤية بإشراف كامل مع وزارة الداخلية ومتابعة رقابية حثيثة من المجلس التشريعي. وعلينا أن نتذكر أن ما جرى من فتنة داخلية نتيجة التنسيق الأمني مع الاحتلال والتعاون مع الأجنبي نذير خطر لا تجدي معه المسكنات بل يلزمه التأسيس لواقع جديد تتدفق فيه أنهار من ثقافة التسامح والقبول المتبادل والنظر إلى الإيجابيات والانشغال بعيوب الذات بعيداً عن عيوب الآخرين، فمن تلمس عيباً وجده ومن اشتغل بعيوب الآخرين هلك وأهلك.

الترسيخ للشراكة السياسية بعيداً عن المحاصّة وفي أجواء من سيادة القانون وبإشراك لكافة القوى السياسية والمجتمع المدني والمواطنين بناءً على كفاءاتهم وتخصصهم، وبما يخدم إدراج الكل الفلسطيني في مشروع وطني جامع تسوده أجواء العدل والإنصاف والمساواة، مع مراعاة للفئات التي هُمشت ردحاً من الزمن، مما يصنع تكاتفاً وطنياً ويؤسس لملحمة نضالية على طريق استعادة الحقوق والانعتاق من الاحتلال والتحرر الوطني الشامل.

حوار القاهرة يجب أن يؤسس لواقع مجتمعي فلسطيني داخلي جديد لا يعتمد الإقصاء لغة ولا التفرد سبيلاً وذلك باعتماد الشراكة السياسية منهجاً واحدا،ً مرسخين شعار "شركاء في الصمود شركاء في الإعمار" ورافعين لواء التعاون "وتعاونوا على البر والتقوى" مع اعتصام بحبل الله المتين "واعتصموا بحبل الله جميعاً".

حوار القاهرة يعني أن مواصلة المشوار ضرورة لأن معركة التحرير الفلسطينية لما تنتهِ بعدُ، فما زالت في إحدى محطاتها وما زالت تتواصل على أكثر من صعيد وأسلوب، ولا مبرّر للتكهّن بأنها سوف تتوقّف قبل إنجاز الهدف الأعلى لأيّ حرب تحرير: الاستقلال الوطني، ومحرقة غزة، ودم الشهداء الفلسطينيين اليوميّ هو وحده الدليل على انفتاح المعادلات حتى الحدود القصوى.
ـــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة