التحدي الروسي الجديد للإستراتيجية الأميركية   
الأحد 1425/10/29 هـ - الموافق 12/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 8:51 (مكة المكرمة)، 5:51 (غرينتش)

بقلم: منير شفيق

خلال الثلاث عشرة سنة الماضية حدث تشويش أو وهم كبير حول الإستراتيجيات الدولية ومراكز الصراع فيها، وعلامة ذلك التشويش والوهم تجدها في إسقاط القوة الروسية النووية من الحسابات الإستراتيجية الدولية أو قل من حسابات الإستراتيجية الأميركية ظاهراً.

"
يخطئ من يظن أن هيئة الأركان الأميركية أسقطت من حسابها القدرة النووية والصاروخية الروسية أو لم تحتفظ بها في موقع الخطورة المحتملة كما يخطئ من يظن أن هيئة أركان الجيش الروسي تخلت عن ذلك السلاح
"
وحدث مثل هذا بالنسبة إلى الصين، وإن اعتبر البعض أن أهمية الصين الإستراتيجية ستظهر بعد عشرين عاماً، فقد اتجه أكثر المحللين إلى اعتبار أن العالم الإسلامي انتقل إلى مركز العداء والأولوية في الإستراتيجية الأميركية.

وقد نفذت هذه النظرية من بعض التصريحات الأميركية التي أشارت إلى أن عدو الولايات المتحدة والغرب أصبح الإسلام والمسلمون، والبعض اعتبر العدو هو الإرهاب ومن خلاله راح يلمح بشكل أو بآخر إلى أن العالم الإسلامي هو حاضنه أو مولده.

ثم اتخذ من أجواء ما بعد 11/9/2001 وما تبعها من حروب ثلاث في أفغانستان وفلسطين والعراق دلائل على تحول الأولوية في الإستراتيجية الأميركية إلى العالم الإسلامي.

لكن ذلك كله وقع في فخ ما يظهر على السطح، وتجاهل العوامل الأكثر خطورة وتأثيراً عند تحديد الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، مثلا روسيا والصين وأوروبا الموحدة. كيف؟

لقد تم تجاهل امتلاك روسيا لقدرات نووية مع وسائط نقلها إلى أي مكان في العالم، وبما يوازي قوة الولايات المتحدة الأميركية كما ونوعاً حتى لو كان ثمة بعض الخلل هنا من الناحية التقنية، أو كان هنالك ضعف ظاهر اقتصادي واجتماعي وسياسي في روسيا، وجاء تناول الأزمات الداخلية ليوحي كأن روسيا في طريقها للتفتت والانهيار.

وهكذا لم يلحظ أن ذلك لا يغير من واقع قوة روسيا النووية شيئا، إذا ما جدّ الجد، وتوجهت الرؤوس النووية إلى أهدافها.

لذا يخطئ من يظن أن هيئة الأركان الأميركية أسقطت من حسابها القدرة النووية والصاروخية الروسية، أو لم تحتفظ بها في موقع الخطورة المحتملة، كما يخطئ من يظن أن هيئة أركان الجيش الروسي تخلت عن ذلك السلاح أو لم تسهر على بقائه، بل وتطويره أيضاً. فالدول الكبرى تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وماذا يعني التفوق العسكري والردع النووي.

هنالك دليلان مر بهما الكثيرون مر الكرام، الأول أن إدارة بوش وضعت مخططات البحث والتطوير للدرع الصاروخية على نار حامية بعد أن كانت إدارة بيل كلينتون فقد أخرجتها من الأدراج، وتركت تقرير استئنافها للإدارة القادمة سواء أكانت ديمقراطية أم جمهورية.

ولا يختلف اثنان على أن الخطر الصاروخي الذي يستدعي بناء جدار واق منه حول الولايات المتحدة يجب أن يأتي من دولة كبرى بحجم القوة النووية الروسية أولاً، ثم الصينية ثانياً وربما ثالثاً الفرنسية. لكن لن يكون حماية لأميركا من خطر إسلامي متوهم أو بعيد جداً.

"
الشغل الجاد في المجال الإستراتيجي العالمي ظل دائما في إطار الدول الكبرى وبداية في مواجهة القوة النووية الروسية أو القوة النووية الصينية
"
فليس هنالك في العالم الإسلامي من يملك القنبلة النووية غير باكستان وهذه ممسوكة من خوانيقها عن طريق القنبلة النووية الهندية، كما أنها ما زالت على أجندة التصفية من جانب الإستراتيجية الأميركية.

أما ما عدا ذلك فالدرع الصاروخية (المسماة بحرب النجوم زمن ريغان في الحرب الباردة) موجهة بالضرورة ضد الاتحاد الروسي والصين.

وبكلمة فإن الشغل الجاد في المجال الإستراتيجي العالمي ظل دائما في إطار الدول الكبرى وبداية في مواجهة القوة النووية الروسية أو القوة النووية الصينية، أما في ما يتعلق بالعالم الإسلامي فهو ضمن إستراتيجية الهيمنة عليه واتباعه للإستراتيجية الأميركية العالمية.

فالحروب التي شنت عليه تدخل في إطار التكتيك الذي يخدم الإستراتيجية العليا، فمثلاً العدوان على أفغانستان أسفر عن زرع قواعد عسكرية في أكثر من خمس بلدان آسيوية على حدود كل من روسيا والصين.

ولكن كان من المهم لأميركا أن تهدئ اللعبة مع روسيا وأن تعمل على تفكيكها وإضعافها من الداخل، مع إثارة ضجة أكبر مما تستحق حول الخطر الآتي من العالم الإسلامي الممزق والضعيف والمتخلف والذي تنقصه عناصر القوة ليس العسكرية فحسب وإنما أيضاً الاقتصادية والسياسية، وذلك بسبب ما يعانيه من تمزق وفرقة نتيجة لدوله القومية أو القطرية المتناحرة أو المتنافسة، وقد راحت كل منها تغني على ليلاها فكيف والحالة هذه يظن بأنها الخطر الداهم الذي يقلق الإستراتيجية الأميركية ومستقبلها الهيمني على العالم؟

ما يشغل الولايات المتحدة أول ما يشغلها يأتي ممن يمتلكون القوة النووية والصاروخية ثم ممن يمتلكون قدرة المنافسة الاقتصادية والسياسية على نطاق عالمي مثل أوروبا واليابان والصين.

"
ما يشغل الولايات المتحدة هو من يمتلكون القوة النووية والصاروخية ثم من يمتلكون قدرة المنافسة الاقتصادية والسياسية على نطاق عالمي مثل أوروبا واليابان والصين
"
أما عند تفسير إثارة كل تلك الضجة ضد العالم الإسلامي إلى جانب إحكام السيطرة عليه، فيجب أن يلحظ ما للإستراتيجية الصهيونية الإسرائيلية من دور في توجيه الإستراتيجية إليه، ثم ما تدعيه من وضعه في خدمة الإستراتيجية العليا لمواجهة المنافسين الكبار نوويا واقتصاديا وسياسيا.

ومن البدهي أن اعتراف أميركا بوجود دول كبرى أخرى ذات شأن وهي تحسب حسابها لا يمكن أن يخدم الحرب النفسية لإخضاع بلدان العالم الثالث ومن ضمنها بلدان العالم الإسلامي, ولهذا فإن تكريس نظرية القطب الأوحد تقتضي التهوين من أهمية الدول الكبرى الأخرى إلى حد التجاهل التام.

على أن التطور الهام الذي يفترض به أن يصحح كامل النظرة إلى الإستراتيجيات الدولية، وما يخفى عن السطح من صراعاتها، فقد جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين أعلن أن روسيا في صدد امتلاك سلاح فوق تقليدي (ربما فوق نووي) لا مثيل له، وهو متقدم عشرين عاماً عن غيره من الأسلحة المماثلة ثم أكد أن هذا السلاح تعدى مرحلة البحوث ودخل في مرحلة التجريب والإنتاج.

الذي يفهم في الإستراتيجية لا يصعب عليه أن يتصور ما وقع هذا الخبر على القادة العسكريين والإستراتيجيين في أميركا، كما في الحلف الأطلسي وحتى في الصين، لأنه يعني إذا صح أن روسيا لم تكن تلعب، وأنها أصبحت في موقع الدولة الأكثر تفوقاً في السلاح ما فوق التقليدي، أو غدت في الأقل في المرتبة نفسها إلى جانب الولايات المتحدة.

"
روسيا بصدد امتلاك سلاح فوق تقليدي ربما فوق نووي لا مثيل له وهو متقدم 20  عاماً عن غيره من الأسلحة المماثلة
"
وبكلمة أخرى يعني أن أميركا لم تعد في موقع القطب الأوحد في المجال العسكري، أي في أعلى ما توصلت إليه العلوم والتكنولوجيا حيث هذا المجال هو مختبرها الأول.

طبعا حاول الناطق الرسمي الأميركي تجاهل الموضوع بإعادة التشديد على ما بين الرئيسين بوش وبوتين من علاقات ودية.

والأغرب أن أكثر المحللين في الصحافة تجاهلوه أيضاً إما بسبب عدم التصديق وإمابسبب إرباك  مقولات لهم سابقة وإما تجنباً لما يمكن أن يترتب على إبرازه من نتائج سياسية، لكن الشيء الأكيد هو أن هذا النبأ يحمل درجة عالية من الصدقية من جهة ولا بد له -من جهة أخرى- أن يصبح الشغل الشاغل للقيادتين العسكرية والإستراتيجية الأميركية بل وللأوروبية والصينية كذلك.

والسؤال هو هل فتح معركة أوكرانيا على ضوء الانتخابات الأخيرة تمثل الرد الأول الأميركي- الأوروبي على روسيا؟ وإلا لماذا تبعث إدارة بوش كل ذلك التأييد للانتفاضة ضد الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا في الوقت الذي يعلن فيه أن العلاقات بين بوتين وبوش على أحسن ما يرام.

وبدهي أن أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا -من الناحية الإستراتيجية- أهم من الشيشان؟

وباختصار نحن أمام تطور دولي جديد يستحق التأمل مليا ويتطلب أن تراقب تداعياته التي قد تكون أبعد أثرا من تداعيات 11/9/2001 على مستوى ردود فعل إدارة المحافظين الجدد الذين يريدون أن يسخروا الإستراتيجية الأميركية ضد العرب والمسلمين في مصلحة المشروع الصهيوني – الإسرائيلي.

فهنا ثمة تحد إستراتيجي لا يمكن إغفاله ولا يسمح لهم بتجاهله وسيتعرضون بسببه إلى ضغوط شديدة من هيئة أركان الجيش ومن الحزب الجمهوري نفسه ومن كل المهتمين بقضايا الإستراتيجية في أميركا.

بل قد يسقط بأيديهم تماما إذا ما تم التأكد من أن تصريح الرئيس الروسي بوتين ذو صدقية لأنه -والحالة هذه- لا بد من إعادة النظر في السياسات الأميركية المختلفة لكي توضع في خدمة هذا التحدي الأشد خطورة من كل التحديات.
________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة