الخيانة ووجهة النظر   
الثلاثاء 1434/11/20 هـ - الموافق 24/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)
زياد منى

 

بداية، لا بد من الاعتراف بأن الكثير من الناشطين في حراكات سياسية في مختلف أنحاء وطننا العربي الكبير، من العامة بل وحتى من المثقفين ومن شُبّهَ لنا ولهم بأنهم كذلك، يفتقدون إلى الحد الأدنى من أدب المخاطبة السياسية وغيرها.

هذا ما يلاحظه المرء عند تتبع التعليقات التي ترد في الصفحات الرقمية التي تتناول بالحديث أزمة هذا البلد أو ذاك، أو مشكلة حزب ما أو حتى رأي مفكر من المفكرين.

فالمفردة الأكثر استعمالاً في هذه المجالات هي الخيانة. كل ما يخالف "رأينا" خيانة، بل خيانة عظمى والجاني المزعوم يجب تعليقه على حبل المشنقة أو ما إلى ذلك من أساليب العقاب الانتقامية.

فالقتل الذي يسمى في قاموس الحقوقيين إعداما، ليس عقابا تأديبيا، وهو هدف أي قانون، وإنما عملية انتقام من الطرف الآخر.

المفردة الأكثر استعمالاً في المخاطبات السياسية هي "الخيانة"، كل ما يخالف "رأينا" خيانة، بل خيانة عظمى والجاني المزعوم يجب تعليقه على حبل المشنقة أو ما إلى ذلك من أساليب العقاب الانتقامية

على أي حال، يضاف إلى "الخيانة" مصطلح آخر هو التكفير سياسيا كان ذلك أو دينيا أو مذهبيا، فكل من يخالفـ(نا) الرأي كافر، وعقوبته الانتقام.

في الحقيقة، إن حجم استعمال هذين المصطلحين في الخطاب السياسي العامي مذهل في ارتفاعه، ولنقل إلى درجة مقلقة للغاية، على مجتمعات لا تعرف مصطلحات مهذبة جدية مؤدبة تنطلق من الواقع المعاش، ومن منظور الحق في الاختلاف وتعدد الرأي على أرضية جامعة هي مصلحة الوطن وحبه.

هذا الغياب يدل على القاع الذي وصلنا إليه في التعامل مع بعضنا متجاهلين أو ناسين، أو ربما متناسين، حقيقة أننا عندما نتحدث في مادة سياسية ما فإن الهدف يجب أن يكون مصلحة الأمة/ الشعب بأكمله وليس فئة محددة، هذا إن كان منطلقنا وطنيا أو قوميا، وليس عصبيا لمذهب أو لفئة أو لعنصر أو لحزب.

والمشكلة في مستخدمي مصطلحات التخوين والتكفير ادعاؤهم الانطلاق من ثوابت فكرية وطنية جامعة، وليس تعبيرا عن رأي شخصي قابل للنقاش أو للتعديل أو حتى للنقض على نحو كامل.

فادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة يجعل من المدعي إلها، وفي الوقت نفسه هو إلغاء للآخر، ففكرة عدم وجود فكرة صحيحة مخالفة لرأي ما تعني إلغاء الآخر، حتى ولو كان الاختلاف جزئيا، ويترتب على ذلك الإلغاء العقوبة أو حتى التصفية الجسدية أو غيرها.

ينطلق الذي يلغي الآخرين من فكرة أن هذا الآخر غير موجود لأنه يمتلك آراءً غير آرائي، ويتفوه بمصطلحات ليست في قواميسي السياسية والأدبية والأخلاقية والدينية والمذهبية، وبالتالي فإن استخدام مثل هذه المصطلحات التي لا أحبها ولا أستخدمها ولم أتعلمها ولا أريد تعلمها، ولا أنا بقادر على تحمل تبعات تعلمها، يجعل من موظفها عدوا، خائنا، جاسوسا، وغيرها من الأوصاف.

مريع ومخيف، وفي الوقت نفسه محزن، هذا الانتشار الهائل لأسلوب المخاطبة التخويني/ التكفيري. في الوقت نفسه، فهو يدل على افتقار مستخدميه للحجج التي يمكن بها إقناع الطرف الآخر أو حتى ربما تعريضها للمساءلة أو للاهتزاز.

هذا في حد ذاته يدل على أمور كثيرة، غير مستحبة وغير إيجابية، بل ومهينة. يدل على افتقار المنخرطين في الخطاب التخويني/التكفيري لأي أسس لنقاش فكري على أسس علمية.

من يستعين بمصطلحات كهذه غاية في التطرف لا قيمة فعلية لها، في غير مكانها الصحيح، يقدم الإثبات الدامغ على جهله وعلى عدم مقدرته على العيش مع الآخر، المختلف، وبالتالي يثبت رغبته في القضاء على الآخر، وعادة ما يتم ذلك باسم الحرية والديمقراطية والأغلبية والثورة وما إلى ذلك من المفردات المبهمة المعنى والمضللة.

في الواقع فإن جذور مثل هذا الخطاب تعود إلى ضحالة في الفكر وفقر في العلم وغياب العقل والمنطق والحجة، وهو في أغلب الأحيان نتاج أنظمة أو مجتمعات قمعية غارقة في جهلها وجهالتها، تفتقر إلى الحد الأدنى من الإنسانية، أعني أنها غير قادرة على النظر إلى الآخر على أنه بشر مختلف في الرأي.
المشكلة في مستخدمي مصطلحات التخوين والتكفير ادعاؤهم الانطلاق من ثوابت فكرية وطنية جامعة، وليس تعبيرا عن رأي شخصي قابل للنقاش أو للتعديل أو حتى للنقض على نحو كامل

ليس ثمة من وصفات سحرية لحل مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها. ثمة طريق واحد هو النقاش العلمي يقوده أهل العلم.

المشكلة في بلادنا أننا نعاني مختلف المشكلات الاقتصادية والفكرية والأمنية والعسكرية والوطنية والعلمية، وما إلى ذلك من المعضلات، لكن يبدو أن البعض لا يعرف سوى حل واحد لها هو الحل الأمني بمعنى إلغاء الآخر، بدلا من قبوله ومحاورته.

المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وجب ترك اقتراح حلها لعلماء الاقتصاد والاجتماع، والمشكلات الفكرية لأهل الفكر، كل ذلك في حديقة تحوي كل أنواع الزهور والورود والأعشاب، والتي لا بد من أن بعضها مؤذ للنظر وقد يكون ضارا لغيره من النباتات ومفيدا لأخرى.

ماو تسي تونغ ظن يوما أن الذباب ضار ولذا وجب القضاء عليه، فشن النظام وقتها حملة عليه لإبادته في الصين، عملا بتعاليم "القائد الملهم"، فكانت النتائج البيئية كارثية إذ نمت حشرات أخرى ضارة كان المستهدف يقضي عليها.

المفردة المريعة الأكثر شيوعا في مثل هذه الأوساط هي الجاسوس، فكل من يخالف رأينا جاسوس، وكذلك كل من يفكر بطريقة مختلفة أو ينطلق في رؤيته وتصوراته من منظور آخر، وأيضًا كل من لديه قائمة أولويات لا تضم أولوياتنا على رأسها، وهكذا.

نحن في الحقيقة مجتمعات مشوهة، نحن حقا ورثة حضارة عظيمة قدمت الكثير للإنسانية، لكن بالمعنى البيولوجي للمفردة، لكننا لسنا أبناءها حقيقة، نحن أبناء نظام شمولي في كافة مناحيه، وإن بدا في بعض مناحيه اليوم أكثر تسامحا مما تشهده ساحات بلادنا، ونحن لسنا نتاج العصور الذهبية والتاريخ الناصع، المزور إلى حد كبير في بعض تفاصيله.

نحن أبناء ونتاج مجتمعات قمعية لم تعرف التعددية، تعيش على ممالأة الحاكم والأقوى والأغنى.

لنعد الآن إلى مصطلح الخيانة الشائع الاستعمال في خطاباتنا السياسية.

في الوقت نفسه، نعلم أن ثمة أشكالا مختلفة من الخيانة، وأن المصطلح متحرك عبر التاريخ، فهناك الخيانة الاجتماعية وخيانة العائلة وخيانة العشيرة والقبيلة وخيانة المؤسسة الاقتصادية التي يعمل فيها شخص ما.

كما عد اغتيال المرأة زوجها خيانة، وتنال وفق ذلك "عقوبة" القتل، وقتل العبد سيده، أو اغتيال حاكم أو وزير، لكن الخيانة هنا تأخذ في معظم الأحيان بعدا أخلاقيا ليس غير.

وهناك أيضا خيانات من نمط آخر دخلت التاريخ بصفتها الأعظم والأكثر أذية للبشرية عبر العصور ألا وهي ما يوصف بخيانة يهوذا الإسخريوطي (العسكري) ليسوع المسيح الذي وشى بمكانه للرومان وبالتالي لليهوذيين، وليس لليهود، مقابل "ثلاثين من الفضة" وفق رواية بعض الأناجيل.

في العالم المسيحي تعد خيانة يهوذا المزعومة قاع كل قاع ما سمح لدانتي بوضع يهوذا هذا في قاع جهنمه الشعرية.

في بعض الدول والأنظمة يعد التهجم على الحاكم خيانة، وربما خيانة عظمى، وكذلك المطالبة بتغيير النظام أو إلغاء شكل الحكم لصالح آخر، وكذلك الخروج على السلطان أو الحاكم.

تعرف الخيانة بأنها "أي تصرف أو عمل يقوم به مواطن دولة ما لمساعدة حكومة دولة أجنبية على شن حرب على وطنه وأمته، أو إلحاق الضرر بها"

حتى على مستوى الحركة الوطنية الفلسطينية، المفترض أنها كانت في أواخر ستينيات القرن الماضي حركة ثورية تسعى للقضاء على كل ما يعيق التحرر الذاتي والقومي عرفت نظام العقوبات الخاص بها مادة خاصة بما سمي "المقامات العليا"، حيث يفترض أن يعاقب كل من ينتقد أيا من قادتها بالسجن لفترة سبع سنوات من دون محاكمة.

فقط في بريطانيا، الملكة أو الملك معفى من أي مساءلة قانونية، حتى لو ارتكب جريمة القتل، وفق عرف "الملك لا يرتكب جريمة".

لكن ما الخيانة؟
وفق المرجع الحقوقي عالميا وهو "قاموس أوران الحقوقي" تعرف الخيانة بأنها "أي تصرف أو عمل يقوم به مواطن دولة ما لمساعدة حكومة دولة أجنبية على شن حرب على وطنه وأمته، أو إلحاق الضرر بها".

قد يرى البعض، وإلى حد ما عن حق، أن هذا التعريف القانوني نتاج مجتمعات أو نظم سياسية تعددية، كائنا المقصود بذلك ما كان، وأنه لا يسري بالضرورة على أنظمة غير تعددية أو استبدادية أو شمولية.

لكن في غياب أي تعريف مناسب آخر، علينا الالتزام بمرجعية لتحديد معاني المصطلحات والمفردات التي نوظفها، وما عدا ذلك يبقى وجهة نظر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة