حين يعترف الإرهاب بالمقاومة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ مهنا الحبيل

أثبتت تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش الأخيرة التي وردت في الصحافة الغربية حجم الانتصار المعنوي الذي حققه الشعب العراقي في الفترة الأخيرة خاصة بعد معركة الفلوجة، وذلك حين قال إن المقاومة في العراق ليست إرهاباً كلها وإنما مقاومة وطنية مشروعة، وإنه هو ذاته يؤمن بالمقاومة حين يُحتل بلده.

إن هذا الاعتراف الصريح الذي انتزعته المقاومة العراقية يعتبر تسجيلاً تاريخياً لحجم المعركة التي واجهتها هذه المقاومة من قبل أقوى دول العالم ونظامها العسكري المتطور الأول عالميا, ولم يكن لهذا الاعتراف أن يتحقق دون هذه التضحيات الجسيمة التي قدمتها المقاومة العراقية.

وأثبتت للعالم أن الشعب العراقي عندما تترك له الفرصة للقيام بمهمة التعبير السياسي والعسكري ويمارس السيادة ونضال الاستقلال يتألق في عطائه وقدراته بعد أن يزول عنه نظام البطش الدكتاتوري, وتلك رسالة عظيمة التأثير وكبيرة الحجم للعالم كله وبشكل خاص للوطن العربي.


أثبتت المقاومة للعالم أن الشعب العراقي عندما تترك له الفرصة للقيام بمهمة التعبير السياسي والعسكري يتألق في عطائه وقدراته بعد أن يزول عنه نظام البطش الدكتاتوري
إن سلسلة المكابرات التي قام بها الأميركيون منذ سقوط بغداد وإنشائهم مجلس الحكم العراقي الذي اعترف أعضاؤه بعد حله وانتهاء مهمته -بفضل مشروع المقاومة- أنه كان غطاء للاحتلال، بعد أن كانت هذه التسمية الواقعية والفعلية تستفز بعض أعضاء المجلس فيرد عليها بغضب في الفضائيات.

كل هذه المكابرات بما فيها وصف الأميركيين وحلفائهم أعمال المقاومة العراقية الإسلامية والوطنية التي تستهدف العتاد العسكري والقوى البشرية للاحتلال الأميركي للعراق بالإرهاب، بات جزءا من الحملة الإعلامية التي كسرتها المقاومة, وانعكاسا ضخما لما عاشه المشهد العراقي في الفترة الأخيرة، خاصة إذا عدنا إلى مراجعة سلسلة التصريحات والمواقف التي كان يتمسك بها الأميركيون لتهميش قدرة المقاومة.

ولكن هذا لا يلغي أن حجم الضرر الذي أحدثته المقاومة العراقية بالمخطط الأميركي كان كبيراً جداً، مما حمل عرابيه على إعادة صياغته وأصبحوا في وضع لا يحسدون عليه في المستقبل القريب، وإن كان استهداف العراق والمنطقة لا يزال عمقا مهما للإستراتيجية الأميركية لن تتخلى عنها -فيما يبدو- حتى عندما يسقط الرئيس الأميركي جورج بوش في الانتخابات القادمة.

ولذا تسعى واشنطن جاهدة لإعادة خططها كي يضمن البيت الأبيض تحقيق الأطماع الإستراتيجية -ولو تنازلوا عن بعضها مرحلياً- حتى تتوثق مواطئ أقدامهم في عراق المستقبل الجديد.

ومن المعتقد أن هذا الأمر سيقوم على محورين أساسيين لن يتخلى الأميركيون عنهما:

المحور الأول- تركيز قواعد عسكرية ضخمة في العراق تؤمن خطط المستقبل لتنفيذ المشروع الأميركي الشامل في الخليج والمنطقة العربية وتعزيز الدرع العسكري للأميركيين في المنطقة، كي يحقق مشروع الشرق الأوسط الأميركي الكبير أهدافه من خلال هذا الوجود الضخم وتأمين مصالح واشنطن الإستراتيجية.

ومن جهة أخرى تأمين مستقبل المشروع الصهيوني الكبير وتركيز أركان المخطط ماديا في الوطن العربي، وليس بعيدا عنه البدء بالخطة الجديدة التي تعد ليتسلم غزة والضفة الغربية أمنيا بلدان عربيان.

المحور الثاني- قضية النفط العراقي، وأعتقد أنه من الغباء بمكان أن يظن البعض حين يقال إن السيادة الكاملة ستمنح للعراقيين بحلول 30 يونيو/حزيران الجاري, لأن هذه السيادة تعني تخلي الولايات المتحدة عن طموحاتها في تسييس النفط العراقي لأجل مصلحتها كماً وكيفاً، وجعل السيادة المطلقة في تسويق النفط العراقي وطريقة بيعه حقا لهذه القوة المتنفذة في العراق.

لذا كان لابد لإخفاء الصورة النمطية للاستعمار من تسويق خط وطني عراقي كي يشترك في لعبة ما بعد الاحتلال المباشر من خلال الحكومة العراقية أو من خلال الرئاسة العراقية. وهنا يبرز بلا شك وبشكل كبير شخصية الشيخ غازي عجيل الياور حيث ستكون مهمته -رغم رمزية منصبه في رئاسة الدولة- مهمة كبيرة سيواجه فيها امتحانا صعبا بين حقوق العراق وشروط الاحتلال.

ولعل من الطبيعي أن يفطن الشيخ غازي نفسه إلى أن الإذعان الذي قدمه الاحتلال للوجه العربي للعراق بعد ما كان الأميركيون يطرحون وجهاً غريب المعالم بعيداً عن عروبة العراق وبعيداً عن روحه الإسلامية الأصيلة، فرضته حركة المطالبة بالاستقلال عسكريا وسياسيا. كما يفطن إلى أن هذا الانعطاف التاريخي لم يكن ليتحقق لولا إنجازات المقاومة العراقية خاصة في الفلوجة.

والشيخ غازي -وهو أحد الشيوخ البارزين في قبائل شمر العراقية- يعرف في ذات الوقت أن المقاومة العراقية كان عمادها الصلب وذراعها القوي العشائر العربية التي كانت في مقدمتها فخذ زوبع من قبيلة شمر نفسها التي ينتمي إليها الشيخ غازي نفسه.

إن إدراك الشيخ غازي لهذه الحقيقة سيجعله يأخذ بعين الاعتبار المهمة الخطيرة التي سيطلب الاحتلال منه القيام بها وهي وأد المقاومة بحجة انتهاء الاحتلال وتأمين القواعد العسكرية الضخمة في العراق، كي يتم تحويل البلاد إلى كانتون إقليمي يفقده السيادة الحقيقية ويسير في مسار الركب الأميركي في المنطقة.


المهمة الخطيرة التي يريد الأميركان تنفيذها عبر الياور أو بعض الأسماء في الحكومة هي تصفية المقاومة، وهي خط أحمر يجب على الجميع أن يحذروه
إن هذه المهمة الخطيرة التي يريد الأميركيون تنفيذها عبر الشيخ غازي أو عبر بعض الأسماء في الحكومة الجديدة وهي تصفية المقاومة، هي خط أحمر يجب على الشيخ غازي وكل صوت وطني في هذه الحكومة أن يحذر من هذه القضية, وأن يفرض له مساحة حتى ولو لم تمنح له مرونة حتى لا يستخدم ضد المقاومة، ومن هنا تورط الشيخ غازي حين صرح لقناة العربية بموقف سلبي حدي غير مبرر من المقاومة.

وفي نفس الوقت يجب على المقاومة بجناحيها أن تدرك المهمة الصعبة والحرجة التي وضعت فيها، وأن هذه المهمة بالإمكان إفشالها من قبل الحركة الوطنية الإسلامية العراقية بشقيها العسكري والسياسي، ولكن بنفس ممتد وتأمل وتفويت الفرصة على كلا المعسكرين المتربصين بالمقاومة وهما معسكر الاحتلال الأميركي والمعسكر المرادف له الذي شارك في الاحتلال وشارك في نزع العراق من عروبته وهو الخط الإيراني في الحكومة العراقية.

وتبرز هنا هيئة علماء المسلمين وقيادتها بموقفها الصارم من الاحتلال وتوازنها العربي والإسلامي حتى باتت تشكل الواجهة الشرعية الأبرز للعراق الحر لدى الغالبية العظمى في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

إن خط طهران لا يزال يمارس دورا خطيرا لم ينته رغم انكسار مشروعه مع الأميركيين بعدما اتضحت لهم الصورة التي قدمتها المجموعات الموالية لطهران أو الانتهازية لوضع العراق وقدرتهم على القضاء على أي نمط من أنماط المقاومة، ما جعل الأميركيين يفشلون في تقدير حجم العرب السنة وقدرتهم على تحقيق توازن قوي على الصعيد العسكري حتى ولو همشوا سياسيا.

وأصبح الأميركيون يشعرون بالصدمة والإحباط من حجم التضليل الذي قدمه لهم الخط الإيراني الذي لا يزال نشطا لتحقيق أهداف مشروعه الطائفي الانعزالي في العراق. ولعلنا نأخذ بالاعتبار موقف الدكتور أحمد الجلبي بعد خلافه مع الأميركيين حين لم يتوان في تقديم أسرار خطيرة جدا باعتراف الأميركيين ومصادر أخرى إلى الحكومة الإيرانية.

إن وجود المقاومة في ظل هذه التقاطعات الضخمة بين الأميركيين وبين معسكر طهران وبين تيارات أخرى من ضمنها تيار يفترض أن لديه حسا وطنيا وإن كان داخل الحكم، يتطلب وبصورة واضحة وجلية إعادة ترتيب الأوراق وخطط المعركة وعدم الاستعجال خشية الاستدراج إلى أي معارك جانبية تصفى فيها المقاومة.

وفي نفس الوقت يجب منع الاحتلال وحلفائه من تمييع قضية المقاومة وبسط روح الاحتلال الإستراتيجي عوضا عن الاحتلال المباشر على العراق حتى لا تطوق المقاومة وتشعر أنها لم يعد لها وسيلة بعد ذلك فتدفع إلى الانتحار.

إن إدراك حساسية هذا الوضع وخطورته تحتاج إلى بعد نظر أعتقد أن المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق أثبتت أن لديها قدرة على التعايش مع الأحداث خاصة بعد النصر السياسي في الفلوجة.

ولذا تحتاج هذه المقاومة إلى مد الجسور وتعزيزها مع الخطوط الوطنية وإلى تمييز صفوفها بأنها مقاومة إسلامية وطنية عراقية بعيدة عن عمليات العنف التي تستهدف العراقيين وتحويل العراق إلى برك من الدماء لمبدأ القتل لأجل القتل ولو كان الهدف المعلن هو مواجهة المشروع الأميركي، وإنما ضحيته هو أبناء العراق بل ضحيته هو الإفادة من مشروع المقاومة العراقية لصالح العراق الحر والمستقل الذي يمارس السيادة الأممية بعروبته وثوابته الإسلامية

وأمام هذا الوضع أيضا تبرز الحركة العروبية في عشائر العراق ومثقفيه من أبناء الطائفتين خاصة بعد الأحداث الخطيرة وارتفاع الصوت العربي واضحا وجليا من أبناء الطائفة الشيعية وأنَفهم من تدخل الجانب الإيراني واستغلالهم من قبل السياسيين المتحالفين مع واشنطن أو الأحزاب الدينية السياسية الموالية لطهران.


الأميركيون سيسعون لتغيير لغة المعركة وأسلوبها بعد انتكاستهم، ولكن بكل تأكيد ليس العراق مجرد صومال جديد يتنازلون عنه بسهولة
فأصبح لزاما على هذا التيار المخلص الواعي القيام بهذه المهمة الوطنية العربية الإسلامية في العراق، وهي إعادة تنظيم صفوف العشائر العراقية من أبناء السنة والشيعة بحيث تكون هذه العشائر قوة ضاربة في مصلحة العراق وسيادته واستقلاله عن الاحتلال الأميركي وعن التدخل الإيراني وعن الأطماع العنصرية الطائفية التي يروج لها البعض، حيث إن نجاح الحركة العروبية في تنفيذ هذه المهمة سيشكل ضربة إستراتيجية.

إن الأميركيين سيسعون لتغيير لغة المعركة وأسلوبها بعد انتكاستهم، ولكن بكل تأكيد ليس العراق مجرد صومال جديد يتنازلون عنه بسهولة.

وهاهم يعيدون ترتيب خطوطهم بعد تلك الصاعقة الأممية التي أصابتهم وكشفت عن الوجه القبيح لتلك الحضارة بعد فضائح سجن أبو غريب وسقوط محاولة الأميركيين المتكررة رمي هذه الجرائم على مجموعة أفراد، حين أثبتت الأدلة للعالم مجددا أن الضحايا المدنيين والانتهاكات الفاضحة لقيم الإنسانية تتجاوز من حيث العدد والكيف كل أعذار الأميركيين الوقحة.

ولكن ما يسميه الأميركيون هامش الحرب الذي يسقط ضحاياه من أمم العالم المضطهد مئات الآلاف من البشر كما حصل في اليابان وأفغانستان، لا يستحق سوى الاعتذار من جانب واشنطن. أما الضحايا المدنيين لخصومهم ولو كان أقل بكثير من عشر ضحاياهم فهو مادة مشروعة للبطش بتلك الأمم، وويل لمن يشكك مذكرا بقيمة النفس البشرية ويدعي مساواة أبناء فلسطين والعراق برعايا الرجل الأبيض!!
_________
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة