يهود أميركا ومؤتمر أنابوليس   
الأحد 1428/11/8 هـ - الموافق 18/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:03 (مكة المكرمة)، 12:03 (غرينتش)


علاء بيومي

قضايا يهودية لا إسرائيلية فقط
علة الانفصام والهوة الساحقة
تحالفات لوبي إسرائيل
سلام قائم على القوة
الشعور بالذنب وفشل لوبي السلام

مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر السلام المقرر في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بمدينة أنابوليس بولاية ميرلاند الأميركية، ومع تزايد الجدل بخصوصه داخل أميركا وخارجها وفي أوساط القطاعات المعنية بسلام الشرق الأوسط عبر العالم، رأينا التركيز في هذا المقال على أبعاد الجدل الدائر وسط أحد أهم هذه القطاعات ألا وهو قطاع يهود أميركا المعروفين بتأثيرهم الكبير على مسار العلاقات العربية الإسرائيلية عبر نشاطهم في الضغط على الولايات المتحدة من أجل مصلحة إسرائيل.

ونحب أن نؤكد في بداية المقال أننا لا ندعي تلخيص كل ما يدور في أوساط اليهود الأميركيين من جدل بخصوص مؤتمر أنابوليس، وإنما نسعى بالأساس لتسليط الضوء على بعض أهم معالم الجدل الدائر وسطهم حاليا، خاصة فيما يتعلق بموقف يهود أميركا من لوبي إسرائيل المكون من الجماعات النشطة في مجال الضغط على الحكومة الأميركية لتشكيل سياستها تجاه إسرائيل والشرق الأوسط وعملية السلام.

قضايا يهودية لا إسرائيلية فقط
"
بما أن هدف الفلسطينيين من المشاركة في مؤتمر أنابوليس مناقشة القضايا الجوهرية كحق العودة والقدس وتفكيك المستوطنات، بدأت منظمات يهودية أميركية تعبئة مناصريها للوقوف ضد أي تنازلات إسرائيلية مرتقبة تتعلق بهذه القضايا
"
من المثير أن نجد في هذا التوقيت مقالات متزايدة إسرائيلية وأخرى أميركية يهودية تتحدث عن علاقة يهود أميركا بإسرائيل، وذلك لشعور كتاب هذه المقالات بخلاف يلوح في الأفق بين حكومة إيهود أولمرت وقطاعات هامة من يهود أميركا بخصوص مؤتمر أنابوليس ونتائجه المتوقعة.

لذا يتساءل هؤلاء الكتاب حول حق يهود أميركا في الاختلاف مع قرارات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة بالمؤتمر المقبل، وهي قرارات مصيرية –كما يرونها- ستؤثر على مستقبل علاقة إسرائيل بالفلسطينيين.

حيث تؤكد كاتبة إسرائيلية يمينية أن أي تنازلات يقدمها أولمرت للفلسطينيين حاليا -حتى لو كانت خطابية- ستعد سوابق تاريخية تشكل أسسا للمفاوضات مع الفلسطينيين في المستقبل.

وبما أن هدف الفلسطينيين من المشاركة في المؤتمر هو مناقشة القضايا الجوهرية كحق العودة والقدس وتفكيك المستوطنات، بدأت منظمات يهودية أميركية في تعبئة مناصريها للوقوف ضد أي تنازلات إسرائيلية مرتقبة تتعلق بالقضايا السابقة وعلى رأسها القدس، ما دفع بعض مساندي هذه الحملات ومعارضيها للتساؤل حول مدى شرعيتها وشرعية الخلافات بين يهود أميركا وإسرائيل.

وردا على ذلك أكدت أصوات يهودية أميركية رئيسية مثل إبراهام فوكسمان -رئيس عصبة مكافحة التشويه اليهودية الأميركية- على أن قضايا مثل القدس قضايا يهودية ملك لليهود جميعا عبر العالم وليس إسرائيلية فقط تخص إسرائيل وحدها.

علة الانفصام والهوة الساحقة
أما أصل الخلاف بين يهود أميركا وحكومة أولمرت بخصوص مؤتمر أنابوليس، وهو أيضا جوهر الجدل الدائر حاليا في أوساط يهود أميركا، فيتعلق بالصراع بين مساندي المؤتمر ومعارضيه، أو بين مساندي عملية السلام الراهنة والقائمة بناء على اتفاقات أوسلو وحل الدولتين والمعارضين لها، أو بين معسكر السلام اليساري ومعسكر اليمين الرافض للسلام مع العرب.

وهنا تشير كتابات عديدة إلى أن يهود أميركا في غالبيتهم يساريون مساندون للسلام واتفاقات أوسلو وحل الدولتين ولمواقف اليسار الإسرائيلي ولتوجهات اليسار الأميركي بحكم تصويت غالبية يهود أميركا للحزب الديمقراطي داخل أميركا، ودعمهم لأجندة اليسار الأميركي الليبرالية القائمة على العلمانية والحقوق المدنية واحترام الأقليات.

في المقابل ترى المقالات نفسها أن ثمة هوة كبيرة أو انفصاما واضحا بين آراء غالبية اليهود الأميركيين ورغبتهم في السلام وفي دولة إسرائيلية تطبق القيم التي تدعيها من ناحية وبين سلوكهم السياسي من ناحية أخرى.

فسلوكهم يصب في غالبيته في صالح مساندة إسرائيل وحكوماتها بغض النظر عن مواقفها وعلاقة تلك المواقف بمصلحة أميركا أو إسرائيل البعيدة، حتى أن أحد الكتاب أعرب عن اعتقاده -الممزوج بالدهشة والتعجب العميقين- بأن بعض يهود أميركا يؤيدون معسكر مؤيدي السلام ومعسكر معارضيه داخل إسرائيل بدرجة 100%، وهو أمر يحتوي على تناقض خطير.

تحالفات لوبي إسرائيل
"
اللوبي اليهودي والقوى اليمينية يدفعان معا أميركا إلى سياسات متشددة تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك السعي للضغط على إيران وسوريا بما يغلق باب الدبلوماسية معهما، والسعي إلى عزل حماس وسوريا بما لا يسمح بدمجهما في عملية السلام
"
وسبب هذا التناقض أن لوبي إسرائيل -وهو المنظمات التي تسيطر على يهود أميركا سياسيا- يقف في غالبيته موقفا يمينيا متشددا -أقرب من الجناح اليميني المتشدد بإسرائيل الرافض للسلام بناء على أوسلو- ويسعى للتحالف مع القوى اليمينية داخل الولايات المتحدة.

فهما يدفعان أميركا معا إلى سياسات متشددة تجاه الشرق الأوسط بشكل عام بما في ذلك السعي للضغط على إيران وسوريا بما يغلق باب الدبلوماسية معهما، والسعي إلى عزل حماس وسوريا بما لا يسمح بدمجهما في عملية السلام التي لن تكتمل بدونهما، والتشدد ضد الدول العربية بشكل عام، بل والاستفادة من صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في أميركا كما يرى البعض.

إذا تشير الكتابات المعنية إلى أن ما يطلق عليه لوبي إسرائيل بات يتشكل من أربع جماعات رئيسية:

أولها- غالبية المنظمات اليهودية الأميركية المعنية بالشؤون العامة والسياسية، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) التي تعد ثاني أهم جماعات اللوبي نفوذا بالولايات المتحدة، والتي تسيطر بالتعاون مع المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى المتحالفة معها سيطرة شبه كاملة على القرار والصوت السياسي اليهودي الأميركي.

ثانيا- تتحالف المنظمات السابقة بشكل متزايد مع قوى المسيحيين الإنجليكيين المتدينين بالولايات المتحدة، الذين يعرفون في كتابات أخرى بلقب "المسيحيين الصهاينة"، وهي قوى كبيرة تقدر أعدادها بنحو 50 مليون أميركي.

ويقلق تحالفها مع منظمات لوبي إسرائيل الكثير من يهود أميركا أنفسهم، لأن المسيحيين الصهاينة ليسوا ليبراليين ولأن مواقفهم المساندة لإسرائيل تعتمد على نبوءات دينية تبشر بحروب نهاية الزمان والتي تشهد القضاء على اليهود أو اعتناقهم المسيحية.

ثالثا- الجماعات الجمهورية المنغلقة التي تتبنى سياسات خارجية متشددة تهمش الدبلوماسية وتعلي من أهمية القوة الأميركية كملاذ أول وأخير في مواجهة الآخرين ضمن ما يسمى بالحرب على الإرهاب وغيرها من الصراعات الخارجية التي تدور حولها أفكار تلك الجماعات.

رابعا- تقود الجماعات السابقة في الفترة الحالية قوى المحافظين الجدد التي يقودها قادة علمانيون بالأساس وبعضهم يهود يرفضون اتفاقات أوسلو وعملية السلام القائمة برمتها، وذلك انطلاقا من عدم ثقتهم في العرب أو في إمكانية الوصول إلى السلام معهم حاليا.

سلام قائم على القوة
ويصعب القول إن القوى السابقة تتبنى تصورا واحدا للسلام المثالي مع العرب كما تراه هي، فقوى المسيحيين الصهاينة تؤمن بأفكار دينية يصعب أن يؤمن بها قيادات لوبي إسرائيل والمحافظين الجدد العلمانية.

كما أن قوى الجمهوريين المتشددة قد لا تمتلك رؤى واضحة لسلام الشرق الأوسط أصلا، ما يجعلها فريسة لنزعاتها العدوانية من ناحية ولجهلها من ناحية أخرى.

"
غالبية لوبي إسرائيل لا يثقون في أولمرت ويرون أنه قائد فاشل ضعيف لا يرقى إلى مستوى شارون ولن يتمكن من فرض السلام الذي يريدون، وهو سلام لن يتأتى إلا بتغيير العرب أنفسهم لمواقفهم تجاه إسرائيل
"
أما قوى لوبي إسرائيل والمحافظين الجدد فتبدو أنها تعارض الضغط على إسرائيل بأي شكل من الأشكال، متفقة في ذلك مع غالبية يهود أميركا. ولكن الفارق هنا يكمن –كما تشير بعض الكتابات– في أن لوبي إسرائيل يريد سلاما قائما على القوة الأميركية والإسرائيلية وتغيير مواقف العرب، لا سلاما قائما على المفاوضات والتنازلات المتبادلة.

ويعبر عن ذلك التوجه بعض أهم مفكري المحافظين الجدد وعلى رأسهم أشخاص مثل نورمان بودهوريتز –أحد مؤسسي التيار– وتشارلز كراوتهمر –أحد أشهر كتابه– وإليوت إبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي حاليا وأحد أهم المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية الراهنة.

فالثلاثة يتفقون في معارضتهم لاتفاقات أوسلو لعدم ثقتهم في العرب، حيث يصف كراوتهمر مقولة "المعتدلين العرب" بأنها "أسطورة" ليس لها أساس من الصحة.

ويرى بودهوريتز أن محمود عباس مثل ياسر عرفات، فعباس سبق له العمل كمساعد لعرفات، وأن لا فرق بين الاثنين وبين أي قيادة فلسطينية أخرى، وأن المناداة بعيش الفلسطينيين بجوار الإسرائيليين في سلام بمثابة ترك الحمل "الإسرائيلي" بجوار الأسد "الفلسطيني" بلا حماية.

ويرى إبرامز أن كلينتون سعى للضغط على إسرائيل للتوصل إلى اتفاقية سلام مع العرب من أجل مصلحته الشخصية، ولكي يضيف لقب صانع السلام بين العرب وإسرائيل إلى سجله الشخصي.

وقد رحب الثلاثة بصعود شارون الذي سعى لفرض السلام على العرب من منطلق القوة الإسرائيلية لا من منطلق المفاوضات وتقديم التنازلات للفلسطينيين.

ويرى بودهوريتز أن بوش غيّر معادلة الصراع العربي الإسرائيلي عندما ساوى بين الجماعات المسلحة الفلسطينية والقاعدة، ما وضع الفلسطينيين في موضع المسؤول عن توقف عملية السلام وأنهى ما كان يقوم به كلينتون حين كان يساوي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مسؤولية وقف العنف وتدهور المفاوضات.

ولا يثق بودهوريتز أو كراوتهمر أو غالبية لوبي إسرائيل -فيما يبدو- في إيهود أولمرت حيث يرى هؤلاء أنه قائد فاشل ضعيف لا يرقى إلى مستوى شارون ولن يتمكن من فرض السلام الذي يريده هؤلاء، وهو سلام لن يتأتى –كما يرى بودهوريتز– إلا بتغيير العرب أنفسهم لمواقفهم تجاه إسرائيل.

الشعور بالذنب وفشل لوبي السلام
في مقابل ما سبق يتساءل بعض الإسرائيليين واليهود الأميركيين حول "صمت" لوبي السلام اليهودي الأميركي وغيابه في مقابل الأصوات المتشددة السابقة، ويفسر هؤلاء أزمة لوبي السلام اليهودي الأميركي بالأسباب التالية:

"
شعور قوي يسيطر على يهود أميركا بالذنب تجاه إسرائيل والرغبة في مساندتها والدفاع عنها في أي حال من الأحوال، وهو شعور متأصل لدى القيادات اليهودية الأميركية بشكل عام
"
أولا- يسيطر على يهود أميركا شعور قوي -يبدو مرضيا في عيون البعض– بالذنب تجاه إسرائيل والرغبة في مساندتها والدفاع عنها في أي حال من الأحوال، وهو شعور متأصل لدى القيادات اليهودية الأميركية بشكل عام –خاصة الكبار منهم في السن- يدفعهم لمكافحة وقمع أي جدل علني يثار حول إسرائيل أو سياستها وعلاقتها بأميركا حتى لو كان جدلا يهوديا أميركيا.

ثانيا- سيطرة منظمات لوبي إسرائيل المتشددة على عملية تمثيل يهود أميركا لفترة طويلة مستفيدة من شعور يهود أميركا بالذنب والذي يدفعهم للصمت أو للمساندة، وتأييد أقلية من اليهود الأميركيين المتشددين لها، وهي أقلية مساندة لإسرائيل على طول الخط ولا تبالي بأي قضية أخرى سوى إسرائيل بعكس غالبية اليهود الأميركيين.

ثالثا- فشل لوبي إسرائيل المساند للسلام في بناء منظماته وقواه السياسية بشكل يمكنه من مواجهة نفوذ وسيطرة منظمات لوبي إسرائيل المتشددة خلال الفترة الحالية، وذلك رغم الأحاديث المتزايدة عن نشاط لوبي السلام في التوحد ضد مواقف منظمات لوبي إسرائيل المتشددة.

رابعا- فشل القيادات السياسية الأميركية الديمقراطية في اتخاذ مواقف مساندة للسلام، ورضوخ تلك القوى لمنظمات لوبي إسرائيل المتشددة.

نتيجة لما سبق ووفقا للعوامل السابقة دعا البعض إلى خفض التوقعات بخصوص مؤتمر أنابوليس، وبضرورة اعتباره بداية لسلسلة مؤتمرات مشابهة لا كونه مؤتمرا يسعى لحل نهائي للقضايا الأساسية العالقة.

 كما أكد البعض أن الرئيس بوش معني حاليا بإيجاد حل لمشكلة العراق بشكل أساسي لا بإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي تسعى إليه وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بالأساس.

في حين أكد آخرون أن السلام لن يتحقق دون نشوء حركة أميركية مساندة للفلسطينيين وللسلام على مستوى المجتمع المدني الأميركي على غرار حركة الحقوق المدنية الأميركية التي احتاجت عقودا كي تؤتي أكلها.
ــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة