الأردن.. الدولة والمرجعية والحركات الإسلامية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ إبراهيم غرايبة*

-النشأة.. وراثية لا خلافة
-الإسلام والمجتمع الأهلي في الأردن
-الأردن.. المعارضة السياسية والإسلام

برغم أن الدولة الأردنية لم تكن دينية بالمفهوم الذي قامت عليه المملكة العربية السعودية في الفترة نفسها تقريبا، أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، أو باكستان التي قامت على أساس القومية الإسلامية عام 1947، فإن هذه الدولة تأسست عام 1921 معتمدة على شرعية دينية مستمدة من قيادة شريف مكة الحسين بن علي لثورة عربية على الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى.

النشأة.. مملكة وراثية لا خلافة

لقد كان الإسلام مرجعا رئيسا للحكم والثقافة والتقاليد لدى الدولة والملك المؤسس عبد الله بن الحسين، ولكنه اختار عن وعي وتخطيط مسبق إقامة مملكة وراثية وليست خلافة إسلامية، وكان يدرك بوضوح الفرق بين الخلافة والملك والسلطان، كما هو واضح في كتابه: الأعمال الكاملة (ص 473).

عبد الله الثاني وجورج بوش
وكان الشريف حسين بن علي قد أعلن نفسه في 11 مارس/ آذار 1924 خليفة للمسلمين، بعد إعلان رئيس جمهورية تركيا مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة الإسلامية التي ظلت الدولة المركزية للمسلمين أكثر من أربعمائة عام. وتلقى الشريف الحسين بن علي البيعة من الناس في الحجاز والشام، ومن الحجاج في ذلك العام. ولكن الأمير عبد الله لم يتابع تحقيق فكرة والده، ومضى في بناء دولة حديثة نيابية على غرار الدول والممالك الأوروبية، يمثل الإسلام فيها مرجعية أساسية للدستور والحكم والتشريعات والحياة العامة.


إن كل البيانات والتوجهات العملية التي رافقت تأسيس إمارة شرقي الأردن تبدي بوضوح أن فلسفة الدولة لدى الملك عبد الله كانت ملكية حديثة على غرار الملكيات الأوروبية تستلهم الإسلام والتاريخ مرجعية وإطارا
إن كل البيانات والتوجهات العملية التي رافقت تأسيس إمارة شرقي الأردن، تبدي بوضوح أن فلسفة الدولة لدى الملك عبد الله كانت ملكية حديثة على غرار الملكيات الأوروبية، تستلهم الإسلام والتاريخ مرجعية وإطارا. ف
هو يعتقد في رسالة وجهها سنة 1943 إلى الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله بن علي، أن من واجب بغداد وعمان لفت نظر النحاس باشا إلى أن يطلب باسم المؤتمر من الحكومة العربية السعودية إيجاد إدارة دستورية وحكومة مسؤولة بالحجاز قائمة على هذا الأساس.

ومن تصوراته للحكم قوله: فالديمقراطية المرغوب فيها اليوم في الأمم الغربية والتي يقلدها فيها المسلمون هي بكمالاتها وحسنها موجودة في الإسلام، متوفرة فيه.

والعبارات والشعارات التي كان يقولها الأمير ويطرحها على الناس مستمدة من القومية العربية، حتى الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقدمه على أنه لرفعة العرب وخدمتهم "لو أن لي سبعين نفسا وضحيتها في سبيل القومية والوطن لما رأيتني قمت بالواجب" (ص168).

وعندما أعلن استقلال شرقي الأردن في 15/5/1923، قال الأمير عبد الله في حفل إعلان الاستقلال: وأعلن بهذه المناسبة أنه سيجري إعداد القانون الأساسي للمنطقة وتعديل قانون الانتخاب بما يوافق روح البلاد وطبقتها وبيئتها (ص172).
ولكن الدين قام بدور أساسي ومهم في الدولة الأردنية، وكان للدولة والملوك المتعاقبين سياسات ومواقف دينية، يمكن ملاحظتها في السلوك والمواقف الشخصية للملوك، وفي الدستور الأردني والقوانين والأنظمة والتشريعات، وفي مناهج التربية والتعليم، والإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وفي سياسات الحكم والوزارات والجيش والدوائر الحكومية والرسمية، وفي المؤسسات الدينية المختصة كوزارة الأوقاف والمقدسات والشؤون الإسلامية، ودائرة قاضي القضاة، ودائرة الإفتاء في القوات المسلحة.

الإسلام والمجتمع الأهلي في الأردن

نشأت في الأردن حركات أهلية إسلامية كانت على علاقة ودية مع نظام الحكم، مثل جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية غير السياسية كالجماعات الصوفية والتبليغ.


قام الدين بدور أساسي ومهم في الدولة الأردنية، وكان للدولة والملوك المتعاقبين سياسات ومواقف دينية يمكن ملاحظتها، في السلوك والمواقف الشخصية للملوك وفي الدستور الأردني والقوانين والأنظمة والتشريعات وفي مناهج التربية والتعليم والإعلام الرسمي وشبه الرسمي وفي سياسات الحكم والوزارات والجيش والدوائر الحكومية والرسمية وفي المؤسسات الدينية المختصة
فالإسلام وإن لم يكون مكونا أساسيا للدولة، فإنه يمثل بيئة محيطة بالعمل العام والسياسي ومرجعية للملوك والدولة، وربما كان أحد أدوات الدولة في السيطرة وفي استيعاب المجتمع وترسيخ الحكم واستقراره.

المجتمع الأهلي أيضا استخدم الدين في تنظيم نفسه وحمايته. كما هو واضح في جماعة الإخوان المسلمين ومؤسساتها، مثل حزب جبهة العمل الإسلامي، وجمعية المركز الإسلامي التي أسسها الإخوان في أوائل الستينيات وصارت مؤسسة عملاقة تملك المستشفى الإسلامي وعشرات المدارس والمستوصفات والمؤسسات، وجمعية المحافظة على القرآن الكريم التي تدير عشرات المراكز وينتظم فيها عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات، وجماعة بنات فادية الطباع التي تعد أكبر وأقوى تجمع نسائي ديني، وجمعية الثقافة الإسلامية التي تملك الكلية العلمية الإسلامية أكبر وأهم المدارس في الأردن، وجمعية الثقافة العربية الإسلامية التي تغطي أعمال ونشاط جماعة الأحباش في الأردن أو أتباع الشيخ الهرري المقيم في لبنان، وجامعات ومدارس خاصة كثيرة تقدم نفسها للمجتمع على أنها إسلامية، ومؤسسات كثيرة منتشرة وممتدة في المجتمع وتعمل في التعليم والإغاثة والصحة.

الأردن.. المعارضة السياسية والإسلام

وفي مجال المعارضة السياسية كان الإسلام يمثل إطارا ودافعا لجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير. وبعد خروج المنظمات الفلسطينية من الأردن بدأت جماعة الإخوان المسلمين تستوعب في أطرها التنظيمية والسياسية الفلسطينيين الأردنيين, حتى أصبحت التجمع الرئيس والأكبر للفلسطينيين الأردنيين في الأردن وفي تجمعات الفلسطينيين في العالم. وبذلك تحول الإسلام السياسي إلى مظلة العمل والتجمع الفلسطيني، وصارت حركة حماس والحركة الإسلامية مصدر تحد للنظام السياسي مستمدا من تأييد الفلسطينيين.

وقد كشفت مقاطعة الحركة الإسلامية للانتخابات النيابية عام 1997 بوضوح، أن المجتمع الفلسطيني في الأردن يعتمد أساسا على الحركة الإسلامية، في تمثيله والتعبير عن مطالبه والضغط والتوازن لصالحه ولصالح المواقف السياسية الموازنة لمواقف السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد قدمت الانتخابات النيابية الأخيرة نوابا فلسطينيين ضعافا ومعزولين عن السياق العام والغالب للشارع الفلسطيني في الأردن، وبخاصة أن فلسطينيي الأردن شعروا أن اتفاق أوسلو قد أضر بهم كثيرا، ويخشون أن يخرجهم تماما من الحل النهائي للقضية الفلسطينية. وبذلك فإن الانتفاضة -وبطبيعة الحال حماس والحركة الإسلامية- تمثل بمواقفها وسلوكها فرصة لهم لتعديل مسار القضية الفلسطينية أو على الأقل يؤجل الحل النهائي في صيغته المطروحة الآن.

عبد الله الثاني وأحمد ياسين
وامتد تأثير الحركة الإسلامية إلى النقابات المهنية والعمالية والاتحادات والمجالس الطلابية، ليتحول الإسلام من أدوات الدولة في التأثير والسيطرة إلى قوة شعبية تضع المجتمع الأهلي في مواجهة الدولة.

وهكذا فإن الدين تعددت مواقعه في النظام السياسي، فهو في مرحلة كان مرجعا للحياة السياسية والعامة، وحليفا للنظام السياسي في مواجهة المعارضة اليسارية والقومية، وفي مرحلة أخرى كان غطاء للمعارضة السياسية في مواجهة الدولة، ومن أدوات المجتمع الأهلي في تنظيم نفسه وتجميع النقابيين والمتطوعين، وبديلا للمؤسسات الرسمية.

ويرى عبد الإله بلقزيز في كتابه "الإسلام والسياسة: دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي" أن أحد أهم إنجازات الحركة الإسلامية أنها أضافت إلى العمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا دينيا استنهض طاقات الأمة وعبأها، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه السلطة السياسية لتجعله عمليا شعبيا واسع النطاق، واستعادت الأمة هذا الكنز الروحي المصادر وأعيدت حيويته الوظيفة الاجتماعية والتحررية للإسلام ليكون سلاح المستضعفين في مواجهة الطغيان والاستضعاف.
ولكن السجال الدائر بين علمنة الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية -كما يراه بلقزيز- هو في حقيقته سياسي وصراع على السلطة، وليس خلافا فكريا وفلسفيا. والنظر إليه بغير ذلك يشبه دراسة وتحليل الخلاف بين الخوارج والمرجئة والشيعة، على أنه في أساسه وجوهره حول الإيمان الفكري.

لقد صدرت السياسة مشكلاتها إلى حقل الثقافة والفكر، بل هي استعارت هذا الحقل لتعبر عن نفسها، ومن المفيد لنا- نحن المعاصرين- أن نستفيد من درس الفرق والمذاهب، فلا نكرر الخطأ عينه: استنزاف الوعي في مشاكل لا تحلها إلا السياسة، ونستفيد من درس "الفتنة الكبرى" حتى لا نعيد إنتاج فتنة فكرية وحرب أهلية جديدة.

فلم ترسم النصوص الدينية شكلا للنظام السياسي وآليات عمل الاجتماع السياسي للمسلمين. والمرجع الوحيد في ذلك هو التجربة النبوية في دولة المدينة وتجربة الخلافة الراشدة فيما بعد، وهي دولة لم تقم على أسس دينية بأي من المعاني التي تفهم من عبارة الدولة الدينية. ولكن هذا الغياب للتشريع الديني في المجال السياسي فتح المجال للاجتهاد لاجتراح نظم وقواعد وقوانين ليس منصوصا عليها، بدليل أن غياب التشريع لم يمنع المسلمين من إقامة دولة ومن توسع جغرافيتها ولا من تأسيس فقه للسياسة واكب الدولة.. وحدثت تحولات كبيرة بعد الخلفاء الراشدين في أنماط الحكم واختيار الحكام، ولكن لم تتعرض ثوابت النسق الإسلامي السياسي لتغيير جوهري بل حوفظ عليها، وجرت إعادة إنتاجها.


بعد خروج المنظمات الفلسطينية من الأردن بدأ الإخوان يستوعبون الفلسطينيين الأردنيين حتى أصبحوا التجمع الرئيس والأكبر لهم، وبذلك تحول الإسلام السياسي إلى مظلة العمل والتجمع الفلسطيني، وصارت "حماس" والحركة الإسلامية مصدر تحد للنظام السياسي
واليوم فإن الدولة الأردنية -وربما جميع الدول العربية والإسلامية- بحاجة إلى أن تعيد صياغة موقع الدين في الحياة السياسية والعامة. فهو من وجهة نظر المتنافسين مورد تتنازعه الحكومة والمعارضة، وكانت الدولة قد أحسنت توظيفه لصالحها قرونا طويلة، حتى بدا الأمر وكأن المؤسسات والفكر الديني حليف إستراتيجي للسلطة.

والطبقة التي تحكم لها علاقات وثيقة بكل المؤسسات القوية في المجتمع، مثل القوات المسلحة ووسائل الإعلام والأحزاب والجامعات والتي هي بمثابة مراكز التحكم العصبي في المجتمع المعاصر. والدين أيضا من وجهة نظر السلطة هو إحدى المؤسسات القوية في السيطرة والتأثير، وإذا خسرته فلن تسمح لمنافسيها باستثماره.

وقد يكون كما يرى ميلباند في كتابه "قوة الطبقة وقوة الدولة" من مصلحة الطبقة المهيمنة أن تقف على مسافة معينة من أجهزة السلطة المباشرة، وأن تحترم القواعد الإجرائية المنظمة لعمل هذه الأجهزة. وقد تقبل هذه الطبقة التضحية أو الإذعان لإجراءات توجه ضد بعض مصالحها في الأجل القصير أو في ظروف استثنائية مثل وقت الحرب والأزمات، وقد يعطي هذا انطباعا سطحيا بأن أجهزة الدولة مستقلة عن الطبقة المهيمنة، ولكن هذه الطبقة في النهاية هي التي تحكم عن قرب أو عن بعد في المسيرة العامة للدولة، وفي القرارات الكبرى للسلطة السياسية.

إن العلاقة التنافسية والعدائية بين السلطة والحركات الإسلامية يجب النظر إليها في ضوء قواعد تفسير سلوك الدول، حتى يمكن فهمها وتقديم حل مناسب لإشكاليتها. وبغير ذلك فإن الدول والحركات الإسلامية ستكرر السجال التاريخي العقيم، بين الفئات المتسلحة زورا أو جهلا بالدين والتراث والفكر دون ملاحظة -عمدا أو قصدا- لطبيعة التنافس وحقيقته.

_______________
*كاتب وباحث أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة