هل ستتغير الجامعة العربية؟   
الثلاثاء 11/8/1432 هـ - الموافق 12/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:47 (مكة المكرمة)، 11:47 (غرينتش)
عمر كوش


سابقة غير معهودة
الموقف من الثورات
مسيرة الجامعة

يأتي انتقال الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، من عمرو موسى إلى نبيل العربي، بعد نجاح ثورتي تونس ومصر بإسقاط رأس النظام الاستبدادي في كلا البلدين، وفي وقت امتدت فيه حركات الاحتجاج الشعبي إلى سوريا، فضلا عن اليمن وليبيا والبحرين والأردن، وغيرها من البلدان العربية.

ويطرح هذا أسئلة عديدة على الجامعة العربية، تطول نهجها وأدوارها، ومدى قدرتها على التجاوب مع تطلعات الشعوب العربية، خصوصا أن المتغيرات التي تحملها الثورات والحركات الاحتجاجية العربية تمثل تحولات كبرى في التاريخ العربي المعاصر، وتسطر مرحلة جديدة، بدأت بالتشكل منذ قيام الحركة الثورة التونسية، ومازالت رياحها تجتاح معظم البلدان العربية.

ولا شك في أن المتغيرات والتطورات الجديدة ستطول الجامعة العربية، لكن التساؤل الذي يطرح بقوة، هو: هل ستتغير الجامعة العربية وتواكب التطورات الجديدة، بما يفضي إلى إدخال إصلاحات جذرية على عملها وهيكلتها وأهدافها، أم ستبقى على سابق عهدها أسيرة أجندة الحكام العرب وأهواء الأنظمة العربية؟

سابقة غير معهودة
"
هناك مؤشرات بأن الجامعة العربية لم يعد بإمكانها الاستمرار وفق نهجها السابق، وأن مهام تغيير كبيرة تنتظر أمينها العام الجديد نبيل العربي
"
في سياق الإجابة عن السؤال السابق تحضر بعض المؤشرات التي تشير إلى أن الجامعة العربية لم يعد بإمكانها الاستمرار وفق نهجها السابق، وأن مهام تغيير كبيرة تنتظر أمينها العام الجديد، نبيل العربي، وزير خارجية مصر بعد الثورة، وما يتمتع به من مؤهلات.

فهنالك نظامان جديدان في طور التشكل في كل من مصر وتونس، ورياح التغيير تعصف بمعظم الأنظمة العربية الاستبدادية، وإن بدرجات متفاوتة، رغم محاولات بعضها اليائسة إيقاف عجلة الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية، ولجوئها إلى القمع والخيار الدموي الأمني، لكن قدرتها على الإمعان في قتل الناس وتكميم الأفواه لم تعد مجدية، ولا بد من تغييرها، لأنها أنظمة فات أوانها، ولم تعد قادرة على الاستمرار في المرحلة الجديدة التي دشنتها الثورات العربية.

لعل أول المؤشرات على ضرورة تغير الجامعة العربية هو سرعة تحركها بخصوص الوضع الليبي، بعد اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير/شباط، التي بدأت كحركة احتجاج سلمي، حيث عقدت جامعة الدول العربية اجتماعا عاجلا، أعادت فيه الروح لكيانها ولدورها حيال الشعوب العربية، وظهرت بصورة مختلفة عما كانت عليه قبل ثورتي تونس ومصر.

وظن رجل الشارع العربي أن مهمة الجامعة لم تعد محصورة على بقائها مجمعا أو محفلا لقادة الدول والأنظمة العربية فقط، بل باتت تحسب حساباً لما يجري للشعوب العربية أيضاً، من خلال اتخاذها موقفا حازما وصارما حيال ممارسات النظام الحاكم في ليبيا ضد المدنيين، وقرارها تعليق عضوية ليبيا في الجامعة إلى حين توقف قتل أبناء الشعب الليبي، ثم ساهم طلبها من مجلس الأمن الدولي اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية المدنيين الليبيين في دفع التحركات الدولية، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، وهو ما شكل سابقة في تاريخ جامعة الدول العربية منذ نشأتها وإلى يومنا هذا.

وقد أثار موقف الجامعة حيال الأزمة في ليبيا جدلا كبيرا، خاصة مع تطور الأمور فيها دراماتيكيا ومع تدخل قوات حلف شمال الأطلسي، واتهمت الجامعة بفتح الباب أمام التدخل الأجنبي.

وقد عودتنا الجامعة على النأي بنفسها وعدم اتخاذ موقف حيال الأوضاع الداخلية في أي بلد عضو يصب في مصلحة الشعوب العربية، حيث لم يسبق لها أن اتخذت موقفا واضحا من تصرف أي نظام عربي ضد جماعات المعارضة فيه أو تجاه أي خروقات لحقوق الإنسان، لكن الطابع الدموي الخطير الذي أخذته الأحداث في ليبيا والاستقالات المتتالية لبعض الوزراء وقادة الشرطة الجيش وللدبلوماسيين الليبيين في معظم دول العالم، والمواقف التي عبرت عنها هيئات دولية وإقليمية أخرى خصوصا مجلس الأمن، دفعت هذه العوامل مجتمعة الدول الأعضاء في الجامعة العربية إلى اتخاذ موقف يعد الأول في تاريخ العمل العربي الرسمي المشترك.

"
تكمن أهمية موقف الجامعة ضد نظام القذافي في تعليله بما اقترفه من خروقات خطيرة لحقوق الإنسان وجرائم ضد التظاهرات الشعبية السلمية
"
وكانت أهمية موقف الجامعة ضد نظام القذافي تكمن في تعليله بما اقترفه من خروقات خطيرة لحقوق الإنسان، وفي تنديد مجلس الجامعة بـ"الجرائم" المرتكبة ضد التظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية الجارية في العديد من المدن الليبية، واستنكاره الشديد لأعمال العنف ضد المدنيين "التي لا يمكن قبولها أو تبريرها وبصفة خاصة تجنيد مرتزقة أجانب واستخدام الرصاص الحي والأسلحة الثقيلة وغيرها في مواجهة المتظاهرين والتي تشكل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني والدولي".

حيث تمثل الإشارة إلى حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في حيثيات القرار أمرا جديدا وهاما، بالنظر إلى أنه لم يسبق للجامعة أن نددت صراحة بأي خروقات لحقوق الإنسان في بلد عربي، واكتفت في أحسن الأحوال بتضمين قراراتها عبارات عامة لا تحمل موقفا واضحا أو صريحا، لكن الأمر لم ينسحب على ما جرى -ومازال يجري- في اليمن والبحرين وسوريا.

الموقف من الثورات
بدا للوهلة الأولى أن قرار الجامعة العربية بالوقوف مع الشعب الليبي، جاء كي يدشن بداية مرحلة جديدة في تاريخ هذه المنظمة، تنسجم مع التغيرات والتحولات الكبيرة التي تشهدها العديد من الدول العربية، وبما يفضي إلى تشكل نظام عربي وإقليمي مختلف عن سابقه. لكن موقفها من الثورات والانتفاضات في كل من سوريا واليمن والبحرين بدد كل ذلك، وأعاد الجامعة إلى سابق عهدها.

واللافت هو الصمت الرهيب المشوب بالتآمر حيال الحراك الاحتجاجي في سوريا، حيث لم يجرؤ أي نظام عربي على انتقاد عمليات القتل التي يتعرض لها المحتجون السلميون في التظاهرات والاحتجاجات، والتي بدأت منذ أربعة أشهر وذهب ضحيتها أكثر من 1500 شهيد.

وحين وصف عمرو موسى الوضع في سوريا بأنه خطير للغاية، ودعا الدول العربية إلى اتخاذ موقف جماعي بشأن الأحداث الجارية فيها، أرتفعت أصوات المندوب السوري لدى الجامعة لتندد بما قاله، وشن حملة عليه.

"
كشفت الثورات العربية مدى العجز والخلل الكبيرين، اللذين تعاني منهما الجامعة، بوصفها منظمة مفصلة على قياس الأنظمة الاستبدادية وليست منظمة تلبي تطلعات الشعوب العربية
"
وكشفت الثورات والانتفاضات العربية مدى العجز والخلل الكبيرين، اللذين تعاني منهما الجامعة، بوصفها منظمة مفصلة على قياس الأنظمة الاستبدادية وليست منظمة تلبي تطلعات الشعوب العربية، إذ رغم ارتفاع أصوات تنادي باتخاذ مواقف حيال حماية المدنيين في سوريا واليمن والبحرين، فإنها آثرت الصمت وعدم الاكتراث.

ويرجع موقف الدول العربية الصامت والمريب حيال الثورات والانتفاضات إلى طبيعة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في غالبيتها، وعدم رغبتها باتخاذ مواقف يمكن أن ترتد عليها فيما بعد، وإلى اهتمام كل نظام عربي بلجم وإسكات التحركات الاحتجاجية الداخلية في كل بل إلى جانب الانقسام في المواقف، وتخوف الأنظمة الحاكمة من امتداد التداعيات والإرهاصات السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تطول دولها والمنطقة.

مسيرة الجامعة
في مسيرة الجامعة العربية، التي تمتد على مدى 66 عاما، عرفت أكثر من 32 قمة عربية، بين عادية واستثنائية وطارئة، لكن محصول هذه القمم مجتمعة كان شحيحا جدا، ولم يرق أي منها إلى مستوى تطلعات وآمال الشعوب العربية.

وإن كانت المؤسسات تنشأ عادة في سياق تاريخي معين، حيث تلعب القوى الأساسية وتداخلاتها الدور الأكبر في تحديد طبيعتها وأهدافها ومسارها، فإن نشأة جامعة الدول العربية في العام 1945 حملت أسباب ومقومات عجزها واختلافها.

فهي قامت، من جهة أولى، على احترام وحماية سيادة الدولة القطرية، ومن جهة ثانية وضعت من بين أهم أهدافها تقوية العلاقات العربية والتعاون العربي، حسبما ورد في المادة الثانية من ميثاقها التأسيسي.

لكنها مع ذلك شكلت، على المستوى الحقوقي، مفصلا في عملية الانتقال من البنى الحقوقية القطرية إلى نظيرتها القومية. وقد واجهت الجامعة العربية معضلات ومآزق عديدة، وكانت مسيرتها، من لحظة التأسيس إلى اليوم، ميدانا للخيبات والمساومات والتجارب المحدودة، وتحولت إلى مجرد هيئة بيروقراطية تدور حول نفسها، وتعيد إنتاج حالات التردي والانهيار والهزائم العربية.

وكان الأمل يحدو كثيرا من العرب في أن تجد الالتزامات والتعهدات العربية طريقها إلى حيز التطبيق الواقعي، لكنها ذهبت في مهب الهياكل السياسية والاقتصادية التي ورثها الاستعمار للدولة القطرية، وكثيرا ما كانت توجهات ومصالح الدول القطرية مرهونة بمصالح نخبها الحاكمة التي آثرت التباعد والتناقض على التكامل والتعاون بين مختلف الأقطار العربية.

وعلى امتداد أكثر من ستة عقود من الزمن لم يحدث أي تقدم جوهري أو بنيوي بين الأقطار العربية، بل نمت دعوات الاكتفاء الذاتي اقتصاديا، والاعتماد على العلاقات القوية مع الدول الغربية، بل والتحالف معها عسكريا واقتصاديا، كما نمت سياسات إقليمية ومحاور عدة، وعمل كل ذلك في إضعاف العمل العربي المشترك.

وقد تلقت الجامعة العربية ضربة قوية بعد توقيع مصر على اتفاقات كامب ديفيد، وجمدت عضوية مصر بما تشكله من ثقل عربي، لكنها لم تنته كمنظمة، لأن العجز كان سمة عملها الذي استمرت باستمراره، خصوصا عجزها تجاه القضية الفلسطينية، التي شكلت محور فشلها الأساسي في القيام بأي دور فاعل في مواجهة إسرائيل، في حين استخدمت الجامعة العربية -وبتأثير خارجي- بشكل فاعل في حرب الخليج الأولى، نظرا لإحساس الزعامات العربية بخطر الثورة الإيرانية.

"
استخدمت الجامعة حينما احتل العراق الكويت غطاء شرعيا للمشاركة العربية في حرب التحالف لتحرير الكويت، لكنها لم تفعل شيئا في سنوات الحصار على العراق وعلى ليبيا
"

واستخدمت كذلك حينما احتل العراق الكويت غطاء شرعيا للمشاركة العربية في حرب التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لتحرير الكويت، لكنها لم تستطع فعل أي شيء في سنوات الحصار على العراق وعلى ليبيا، وعرفت الجامعة أشد حالات عجزها وعدم فعاليتها في الغزو الأميركي للعراق واحتلاله.

وفي أيامنا هذه، وبعد انتقال الأمانة العامة إلى نبيل العربي، فإن مستقبل الجامعة العربية ودورها مرهون بما تحمله الثورات والانتفاضات العربية من متغيرات وتطورات، وبمدى قدرة الأمين العام الجديد على إحداث تغيرات في تركيبتها وأهدافها ودورها، ومدى استعداد الأنظمة العربية على تحويل الجامعة إلى بيت للشعوب العربية، بعد أن كانت بيتا للحكام والقادة العرب، ولم تكن في أي يوم "بيت العرب"، حسبما اصطلح على تسميتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة