دفاعا عن العلمانية والإسلام   
الثلاثاء 1428/7/17 هـ - الموافق 31/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)

عادل لطيفي

الخلط المفاهيمي والظرف التاريخي
بين العلمانية واللائكية والإسلام

قد يفاجأ القارئ إثر قراءة هذا العنوان، ويقول كيف يمكن في آن الدفاع عن الشيء وعن ضده، وخاصة عن الدين وعن اللادين. لكن وحده القارئ المتعود على التبسيط وعلى القراءة العاطفية الانفعالية سيجد نفسه أمام خيار سهل وصعب في آن، وهو إما الاحتكام لذكائه الخلاق أو الانسياق وراء الفكر السائد دون إعمال أي مجهود نقدي.

هذا الفكر النقدي هو الضامن بالفعل لإخراجنا من فضاء الضبابية والخلط، في سبيل تكوين معرفة عقلانية حول الإسلام وحول ما يسمى العلمانية.

فالمواجهة بين هذين المعطيين، كما تطرح اليوم سواء في الفضاء الإسلامي أو حتى في الغرب، هي في الحقيقة مفتعلة لأنها مبنية على أفكار عامة وجوفاء حول هذه الثنائية. كما أنها محكومة بطبيعة الظرف السياسي الحالي أكثر من كونها نتاجا لمجهود معرفي تراكمي.

الخلط المفاهيمي والظرف التاريخي
"
موضوع العلمانية والإسلام طرح في سياق المواجهة مع الآخر ولم يطرح قط لا في سياق تطور موضوعي لحركة فكرية داخلية ولا في سياق الاستجابة لحاجة ذاتية, والنتيجة الحتمية لذلك خلط في المفاهيم وعدم ضبط للقيمة الحقيقية لكل من العلمانية والإسلام
"
أرى أننا اليوم في العالم العربي نطرح موضوع العلمانية والإسلام في غير السياق الطبيعي لمثل هذين المفهومين، أي سياق النقاش الفكري العميق المجسد لحركية الثقافة العليا القادرة على الإبداع. وهذا يعود في جانب منه إلى كوننا محكومين إلى حد بعيد بتبعات الظرف السياسي المتوتر مع الغرب.

فبموازاة مع اشتداد مظاهر التأزم السياسي في العالم العربي، الذي أخذ أبعادا مأساوية في حالات العراق وفلسطين وكذلك لبنان، نشهد على المستوى الثقافي نقاشا، ولو محتشما، حول العلمانية وعلاقتها بالإسلام.

طرْحٌ مثل هذا النقاش يعد نقطة إيجابية في سبيل خلق حراك ثقافي في صحراء الفكر العربي الحالي، غير أن الإطار الذي يطرح فيه اليوم مثل هذا الجدال يمثل عائقا أمام الاستفادة الثقافية الفعلية.

فالنقاش الحالي يندرج ضمن صعود نجم الحركات السياسية الإسلامية من ناحية، ثم مع اشتداد الهجمة العسكرية الغربية المباشرة التي تتوجت بالاحتلال الفعلي لبلد عربي هو العراق، من جهة ثانية.

أقصد هنا أن نقاش موضوع العلمانية والإسلام طرح في سياق المواجهة مع الآخر ولم يطرح قط لا في سياق تطور موضوعي لحركة فكرية داخلية ولا في سياق الاستجابة لحاجة ذاتية.

وبالطبع كانت النتيجة الحتمية خلطا في المفاهيم وعدم ضبط للقيمة الحقيقية لكل من العلمانية والإسلام إلى حد ربطهما برموز هي في النهاية أبعد ما تكون عن حقيقة قيمتهما الحضارية والتاريخية.

لقد أصبحت معايير تقييمنا الفكري مرتبطة إذن بطبيعة المواجهة السياسية والعسكرية مع الغرب، ونتيجة ذلك هي تثمين كل ما يمكن أن يمثل مظهرا من مظاهر التمايز عن الآخر.

ففي سياق تعارض الإسلام مع الغرب اعتبرت العلمانية بدورها مواجهة للإسلام، أي رمزا من رموز الآخر. فتم إخراجها مع الإسلام من الفضاء الفكري المعرفي إلى الفضاء السياسي الانفعالي والعاطفي.

إننا نعيش اليوم، في العالم العربي وحتى في الغرب، ما يمكن أن نعبر عنه بدكتاتورية العاطفة، وهو وضع يفسر الإقبال على كل الرموز والكتابات والموضوعات المحركة للوجدان (تصريحات البابا، قضية سلمان رشدي).

إن الخلط متأتٍ من غياب العمق النظري وكذلك التاريخي لدى من يتحدثون باسم الإسلام ولدى بعض من يتحدثون باسم العلمانية. فالبعض ممن يعتبر نفسه علمانيا يحصر العلمانية في معارضة أي مظهر من مظاهر العمل السياسي المستمدة مبادؤه من الإسلام. وهذا الحصر هو الذي أوقعهم في الكثير من الخلط.

فهؤلاء المتعلمنون يخلطون بين الإسلام السياسي في سياق العمل الوطني ضد المحتل وبين الحركات الإسلامية في سياق الصراع السياسي حول البديل المجتمعي الداخلي.

لقد أجحف العديد من كتاب هذا التيار في حق حركة حماس مثلا حين رأوا فيها مجرد تواصل للتطرف الديني، وساندوا حتى الانقلاب على الديمقراطية وعليها الذي تزعمته رموز الفساد الداخلي بمساعدة الإمبريالية العالمية.

في حين أنه لا أحد بإمكانه إنكار مدى نضالية هذه الحركة في سياق وضع الاحتلال الإسرائيلي ولا شرعية وجودها في السلطة في مواجهة الفساد المستشري.

نفس هذا الوضع ينطبق على حزب الله الذي عدّ من طرف بعض المتعلمنين مجرد مظهر من مظاهر التطرف الديني وليس حركة مقاومة ضد الاحتلال وضد الهيمنة السياسية الغربية.

لقد وصل الأمر حد مساندة الأنظمة القمعية في البلاد العربية ضد الحركات السياسية الإسلامية وذلك في تعارض تام مع العمق الفلسفي للعلمانية.

"
المتعلمنون يخلطون بين الإسلام السياسي في سياق العمل الوطني ضد المحتل وبين الحركات الإسلامية في سياق الصراع السياسي حول البديل المجتمعي الداخلي, وعلى الجانب الآخر، ينتج العديد من رموز التيارات الإسلامية خطابا عنيفا ضد العلمانية وضد العلمانيين، دون أبسط معرفة بالعمق التاريخي والفلسفي لهذا المفهوم
"
وإذا لم يتم التمييز بين مختلف هذه الأبعاد فبإمكاننا بسهولة كذلك انتقاد مبدأ الجهاد الذي اعتمدته المقاومة الجزائرية وكذلك الليبية بقيادة عمر المختار ضد الاستعمار.

الواقع أن العديد من الحركات الإسلامية تساهم حاليا في البناء السياسي لبلدانها دون أن يطرح ذلك إشكالا حول تهديدها للنظام القائم، مثال ذلك حركة "حمس" في الجزائر وحزب العدالة في تركيا.

غير أن ما أقوله عن هذه الأحزاب لا ينطبق حسب رأيي على حالة جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر ولا على عدد من الحركات التي تهدد بالفعل مجال الحريات والفكر والمعرفة باسم ضرورة إنشاء دولة إسلامية.

على الجانب الآخر، ينتج العديد من رموز التيارات الإسلامية خطابا عنيفا ضد العلمانية وضد العلمانيين، دون أبسط معرفة بالعمق التاريخي والفلسفي لهذا المفهوم.

لقد درج هذا التيار على اعتبار الأنظمة القائمة حاليا أنظمة علمانية متعارضة مع الإسلام إن لم نقل خارجة عنه. والمثل الذي تعيد تكراره دوما هو مثال كمال أتاتورك في تركيا، ومثال بورقيبة في تونس.

في حين أن الأول لم يفعل سوى أنه أرسى على المستوى السياسي دكتاتورية عسكرية تؤطرها المؤسسة العسكرية باسم الدفاع عن العلمانية التي ادعت القطع مع دولة الخلافة، في حين أنه ورث عن العهد العثماني أهم خاصائصه أي الطابع العسكري للحكم.

فالربط بين الجيش والعلمانية في تركيا غايته التغطية على الطبيعة العسكرية وليس العلمانية للنظام السياسي في تركيا.

أما بورقيبة، وبالرغم من الإصلاحات التي أدخلها، فقد كانت له علاقة انتهازية مع الإسلام الرسمي بمختلف تجلياته وهذا يعلمه المؤرخون المتخصصون. فقد كان من بين المدافعين عن الحجاب في فترة ما بين الحربين العالميتين.

ويذهب هذا الرأي بعيدا إلى القول إن نظام حكم جمال عبد الناصر أو نظام البعث السوري والعراقي هما علمانيان، وهذا رأي سطحي خاطئ.

الخطأ الثاني الذي يقع فيه هذا التيار هو الربط الساذج بين العلمانية وبين الغرب وذلك في سياق تبرؤ أشمل من بعض المبادئ مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

لقد أصبح كل من يتحدث باسم العلمانية متهما بالتغريب وبالعمالة مع الغرب وحتى بالردة في بعض الأحيان. والواقع أن مثل هذا الخطاب يعيد إنتاج نرجسية الغرب في نظرته إلى ذاته باعتباره الأب التاريخي والروحي لهذه المبادئ كما يدعي.

بين العلمانية واللائكية والإسلام
للخروج من مثل هذا الخلط، لا بد من توخي تحليل يراهن على صرامة النقد العقلاني وعلى الإضافات المعرفية للعلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن الضروري في هذا السياق التمييز منذ البداية بين مفهومي اللائكية (laïcité) والعلمانية (sécularisme).

فاللائكية مرتبطة أكثر بحالة من المواجهة بين قوى مختلفة (سياسية، اجتماعية، ثقافية، دينية...) حول السيطرة على مؤسسة الدولة بهدف أن تصبح الحَكَمَ النهائي في تسيير مختلف المؤسسات بما فيها الدينية.

"
العلمانية وباعتبارها حركية داخلية لا يخلو منها مجتمع، تضع الفضاء الديني في نوع من التقابل مع الفضاء المجتمعي، أي باتجاه خروج تدريجي من إطلاقية وشمولية الديني إلى براغماتية ونِسْبِية الممارسة الاجتماعية
"
إن الرهان الأساسي في هذه الحالة هو تحقيق استقلالية السياسي. مقابل ذلك تعد العلمانية نسقا تراكميا من التحولات يفقد معه الدين جاذبيته الاجتماعية.

وتتم هذه الحركية داخل المجتمع وحتى داخل الدين ذاته دون أي مواجهة، بحيث يتنازل الفضاء الديني عفويا عن بعض اختصاصاته لصالح فضاءات أخرى من أجل ضمان تسيير أكثر عقلانية.

ومن هذا المنطلق فاللائكية تضع وجها لوجه الديني مع السياسي في شكل صراع بين المؤسسات، وهذا ما يفسر عنف التحول من حالة لأخرى.

وتعد فرنسا دولة لائكية بامتياز نظرا لتطورها التاريخي، في حين أن الولايات المتحدة مثلا لا تعد دولة لائكية. مقابل ذلك فإن العلمانية وباعتبارها حركية داخلية لا يخلو منها مجتمع، تضع الفضاء الديني في نوع من التقابل مع الفضاء المجتمعي، أي باتجاه خروج تدريجي من إطلاقية وشمولية الديني إلى براغماتية ونِسْبِية الممارسة الاجتماعية.

ولنا كمثل على ذلك في الفضاء الإسلامي تطور التعليم من طور المؤسسة الصغيرة ذات الصبغة الدينية إلى مؤسسات أكبر وأشمل تشرف عليها الدولة دون أن يصاحب ذلك توتر ما.

كما يمكننا أن نذكر على سبيل المثال تراجع الزواج العرفي أمام الزواج المدني الكتابي. فقد حصل هذا التطور في سياق براغماتية عفوية داخل المجتمع لأن الأطر التقليدية، والممارسة الشفهية بالذات، أضحت عاجزة عن أداء مهمتها في ظل دولة حديثة متعددة الحاجات وتطمح إلى مراقبة الأفراد والفضاء.

على هذا الأساس يمكن القول إن بلجيكا مثلا هي بلد علماني (بالنظر إلى المجتمع) لكنها غير لائكية لأنها لا تفصل صراحة فضاء السياسي عن الديني على مستوى المؤسسات. على عكس ذلك فإن تركيا هي بلد لائكي لكنه غير علماني.

إن الاكتفاء بتعريف اللائكية والعلمانية لا يحل المشكلة برمتها إذا لم نتفق على ما نريده من كلمة الإسلام. هل الإسلام هو فقط جملة من الإجراءات التطبيقية كما يركز على ذلك المغالون من الإسلاميين؟ هل الإسلام واحد أم متعدد؟ إذا استعملنا العقل التاريخي المجرد فليس بوسعنا سوى القول إن الأديان عموما هي تجارب تاريخية تتميز بحركيتها الكبيرة وبقدرتها على التجديد وعلى التجدد.

وهذا ليس موقف العلوم الغربية فحسب فقد سبقها ابن خلدون من قبل من خلال تركيزه على دور العصبية والمواجهة بين البدو والحضر. وموقف ابن خلدون هذا يعد بحق مثالا على علمنة المعرفة التاريخية الإسلامية أي عقلنتها.

لهذا السبب فأنا أتحدث هنا عن هذا الإسلام التاريخي المتعدد والذي من أهم تجسيداتها أدب الخلافيات الذي ركز على تعدد التفسيرات والتأويلات. كما أنه لا أحد ينكر تعدد التعبيرات الإسلامية في عالمنا الحالي بالرغم من المرجعيات النصية المشتركة.

فاللائكية إذن مرتبطة أحيانا بظرف تاريخي سياسي كما أن الصراع يدور حول المؤسسات، أما العلمانية فهي حركة داخلية تشهدها كل المجتمعات من أجل توفير ظروف عقلانية لتسيير شؤون المجتمع.

لذلك أقول إن الادعاء بتعارض الإسلام مع العلمانية هو في عمقه إخراج للمجتمع المسلم من دائرة التاريخ كما أنه قول لا يصمد أمام واقع المجتمعات الإسلامية، إضافة إلى أن التاريخ الإسلامي يفنده.

فهل بإمكان المسلم أن يكون علمانيا؟ أنا لا أتردد في الإجابة بنعم بالنظر إلى ما سبق تفسيره وحتى بالعودة إلى بعض الأمثلة.

أقول في البداية إنه إذا توقف الأمر، في حالة اللائكية، على المؤسسات فمن المهم القول إن الإسلام لائكي بطبيعته لأنه لا يعترف نصا بوجود مؤسسة دينية ترعى شؤون الإيمان خلافا لما عليه الحال في المسيحية مثلا.

"
علينا أن نعي أن خلط الدين بالسياسة يؤدي إما إلى تقديس السياسي وبالتالي إنتاج نظام شمولي مطلق، أو إلى تسييس المقدس وابتذاله، كما دلت على ذلك الفتوى الغريبة حول رضاع الزميلة لزميلها في الشغل
"
أسوق كذلك مثالا من التاريخ الإسلامي وبالتحديد من تجربة الهجرة إلى المدينة، حيث نشأ مفهوم الأمة. فنحن نقرأ لدى ابن إسحاق في نص الصحيفة التي أسست حلف المدينة المواجه لقريش:"...وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين...". إننا هنا أمام مفهوم علماني للأمة يعطي الأولوية للتسيير العقلاني لهذا الحلف السياسي. إنه مفهوم أشبه بمفهوم المواطنة الحديث لأنه لا يعتمد عنصر الدين للانتماء للأمة.

بموازاة مع هذه الأمثلة، نقول إن الديمقراطية، وكذلك حقوق الإنسان والحرية هي أطر لتوفير ظروف التسيير العقلاني المحايد لشؤون المجتمع في أي سياق كان، إنها أيضا تجسيد للمفهوم العام للعلمانية.

والقول إنها غربية ليس إلا إعادة إنتاج لمركزية الذات الأوروبية التي تنزع عن الثقافات الأخرى دورها في إبداع الحضارة الإنسانية.

إن السؤال الأساسي المطروح، والذي يتجاوز حدود الثقافات هو هل يمكننا أن نضفي صبغة من القداسة على تسيير شؤون المجتمع؟ فالقداسة في عمقها مطلقة وأبدية أما المجتمع والسياسة فهما ظرفيان ومتغيران ويحتاجان إلى فضاء محايد ومتغير لتسييرهما ومواكبتهما، وهذا ما توفره العلمانية التي تولد من رحم التغير الاجتماعي.

علينا أن نعي أن خلط الدين بالسياسة يؤدي إما إلى تقديس السياسي وبالتالي إنتاج نظام شمولي مطلق، أو إلى تسييس المقدس وابتذاله، كما دلت على ذلك الفتوى الغريبة حول رضاع الزميلة لزميلها في الشغل.

إن المطلوب ليس فصل الدين عن الدولة بل تخليص الدين من نسبية السياسي وتحولاته.
ـــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة