كيف يُقرأ وضع المقاومتين اللبنانية والفلسطينية؟   
الثلاثاء 1431/4/29 هـ - الموافق 13/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)
منير شفيق


انطلقت حملة إعلامية وسياسية ضد المقاومة بعد وقف إطلاق النار في حرب يوليو/تموز 2006 في لبنان، وفقاً لقرار مجلس الأمن الرقم 1701، والذي يقضي أيضاً بوضع قوات دولية على الحدود اللبنانية الفلسطينية. وقد شملت منطقة واسعة من جنوبي لبنان. كما حظرت أي وجود عسكري مسلح لحزب الله في تلك المناطق. وشملت أيضاً عودة للجيش اللبناني إلى تلك المناطق جنباً إلى جنب مع القوات الدولية (اليونيفيل).

وحدث الأمر نفسه من حيث انطلاق حملة سياسية وإعلامية واسعة ضد المقاومة في قطاع غزة، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، بلا قرار دولي، وبلا اتفاق حوله. لأن نهاية تلك الحرب التي شنت في ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009 جاءت عبر وقف إطلاق النار من جانب واحد هو الجانب الصهيوني المعتدي، وبلا قيد أو شرط، ثم تلاه انسحاب من النقاط التي احتلت، وبلا قيد أو شرط كذلك.

"
الحملتان الإعلاميتان اللتان أُدمجتا ضد المقاومتين على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، تتمحوران حول اتهامهما بأنهما لم تعودا مقاومة، كما كان الحال سابقاً قبل الوضع الناجم عن الحربين 2006 و2008/2009
"
وفي المقابل أوقفت المقاومة إطلاق النار من جانب حماس. ولكن من دون أي قرار دولي أو التزام من جانبها بأية شروط لوقف إطلاق النار، أو استمراره، أو العودة إليه. وبهذا قامت حالة هدنة واقعية (أو هدنة أمر واقع) على الجبهة بين قطاع غزة والعدو الصهيوني بما يشبه الحالة اللبنانية.

الحملتان الإعلاميتان اللتان أُدمجتا ضد المقاومتين على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، راحتا تتمحوران حول اتهامهما بأنهما لم تعودا مقاومة، كما كان الحال سابقاً قبل الوضع الناجم عن الحربين 2006 و2008/2009.

ووصل التمادي مدى بعيداً من قِبَل القوى السياسية والإعلامية المعادية للمقاومة أصلاً، والتي فَرَى الغيظ أكبادها بسبب الإنجازات والنتائج التي حققتهما كل من المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في الحربين المذكورتين. وقد أقرّ العدو الصهيوني علناً بفشله في حرب تموز 2006 (تقرير فينوغراد). ولكنه لم يعلن مثل ذلك في حرب 2008-2009 على قطاع غزة بالرغم من فشله فيها بالقدر نفسه.

موضوع فشل الجيش الصهيوني في قطاع غزة أُحيط بإلقاء بعض اللُبس عليه. لأن القيادة حرصت على عدم إعلان أهداف الحرب درساً تعلمته من حرب 2006. وذلك لئلا يحدث للجيش في حالة الفشل ما حدث معه في حرب 2006. وهو لُبس لا قيمة له أمام وقائع تلك الحرب التي اضطُرّ فيها إلى الخروج منها مدحوراً بوقف إطلاق النار، والانسحاب بلا قيد أو شرط. وقد حمَل على ظهره تهمة جرائم حرب وإبادة.

وبالمناسبة صرّح نتنياهو بعد سنة تقريباً أنه بُلِّغ، في حينه، بأن هدف الجيش من الحرب على قطاع غزة هو القضاء على حماس والمقاومة. ولعل أهمية هذا التصريح تكمن في إزالة اللُبس الذي تؤّكدَّ بسبب عدم الإعلان عن هدف الحرب، فأحرج حجة المشككين والمُرْجفين. وذلك بالرغم من أن وقائع الحرب والمعرفة العميقة بطبيعة الكيان الصهيوني وتجربته التاريخية ليست بحاجة إلى تصريح نتنياهو للتأكد من أن هدف الحرب كان القضاء على المقاومة واحتلال قطاع غزة وإذلاله، ولو لوقت قصير جداً.

بل لو أمكنه أسر ثلة من المقاومين لفعل بهم ما فعله بقوات الأمن الفلسطينية في أريحا عندما اقتحمها لاعتقال أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات ومعه فؤاد الشوبكي المسؤول المالي في حركة فتح. وذلك بتصوير رجال الأمن مرفوعي الأيدي وقد خلعت ملابسهم عدا السراويل الداخلية، إذلالاً وإمعاناً في الإهانة والمهانة.

ومع مضي السنوات أخذت الحملة الإعلامية تكبر ككرة الثلج وصولاً إلى اتهام حماس وحزب الله "بحماية حدود إسرائيل" في جنوبي لبنان وقطاع غزة، استناداً إلى توقف إطلاق النار على الجبهة. وقد ذهب البعض إلى اعتبار المقاومة في قطاع غزة "أكذوبة" أو "كذبة كبيرة"، واعتبارها في جنوب لبنان قد انتهت. وأصبح من اللازم أن يتخلى حزب الله عن سلاحه. لأن المقاومة لم تعد قائمة على الجبهة.

والسؤال هل لهذه التهم من أساس ودعك من أغراض أعداء المقاومة المروّجين لها، والردّ عليهم على طريقة الصاعيْن مقابل الصاع، في فضح مراميهم وسياساتهم وما يسعون إلى أهداف.

صحيح أن ثمة هدنة قائمة على الجبهتين في جنوبي لبنان وقطاع غزة. وصحيح أن المقاومتين تمارسان وقف إطلاق النار وعدم القيام بعمليات في ما وراء خطوط الهدنة. وهو ما يسمح من حيث الظاهر، أو النظرة السطحية، بالقول إن ثمة حرصاً على عدم القيام بعمل مقاوم وصولاً إلى الاتهام بـ"حماية الحدود". ولكن هنالك عدّة أوجه أخرى للصورة هي الأهم، وهي ذات المغزى، وهي ما يجب أن يقوّم الوضع على أساسه.

"
المقاومتان في لبنان وقطاع غزة قامتا بتعزيز وضعيهما الدفاعي وربما الهجومي التكتيكي لمواجهة أية حرب عدوانية صهيونية قادمة ستكون بالتأكيد أشدّ شراسة وتعقيداً من الحربيْن السابقتيْن
"
مضت المقاومتان في لبنان وقطاع غزة بتعزيز وضعهما الدفاعي وربما الهجومي التكتيكي لمواجهة أية حرب عدوانية صهيونية قادمة ستكون بالتأكيد أشدّ شراسة وتعقيداً من الحربيْن السابقتيْن. وهذا التعزيز الدفاعي عبر التوسّع في الأنفاق والتمويه وتوزيع القوات وإعدادها للاشتباك والالتحام من خلال الإفادة من دروس الحربيْن، كل وفقاً لظروفه وميدان الحرب المتوقعّة.

والمقاومتان ماضيتان في تعزيز أسلحتهما إلى حد مضاعفتها أضعافاً كماً ونوعاً. طبعاً مستوى كل منهما وفقاً لإمكاناته وظروفه. ولكن ما يجري بصورة عامة يدخل ضمن معادلة سباق في التسلح وفرض ميزان قوى عسكري جديد.

هذان الجانبان يشكلان من الناحية العسكرية عموماً، وفي تجارب الثورات المسلحة والمقاومات ضد الاحتلال مرحلة أرقى من المراحل السابقة التي تتسّم بالاشتباكات الحامية المحدودة هنا وهناك. لأن المقاومة في تلك المراحل التي لا تتسّم بهدنة تكون في مستوى أدنى من حيث إمكاناتها وقدراتها وإنجازاتها، كما تكون معرّضة للهجمات العامّة التي تستهدف اجتثاثها.

فعندما تُعقد الهدنة يكون الطرف الأقوى (العدو)، قد خسر معركة الاجتثاث والاستئصال، وأصبح بحاجة إلى نوع من الهدنة، باتفاق أو بلا اتفاق، أو كأمر واقع، لكي يهيئ للعودة إلى الهجوم العام والاجتثاث، كما كان الحال في تجربة المقاومتيْن في المرحلة السابقة للحربيْن. وكما يحدث الآن من حيث حاجته إلى هدنة ليعود، إن استطاع، إلى الهجوم العام مرّة أخرى.

وفي المقابل دخلت المقاومتان في الهدنة الأولى مرحلة تعزيز الدفاعات التي تتجاوز حرب الغوار (اضرب واهرب)، والتصعيد في القدرات القتالية والتسلحيّة. وهو ما يتكرر الآن بعد وقف إطلاق النار في الحربيْن الأخيرتيْن. ولكن على مستوى أعلى من المرحلة السابقة، كما كشف عن ذلك السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، صراحة، وكما تؤكد التقارير الصحفية الصهيونية في ما يتعلق بالوضع في قطاع غزة.

لذلك عندما تكون المعادلة هدنة مع سباق التسلح والإعداد العسكري يعني أن المواجهة انتقلت إلى مستوى أعلى حتى لو غابت الاشتباكات المقاومة المحدودة. ومن ثم لا يمكن اتهام المقاومة بالحفاظ "على الحدود" أو حماية "حدود دولة العدو". إن حرب المواقع أرقى من "حرب اضرب واهرب واستخفِ وحافظ على ذاتك من السحق".

إن سباق التسلح والإعداد للحرب هما الحرب بكل معنى الكلمة حتى لو سادت هدنة لا بدّ من أن تكون مؤقتة. لأن العدو لا يستطيع أن يبتلع مثل هذه المعادلة لا سيما إذا كان التسلح والإعداد للحرب ماضِييْن بقوّة وعلى قدم وساق. فإذا لم يكن ذلك هو الحرب فما هي الحرب حين لا تكون حرباً حامية. ولهذا سمّيت المعادلة الشبيهة، مع الفارق، في مرحلة المعسكريْن (وارشو والناتو) بالحرب الباردة. فكانت كل إضافة في تطوير السلاح أو تعزيز المواقع بمثابة معركة عسكرية تغيّر ميزان القوى.

ثمة تجارب ثورات ومقاومات كثيرة دخلت في هذه المرحلة أو المراحل من الهدنة مع استعداد كل طرف لحرب جديدة قد تكون الحاسمة. وهذه المرحلة تشبه، مع الفارق وبعيداً من التفاصيل الخاصة لكل حالة، ما حدث من هدنة في "صلح الحديبية"، أو صلح برست ليتوفسك" (في ثورة أكتوبر الروسية). وهي ما يسميّها ماو تسي تونغ في تنظيره للمراحل التي تمرّ بها الثورة المسلحة أو المقاومة، أو الحرب، مرحلة الدخول في "شبه التوازن الإستراتيجي"، فيما تكون المرحلة السابقة مرحلة الدفاع الإستراتيجي والهجمات التكتيكية من جانب الثورة أو المقاومة، وتكون من جانب العدو مرحلة الهجوم الإستراتيجي (الهجوم العام لاجتثاث الثورة أو المقاومة).

وعندما ينكسر هذا الهجوم العام ويصبح الجيش بحاجة إلى الاستعداد من جديد لشنّ الهجوم العام تقع الهدنة أو حالة تجنّب الاشتباك، فيما يكون الطرف الأضعف قد أخذ يجمع قواه للخروج من حالة الدفاع الإستراتيجي ومرحلة "اضرب واهرب": فالطرفان يتهيآن في هذه المرحلة للهجوم العام من خلال الحشد العسكري أو السياسي أو كلاهما.

"
المقاومة في لبنان وفلسطين دخلتا في مرحلة أعلى من المقاومة أو الحرب، وعلى العدو إما أن يبتلع المعادلة ويقدّم التنازلات السياسية وحتى العسكرية، وإما أن يدخل تجربة هجوم عام أخرى، بلا يقين من النتيجة
"
ومن هنا يتسّم الوضع الراهن، مع الفارق، وبعيداً من التفاصيل، ووفقاً لخصوصية كل حالة، بالنسبة إلى المقاومتيْن، باعتبارهما مقاومتيْن بكل معنى الكلمة، وقد دخلتا في مرحلة أعلى من المقاومة أو الحرب، وعلى العدو إما أن يبتلع المعادلة ويقدّم التنازلات السياسية وحتى العسكرية المطلوبة، أو بعضاً منها، وإما أن يدخل تجربة هجوم عام أخرى، بلا يقين من النتيجة، وربما تأتي كارثية عليه في حالة الفشل مرّة أخرى.

أما المعطيات فتؤكد أنه غير قادر على الحسم والعودة إلى المرحلة السابقة، ولا سيما بعد تأكده أن القوّة التي أمامه، في حالتيْ المقاومتيْن في لبنان وقطاع غزة ستواجهه بالالتحام والاشتباك القريب الضاري إذا ما تجرّأ على الاقتحام والاحتلال ودفع الثمن البشري الذي لم يعد بطاقته دفعه. وهذه السمة الأخيرة تفسّر لماذا لم يستطع في حرب قطاع غزة أن يأسر مقاوماً واحداً، أو أن يحتل بضع مئات من الأمتار في حرب تموز 2006.

لهذا على الذين يقولون إن المقاومة في قطاع غزة "كذبة" أو أن المقاومة في جنوب لبنان قد تراجعت إلى "حد الحفاظ على خطوط وقف إطلاق النار" أن يبتلعوا ريقهم جيداً. وأن يسألوا الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف عسكرياً وسياسياً: إذا كان عدوك يستعدّ للحرب ويطوّر قدراته التسلحية والميدانية، فهل يُعتبر ذلك عملاً عسكرياً وحرباً أم هو علامة تراجع وتخاذل؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة