ماذا حدث للأفارقة؟   
الأربعاء 9/4/1431 هـ - الموافق 24/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن


البدايات الخاطئة
إخفاق مشروع الدولة الوطنية
العولمة ودور العوامل الخارجية
البدائل وآفاق المستقبل

منذ نحو خمسين عاما خلت كانت الأجواء في أفريقيا مفعمة بالآمال بعد التحرر من نير الاستعمار الغربي. وكان على النخبة الأفريقية الوطنية أن تعمل جاهدة من أجل تدعيم ركائز قوتها السياسية. بيد أن التحدي الأكبر الذي واجه الدولة ما بعد الاستعمارية في أفريقيا قد تمثل في إشكالية تحويل بنيتها الهيكلية، التي قامت على أساس التخصص في إنتاج المواد الأولية، وتطوير اقتصادها الوطني، من خلال تنويع قطاعاته المختلفة لتحاكي تلك الموجودة في الدول المتقدمة.

وإذا كانت الدول الآسيوية قد واجهت نفس التحديات إلا أن النتيجة في كلا الحالتين لم تكن واحدة. فالتجارب الآسيوية في التنمية تظهر نجاح دول شرق وجنوب شرق آسيا في تحقيق قفزات اقتصادية هائلة بحيث أصبح العالم اليوم يتحدث عن قصص نجاح آسيوية كبرى. أما حالة أفريقيا فإنها أكثر تعقيدا. إذ يبدو أن دولها تحركت وهي في وضع الوقوف على أحسن الأحوال، أو أنها تحركت إلى الوراء في الأغلب الأعم.

ولعل مقارنة حالة غانا وكوريا الجنوبية، حيث كانا على نفس الدرجة من النمو الاقتصادي في أعوام الستينيات من القرن الماضي، تظهر حقيقة الفجوة التي حدثت لاحقا بين التجربتين الآسيوية والأفريقية. ففي عام 1965 كان معدل كل من الدخل الفردي والصادرات لكل شخص في غانا أعلى مما هو عليه في كوريا. بيد أن الصورة سرعان ما تغيرت تماما وانقلبت الأمور رأسا على عقب حيث تجاوزت معدلات النمو الكورية نظيرتها في غانا مئات المرات. ولعل ذلك الوضع يطرح سؤالا منطقيا مفاده لماذا تقدمت آسيا وتأخرت أفريقيا؟

البدايات الخاطئة
"
لا يزال كثيرُ من الدول الأفريقية بعيدا كل البعد عن بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية رغم وجود إصلاحات سياسية واجتماعية تنال من أسس التسلط والاستبداد
"
في عام 1988 أصدر المفكر الفرنسي المعروف رينيه ديمون
كتاباً بعنوان "البداية الخاطئة في أفريقيا" وصف فيه حالة فشل الأنظمة الوطنية في الدول الأفريقية في تحقيق التنمية والنهضة المنشودة، وهي الغاية التي مثلت أجندة مرحلة ما بعد الاستقلال.

لقد كانت التنمية مخيبة لآمال وطموحات الشعوب الأفريقية حتى أنه نظر إلى أعوام الثمانينيات من القرن المنصرم باعتبارها عقداً ضائعاً للتنمية الأفريقية. ولعل تلك البداية الخاطئة تتكرر عند متابعة وتقويم خبرة أكثر من عقدين من التحول الديمقراطي في أفريقيا. إذ لا يزال كثيرُ من الدول الأفريقية بعيدا كل البعد عن بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية رغم وجود إصلاحات سياسية واجتماعية تنال من أسس التسلط والاستبداد.

فثمة انتخابات تعددية وتنافس حزبي ومؤسسات ذات طابع ديمقراطي ودرجات غير مسبوقة من الانفتاح السياسي. ورغم ذلك فإن بعض الدراسيين ممن نحوا منحى كارل شميتر يصف تلك التحولات الليبرالية بأنها زائفة وغير حقيقية.

ولا تزال أفريقيا تعاني من صراعات اجتماعية ممتدة كتلك التي تشهدها السودان والكونغو الديمقراطية أو حالة الاحتقان الشديدة بين إثيوبيا وإرتيريا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد إذ ظهرت صراعات أخرى جديدة اختلفت من حيث حدتها وكثافتها كما حدث في ساحل العاج عام 2002 عندما شهدت البلاد نزاعا مسلحا أفضى إلى انقسامها من الناحية الواقعية إلى قسمين. وقد ازدادت الأمور سوءا بعد ظاهرة عسكرة السياسة مرة أخرى لتصبح أحد أبرز ملامح التطور السياسي في القارة السمراء.

وفي تفسيره لأزمة أفريقيا المستعصية يطرح المفكر الجنوب أفريقي موليتسى مبيكي عاملين أساسيين يساعدان على الفهم والتفسير. أولهما يتمثل في سوء إدارة النخب الوطنية الأفريقية الحاكمة للفائض الاقتصادي في مجتمعاتها على مدى العقود الخمسة الماضية. والثاني يتمثل في عمليات السلب والنهب التي تقوم بها القوى الدولية لموارد أفريقيا وثرواتها الطبيعية.

فقد قامت النخب الحاكمة في الدول الأفريقية بعد الاستقلال وبمساعدة من الدول الغربية، باستغلال قوتها السياسية الطاغية من أجل تحسين أوضاعها المعيشية والوصول بها إلى حالة تضاهي وضع الشرائح الاجتماعية العليا في الغرب.

إخفاق مشروع الدولة الوطنية
لقد لجأت الدولة الأفريقية ما بعد الاستعمارية إلى فرض الأيديولوجية التنموية التي تقوم على ترابط العمليتين السياسية والاقتصادية. كما أنها احتفظت بكثير من ملامح الفترة الاستعمارية، ولا سيما سياسات القمع والإكراه المادي. وكان واضحاً أن "التنموية" هي مجرد تبرير للتسلطية والطغيان السياسي.

وعليه فإن أغلبية الشعب ممن تمت تعبئتهم ضد الاستعمار أصبحوا بمعزل عن المشاركة السياسية الحقيقية، كما أن مؤسسات المجتمع المدني المتمثلة في الأحزاب والنقابات والتنظيمات الشعبية قد حرمت من فرص التعبير عن نفسها، أو على الأقل تم إدماجها في مؤسسات وهياكل الدولة ذاتها، أما قيادات المعارضة فقد تم التخلص منها.

ونظراً لزيادة اندماج أفريقيا في الاقتصاد العالمي، وعجز الدولة التنموية عن توفير الاحتياجات الأساسية للشعوب الأفريقية، بسبب انهيار أسواق المواد الخام في منتصف السبعينيات فإن الدولة الأفريقية عانت من أزمات خانقة، بسبب تنامي الهويات العرقية، والإقليمية، والدينية التي نازعت الدولة من أجل البقاء.

لقد أضحى وجود الدولة الأفريقية بحد ذاته محل شك ونزاع، ولنذكر -على سبيل المثال- الكونغو، والسودان، والصومال، وسيراليون. وثمة مطالب شعبية متزايدة بضرورة إيجاد أسس جديدة للحكم في أفريقيا تعلي من تمكين الشعب، ومحاسبة القادة الفاسدين.

"
أضحى وجود الدولة الأفريقية بحد ذاته محل شك ونزاع، وثمة مطالب شعبية متزايدة بضرورة إيجاد أسس جديدة للحكم في أفريقيا تعلي من تمكين الشعب، ومحاسبة القادة الفاسدين
"
ويمكن بالاستناد إلى خبرة الممارسة السياسية للدولة الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار أن نشير إلى عدد من المؤشرات التي أسهمت في تآكل شرعية تلك الدولة، وشيوع ظاهرة الصراعات وعدم الاستقرار السياسي في المجتمعات الأفريقية، وذلك على النحو التالي:

- الاتجاه نحو تأسيس نمط من الحكم الشخصي الذي يعطي أهمية كبرى لدور شخص الحاكم في النظام السياسي.

- ضعف المؤسسات التشريعية والقضائية وعدم قيامها بالوظائف المنوطة بها دستورياً، بحيث أنها أصبحت أداة طبيعية يستخدمها النظام الحاكم للحصول على الدعم والتأييد السياسي.

- اللجوء إلى استخدام سياسات القمع والعنف لتحقيق أهداف النظام السياسي بدلاً من الاعتماد على سياسات الإقناع والرضا الشعبي.

- الربط بين المنصب السياسي العام وتحقيق الثروة والمكانة في المجتمع، وهي الظاهرة التي أطلق عليها (جان فرنسوا بيار) سياسة ملء البطون، بحيث أضحت النخبة الحاكمة تمثل فئة اجتماعية متمايزة في سياق الانقسامات المجتمعية.

- غياب التقاليد والأسس الواضحة التي تحكم عملية الخلافة السياسية، وهو الأمر الذي أدى إلى تبني الوسائل غير السلمية مثل: الانقلاب، والاغتيال، والحرب الأهلية في عملية نقل السلطة.

- تبني صيغ المنهج الفوقي في التغيير السياسي، وعادة ما كان ذلك يتم من خلال عمل انقلابي، أو الوصول إلى السلطة عن طريق حركة تحرير مسلحة، أو فرض قناعات أيديولوجية من جانب شخص الحاكم.

العولمة ودور العوامل الخارجية
يرى بعض الدارسين أن تخلف أفريقيا ما هو إلا نتاج للآثار المدمرة التي تمارسها قوى العولمة على التنظيمات السياسية والاقتصادية الأفريقية. لقد أدت العولمة إلى تراجع سلطة الدولة المركزية في أفريقيا، ولا سيما السيطرة على أدوات القهر المادي في المجتمع. في ذات الوقت تمثلت ملامح الاستجابة السياسية لتأثيرات العولمة في ظهور حركات وتنظيمات إثنية ودينية تتحدى سلطة الدولة الأفريقية، سواء على المستوى القومي أو المحلي.

أضف إلى ذلك فإن السياسات الاقتصادية الليبرالية التي اتبعت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أدت إلى زيادة معدلات البطالة وسوء توزيع الموارد والدخول، وهو ما خلق البيئة المناسبة لتزايد الجريمة، وانتشار الفساد والسوق السوداء، وتهريب الأسلحة والمخدرات. وليس بخاف أن هذا السياق هو الذي يفسر ظهور الأشكال والأنماط الجديدة من الحروب الأهلية، والعنف السياسي الذي تشهده النظم السياسية الأفريقية.

"
ما يحدث في أفريقيا اليوم هو "تكالب استعماري جديد" من أجل الحصول على الثروات والموارد الطبيعية الأفريقية, وهو ما يعني أن القوى الدولية الجديدة في القارة أصبحت بمثابة قوى استعمارية حقيقية وإن جاءت في ثياب أخرى
"
لقد ظن البعض أن انهيار جدار برلين قد يمثل لحظة تاريخية مهمة يمكن للأفارقة من خلالها أن يحافظوا على استقلالهم ويجعلوا قارتهم بعيدة عن أعين الطامعين والمستغلين. بيد أن القارة أضحت مرة أخرى ساحة للتنافس الدولي بين القوى التقليدية الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال وقوى أخرى جديدة فاعلة مثل الولايات المتحدة والصين والهند وحتى البرازيل.

ولا شك أن هذه القوى التي دفعت شعارات التدخل الإنساني والشراكة الاقتصادية تتحرك بالأساس من منظور مصلحتها القومية الذاتية. ولعل أكبر مثال على ذلك مأساة رواندا عام 1994 حينما وقف العالم كله ساكناً وأغمض عينيه وكأن شيئاً لم يحدث.

اليوم لا تزال أفريقيا تعاني وطأة التدخل الأجنبي. فما الذي تغير إذن؟ إنها القوى الكبرى التي تحتل القائمة بالنسبة لمصالحها في القارة. فقد تم تحدي نفوذ وتأثير القوى الاستعمارية السابقة من قبل فاعلين جدد على التراب الأفريقي أمثال الصين والولايات المتحدة والهند. لقد دافع البعض عن هذا النفوذ المتنامي للقوى الدولية في أفريقيا بحسبانها أحد مظاهر العولمة الجديدة، وهو ما يعني عولمة القارة الأفريقية حيث أنها لا تستطيع الفكاك منها.

ومع ذلك فإن ثمة جدلاً واسعاً بين الكتاب الأفارقة ومن شايعهم في الغرب بأن ما يحدث الآن هو "تكالب استعماري جديد" من أجل الحصول على الثروات والموارد الطبيعية الأفريقية. وإذا قبلنا بهذه الرؤية تصبح القوى الدولية الجديدة في القارة بمثابة قوى استعمارية حقيقية وإن جاءت في ثياب أخرى تظهر عكس ما تبطن.

البدائل وآفاق المستقبل
لا مراء في أن الدولة الأفريقية لا تزال بعد مرور نحو خمسين عاما على استقلالها تعاني أعراض الضعف والهزال وتمثل بيت الداء وهو ما جعلها غير قادرة على حسم وتسوية المشكلات والأزمات التي تشهدها مجتمعاتها. وإذا كانت مراحل الاستعمار والحرب الباردة قد أعاقت تطور الدولة والمجتمع الأفريقي في عهد الاستقلال فإن على الأفارقة اليوم قبول تحدي عصر العولمة وأن يأخذوا على كواهلهم مهمة إقرار منظومة السلم الأفريقي Pax Africana وتحويلها إلى واقع ملموس.

وثمة آراء متناقضة حول قدرة أفريقيا على مواجهة تحديات عصر العولمة إذ يرى البعض أنه على الرغم من فقر وتخلف القارة فإن بمقدورها أن تواجه التحدي إذا استطاعت أن تستغل بعض التسهيلات التكنولوجية العالمية في تحقيق قفزات تنموية كبيرة.

فأفريقيا لديها موارد طبيعية هائلة بما في ذلك الغابات المطيرة التي تمثل مصدرا مهما في ميدان التكنولوجيا الحيوية. وهو الأمر الذي يمكن أن يشكل حافزا مهما للعالم المتقدم كي يقدم يد العون والمساعدة لتحقيق التنمية الأفريقية. ويمكن في هذا السياق تصور ثلاثة سيناريوهات أساسية للمستقبل الأفريقي:

"
ثمة آراء متناقضة حول قدرة أفريقيا على مواجهة تحديات عصر العولمة إذ يرى البعض أنه على الرغم من فقر وتخلف القارة فإن بمقدورها أن تواجه التحدي إذا استطاعت أن تستغل بعض التسهيلات التكنولوجية العالمية في تحقيق قفزات تنموية كبيرة
"
يتمثل أولها في حدوث نهضة اقتصادية كبيرة تقودها جنوب أفريقيا حيث تسعى الدول الأفريقية إلى تقليد النموذج الجنوب أفريقي. وطبقا لهذا السيناريو يصبح السوق الاقتصادي للجنوب الأفريقي حقيقة واقعة، وهو ما يسهم في إحداث ازدهار اقتصادي للمنطقة ككل. وبحلول عام 2050 تحقق الدول الأفريقية قفزات كبيرة في مجال التنمية مع تحول جنوب أفريقيا نفسها لتصبح عملاقا اقتصاديا على الصعيد العالمي.

أما السيناريو الثاني فهو تشاؤمي حيث تتخذ الدول المتقدمة موقفا دفاعيا لتحمي نفسها من مخاطر وتداعيات الدول المنهارة والفاشلة في النظام الدولي. وعليه فإن المنطقة وفقا لهذا التصور تسير لا محالة في طريق الفوضى والانهيار الشامل.

ويبدو السيناريو الثالث مرتكزا على إحداث تحولات حقيقية في النظام الدولي حيث يبدأ الاهتمام بقضايا التلوث البيئي وتدمير الطبيعة، كما تنهض القارة الأفريقية من خلال تولي قادة جدد يأخذون على كاهلهم إصلاح وتحديث مجتمعاتهم.

وعلى الرغم من أن هذه السيناريوهات قابلة للتحقق إلا أن ثمة مجالا للتفاؤل بشأن مستقبل أفريقيا في النظام الدولي، حيث يمكن لنا أن نرى الفيل الأفريقي يقوم من كبوته وينافس بقوة في إطار قوى العولمة الجارفة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة