ماذا تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني؟   
الأحد 1431/6/17 هـ - الموافق 30/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:52 (مكة المكرمة)، 18:52 (غرينتش)


واقع القضية الفلسطينية
التوافق الوطني مفتاح السر
المصالحة وديمومة الأمل
 

لم يعد المشروع الوطني الفلسطيني اليوم سوى شعار أجوف فارغ من أي محتوى حقيقي على إيقاع تناحر الفلسطينيين وانقسامهم السياسي والجغرافي الذي فاق في حدود مخاطره وتأثيراته نكبة ضياع فلسطين وما تبعها من مصائب ونكسات.

ولعل إطلالة عابرة على واقع القضية الفلسطينية تشي بالمآلات الكارثية التي بلغتها في ظل الانقسام الراهن وما سبقه من صراع البرامج السياسية والانقلاب على التجربة الديمقراطية عقب الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006 التي فازت فيها حماس، وما تبعها من تطورات سياسية وميدانية مدفوعة بتواطؤ خارجي مفضوح انتهت إلى الواقع الراهن المعروف الذي ذبح القضية برمتها من الوريد إلى الوريد.

واقع القضية الفلسطينية
فلسطينياً، تبدو الأمور سوداوية إلى حد كبير، فالضفة وغزة تعملان بمعزل عن بعضهما البعض، والانقسام يتخلل كافة التفاصيل الحياتية هنا وهناك، فقد أصبح للضفة مشروعها الخاص "مشروع فياض" الذي يمضي بكل حيوية على أسس إدارية واقتصادية بعيدا عن الرؤية والمحددات الوطنية والتحررية، في حين تعيش غزة وضعا اقتصاديا خانقا بكل معنى الكلمة في ظل الحصار الشامل، وتحاول تخليق آليات متنوعة لمجاراة الواقع وامتصاص قسوة الظروف المفروضة.

إقليميا ودوليا، تراجع الاهتمام والتفاعل مع القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياته تاريخيا، ولم تعد القضية تمثل شيئا ذا قيمة سياسية وإعلامية وإستراتيجية على امتداد المحافل العربية والدولية.

لدى تشخيص الواقع والحال، لا نستطيع استثناء أحد من سيف المسؤولية، فالكل يتحمل جزءا من وزر ارتكاس القضية، وإن على تفاوت في الدرجات، لكننا اليوم لسنا في معرض جلد المخطئين أو تحميل المسؤوليات، بقدر حاجتنا إلى إرساء جهد وطني جماعي لإنقاذ الشعب والوطن والقضية من براثن الانقسام وغول التحديات.

يكتنف الخلل مجمل الأداء الفلسطيني الفصائلي، فحركة فتح أغلقت خياراتها الوطنية على خيار التسوية والمفاوضات، وأطلقت العنان لنهج البناء الإداري والمؤسسي الذي يتبناه فياض، فضلا عن نهج التعاون الأمني واستئصال المقاومة، ولم تحاول مواجهة فشل مشروعها باستدراكات صحيحة وإعادة تقييم موضوعية للخيارات المطروحة، ولم تجد سوى التلويح بالمقاومة الشعبية السلمية في وجه إسرائيل والإدارة الأميركية والعالم الخارجي كأداة ضاغطة، دون أن يكون لها من تهديدها أي نصيب.

في الوقت ذاته، تمضي حركة حماس قدما في تحديها للعالم الخارجي واشتراطاته المعروفة وحصاره المضروب، وتجترح سياسة الهروب إلى الأمام في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة، وتعمد إلى ترميم التوافقات الوطنية لتهدئة الجبهة الميدانية مع الاحتلال حفاظا على المصالح الوطنية، مما يعني عمليا تجميد المقاومة إلى أجل غير مسمى.

"
لا مفر من تنازلات فصائلية متبادلة لكبح حالة الانهيار المتسارعة، وما لم تخرج فتح عن إسار الضغوط الأميركية والصهيونية، وما لم تبادر حماس إلى إعادة هيكلة تجربتها الحاكمة, فإن المأساة الوطنية ستعيد إنتاج ذاتها
"
يعيش برنامج فتح الحالي حالة من الاستلاب التام للروح والقيم والرؤى الوطنية، في حين يفتقر برنامج حماس إلى التوازن بين ضرورات الحكم ومتطلبات المقاومة، والقدرة على بلورة مزاوجة منطقية وموضوعية ترتكز إلى طبيعة الظروف والمعطيات الداخلية والخارجية.

لذا لا مفر من تنازلات فصائلية متبادلة لكبح حالة الانهيار المتسارعة، وما لم تخرج فتح عن إسار الضغوط الأميركية والصهيونية، وتنسج نهجها ومواقفها على منوال وطني مقبول في حدوده الدنيا، وما لم تبادر حماس إلى إعادة هيكلة تجربتها الحاكمة وتطوير مواقفها الراهنة، بما يُمكّنها من التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، فإن المأساة الوطنية ستعيد إنتاج ذاتها إبان المرحلة المقبلة وفق أشكال وتجليات أكثر سوءا.

ومن هنا بادرت العديد من الفعاليات والشخصيات الفلسطينية مؤخرا إلى جولات مكوكية بين الضفة وغزة لفتح نافذة أمل جديدة لجهة إحداث اختراق إيجابي في ملف المصالحة المتعثرة، مما قد يجد تجسيداته العملية -سلبا أو إيجابا- خلال الأيام القادمة.

ما يعطي مسحة من التفاؤل هذه المرة أن قيادات حماس تحدثت لأول مرة عن التفاف ذكيّ حول الورقة المصرية، حيث طُرحت إمكانية بلورة تفاهمات داخلية مع حركة فتح تسمح بإحداث اختراق مهم يحمل بشرى التوافق والمصالحة، وينهي الانقسام النكد في حياة الفلسطينيين.

كان واضحا منذ البداية أن الجهد الداخلي والحوارات البينية بين الحركتين الكبيرتين -بعيدا عن نزعة التشدد المصرية- قادر على إرساء تفاهمات مقبولة يُصار إلى تطبيقها عقب التوقيع على الورقة المصرية، لأن التطبيق يبقى فلسطينيا خالصا ورهنا بالإرادة الفلسطينية الداخلية أولا وأخيرا.

تستطيع مصر أن تتشدد كما تشاء، وأن تعلن رفضها فتح ورقة المصالحة صباح مساء، وتستطيع حركة فتح –في المقابل- أن تلتقي مع حماس على كلمة سواء، وتبرم معها تفاهمات حقيقية على الأخذ بملاحظاتها المشروعة حين التطبيق.

صحيح أن مصر راعية الحوار والمصالحة، إلا أن التطبيق يبقى شأنا فلسطينيا داخليا، فما الذي يمنع فتح من التوافق مع حماس على تشكيل لجنة الانتخابات المركزية التي ستتولى التحضير للانتخابات المقبلة، واللجنة القيادية المؤقتة التي ستشكل المرجعية الفلسطينية القيادية حتى موعد إجراء الانتخابات المتوافق عليها، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية ولو في الحدود الدنيا، وإعطاء حماس تطمينات فعلية لا شكلية بغية منح قطار المصالحة إشارة الانطلاق على سكّة الشراكة المثمرة؟!

لقد أرست تجربة الأعوام الماضية بمراراتها البالغة وتفصيلاتها المعقدة، العديد من القناعات الوطنية غير القابلة للخدش أو التشكيك في ظل البيئة القائمة والمعطيات الراهنة.

تمثلت القناعة الأخطر والأهم على الإطلاق في استحالة التفرد أو الانفراد الوطني، وفشل كل محاولات التحليق بجناح واحد بعيدا عن تفاعل ومشاركة الآخرين.

التوافق الوطني مفتاح السر
أدركت حركتا حماس وفتح بعد طول ألم وعناء أن الوطن لا يحلق إلا بهما معا، وأن استمرار القطيعة والانقسام لن يطول إلى الأبد، وأن التوافق الفلسطيني على أسس ومحددات جامعة يشكل خيارا قسريا لا مفر منه لإنقاذ الوطن الفلسطيني من أزمته الراهنة التي لم يواجه لها مثيلا من قبل.

لم تستطع حماس أن تقلع بمشروعها منفردة في مواجهة الحصار رغم صمودها الأسطوري، كما لم تفلح فتح في استعادة دورها ومكانتها التي سُلبت منها في وضح النهار على أيدي فياض ومشروعه اللاوطني.

لذا لم يكن هناك مفر من خوض تجربة الانقسام -على سوئها ومصائبها- كي يدرك الطرفان أن النزعة الأحادية كفيلة بتدمير الوطن والقضية، وأن دوام الحال من المحال، وأن التوافق الوطني يشكل كلمة السر في أي حراك حقيقي على طريق خدمة وإنجاز الأهداف الوطنية الفلسطينية.

قد يجادل البعض في وجود تيار غير وطني داخل فتح، وأن مسار التفاوض لا يلتقي مع خيار المقاومة، وأن إغلاق الخيارات الوطنية لا يسمح بفسحة توافق ولقاء مع متطلبات العمل الوطني في مواجهة الاحتلال ومخططاته الكبرى، للدلالة على حتمية فشل أي مشروع للمصالحة أو التعايش المشترك مع حركة فتح.

لا تبدو الأمور بهذه السطحية والانغلاق، فتعقيدات وتشابكات الوضع الفلسطيني الداخلي تُملي التوافق الحصري على القواسم المشتركة بين الفرقاء، وتجعل من إرساء السياسات التوافقية الخيار الوحيد فلسطينيا.

من المؤكد أن العوائق كثيرة، وأن أرباب المصالح المتصلة بالاحتلال كُثر أيضا، لكن اعتماد النهج التوافقي كفيل بتأليف القلوب وبناء الثقة وجمع شتات الكلمة والموقف على مقومات الحد الأدنى وطنيا، وتكريس رؤية وطنية فلسطينية نقية من الأوضار والشوائب والأجندات المشبوهة.

"
ليس من سبيل سوى دفع مفاهيم الشراكة والتعايش ومعاني الأخوة والوفاق قدما، وإطلاق ثقافة التسامح وقبول الآخر في المجتمع الفلسطيني، توطئة لمسيرة وطنية فلسطينية نظيفة، تؤرخ لمرحلة جديدة تستدرك ما فات، وتضع أسس ومحددات النهضة القادمة والتحرير المنشود
"
يمكن تشبيه حركتي فتح وحماس بقطبي "بطارية"، أحدهما سالب والآخر موجب لا يلتقيان، لكن الذكاء في استخدام وتوظيف القطبين يُمكّن من تحريك قاطرة كبرى دون إشكاليات.

وليس من سبيل سوى دفع مفاهيم الشراكة والتعايش ومعاني الأخوة والوفاق قدما، وإطلاق ثقافة التسامح وقبول الآخر في المجتمع الفلسطيني، توطئة لمسيرة وطنية فلسطينية نظيفة تؤرخ لمرحلة جديدة تستدرك ما فات، وتضع أسس ومحددات النهضة القادمة والتحرير المنشود.

لقد أدرك الفلسطينيون -مع طول أمد الانقسام وتعمق الأزمة الفلسطينية الداخلية- أن هناك من يحاول تفريغ العمل الوطني الفلسطيني من كل قيمة نبيلة وبعد شريف تحت ستار الانقسام، وتحويل الكيان الفلسطيني إلى محمية إسرائيلية تعيش في كنف الرؤية والسياسة الإسرائيلية، وتغييب القضايا الوطنية الكبرى لصالح إدارة ذاتية شكلية تعتمد على النماء المؤسسي والازدهار الاقتصادي فحسب.

تدرك حركتا حماس وفتح أنهما تعيشان سويا أزمة الحصار، فحركة فتح كما حماس تعيش حصارا "فياضيا" غير مسبوق ينذر بتلاشي دورها ونفوذها خلال المرحلة المقبلة، ويكفي القول إن فياض يعتبر الرجل الأقوى في الضفة بلا منازع، وإن محمود عباس لا يملك سلطة النفوذ والقرار التي يمتلكها فياض هناك، وإن عباس بدأ يستشعر خطورة زحف فياض وهيمنته على مقدرات الكيان السلطوي واستقطابه الكثير من كوادر وقيادات فتح عبر منظومة الإغراءات والتسهيلات والامتيازات.

بل إن فياض بلغ مبلغا خطيرا حين طرح مشروعا سياسيا خاصا بعيدا عن عباس، وعمل -ولا يزال- على ترويجه داخليا وخارجيا، ولا يفتأ يشارك في أبسط الفعاليات المؤسسية والأنشطة الجماهيرية بغية تحشيد حالة دعم وتأييد فلسطينية واسعة تسمح برفعه وتصديره في أي انتخابات قادمة.

وحدها المصالحة قادرة على تحجيم دور ونفوذ فياض، وإخراجه تدريجيا من حلبة اللعب مع الكبار، وإعادة فتح إلى مواقع قوتها التقليدية في الضفة التي صادرها فياض.

وحدها المصالحة -أيضا- قادرة على إعادة حضور حماس على أرض الضفة، وتفعيل العمل الوطني المشترك لمواجهة تحديات التهويد والاستيطان والتهجير، والدفع باتجاه المحاصرة التدريجية لتيار القطيعة والتنسيق الأمني والارتباط المصيري مع الاحتلال داخل حركة فتح وخارجها.

لقد بلغت الخطورة حدا لم يعد الفلسطينيون معه يهتمون كثيرا لتفصيلات المواقف أو حقيقة المخطئ من المصيب في ظل أزمتهم اليومية الخانقة، فما يعنيهم هو إنجاز المصالحة وذبح "البقرة" دون أسئلة عن لونها وشعرها أو لحمها وعظمها مع فارق التشبيه.

المصالحة وديمومة الأمل
ورغم ذلك فإن الوضع الفلسطيني في ظل المعطيات الراهنة، يبدو في حاجة ماسة إلى مخاض عسير كي ينتظم في مساره المأمول الذي يعيد للشعب الفلسطيني الأمل ولقضيته الحياة بعد أعوام عجاف من الألم والهوان.

لم نفقد الأمل في تحقيق المصالحة بعد، ولا يزال هناك حراك ما قد يثمر شيئا ما على المدى المنظور، لكن مسرح السياسة الفلسطيني ما زال بعيدا عن أي تهيئة حقيقية لتشرّب قيم ومعاني المصالحة واستحقاقاتها المطلوبة.

تبدو حماس اليوم الأكثر استعدادا لإنجاح المصالحة ودفع ثمن إنجازها، لكن جهودها تصطدم بواقع مضاد يكرس إحباطات متزايدة ويجعل أي مصالحة قادمة أمرا مُفرغا من أي قيمة فعلية.

فما يتفاعل على مسرح الأحداث يؤشر على مصالحة أقرب إلى الشكلية، أو مصالحة في اتجاه واحد دون تبادلية لازمة أو إتيان على طرق جوهر الأزمة ومعالجة جذور الخلاف التي زرعت بذور الانقسام في المجتمع الفلسطيني.

نقاط الخلاف المتبقية إزاء الورقة المصرية -على محدوديتها- لا تبرر الجمود الحاصل والتشدد الظاهر، لكن الأمر لا يخضع لقرار فتح الذاتي بقدر ما يخضع لسطوة القرار الخارجي، إقليميا ودوليا.

"
ما زال الوضع الفلسطيني في قلب الأزمة، ولن يجتاز قسوة المرحلة الراهنة إلا بعد مخاض عسير يُرسي طائفة من القناعات والمحددات والمسلمات الوطنية التي تهيئ الحل والانفراج على قاعدة التوافق المشترك، وتبلور معادلة وطنية جديدة
"
الإشارات والوقائع التي يرسمها الواقع الفلسطيني الداخلي تُنبئ عن استحالة بناء شراكة وطنية حقيقية بين فتح وحماس هذه الأيام، واستحالة تحقيق مصالحة فعلية وفق الرؤية الوطنية المنشودة، مما يعني أن المفاضلة تراوح بين خيار استمرار الانقسام على مصائبه، أو خيار قبول استمرار المصالحة الشكلية الرامية إلى بلوغ الميقات الانتخابي على علاتها لا غير.

قد تكون حماس مضطرة لتجرع خيار المصالحة الشكلية، لكن ذلك يجب ألا يلغي سعيها الحثيث تجاه تنمية وتعزيز الخط الوطني داخل فتح، ورهانها على ضرورة بناء شراكة وطنية قادمة كرافعة حتمية لانتشال الوطن الفلسطيني من وهدة المزالق والأزمات.

ما زال الوضع الفلسطيني في قلب الأزمة، ولن يجتاز قسوة المرحلة الراهنة إلا بعد مخاض عسير يُرسي طائفة من القناعات والمحددات والمسلمات الوطنية التي تهيئ الحل والانفراج على قاعدة التوافق المشترك، وتبلور معادلة وطنية جديدة ذات حصانة، بعيدا عن يد العبث والتخريب والانقلاب.

لم يتبق من المشروع الوطني الفلسطيني شيء تقريبا باستثناء الشعارات والوعود والذكريات، ومع كل يوم جديد تتعمق جذور الأزمة وتكتسي تعقيدات وتشابكات جديدة، ولا سبيل سوى التوافق الوطني مدخلا قسريا لبداية تفكيك الأزمة الفلسطينية الداخلية، وإعادة الاعتبار التدريجي للقضية الفلسطينية المنكوبة.. فمتى يتحقق الأمل؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة