إسرائيل.. ظروف مثالية للمس بالأقصى   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ صالح محمد النعامي

- هنغبي يرفض التعاون
- ظروف مثالية
- ترعرع فكرة المس بالأقصى
- القضاء على فرص التسوية

تظاهر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي المتطرف تساحي هنغبي مؤخرا بالشعور "بالقلق الشديد" من إمكانية قيام تنظيمات إرهابية يهودية بالمس بالمسجد الأقصى المبارك وتفجير قبة الصخرة المشرفة، يثير بحد ذاته القلق ويطرح العديد من التساؤلات حول تواطؤ الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة العبرية مع هذه التنظيمات.

وزعم هنغبي أن الذي دفعه للتحذير من هذه الإمكانية هو توفر معلومات استخبارية تؤكد عزم هذه التنظيمات على المس بالأقصى، هو محض افتراء لم ينطل حتى على كبار قادة الأجهزة الأمنية المتقاعدين.

فمنذ عامين يعلن جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك"، ليس فقط عن توفر معلومات حول مثل هذه النوايا، بل ويؤكد أنه قام باعتقال العديد من الذين يشتبه في قيامهم بالتخطيط للمس بالمسجد الأقصى. لكن –وكما يقول– قادة الشاباك فإن تدخل وزراء الحكومة –وبالذات هنغبي- هو الذي يحول دون قيام الشرطة والأجهزة الاستخبارية من استنفاد طاقتها في إحباط هذه المخططات وتفكيك الخلايا الإرهابية التي تعكف على التخطيط للمس بالأقصى.

تظاهر هنغبي المعروف باستماتته في رفض القيام بأي عملية احترازية في أوساط جماعات اليمين المتطرف التي تخطط للمس بالأقصى يأتي من باب مواجهة الانتقادات الموجهة له ولحكومة رئيس الوزراء أرييل شارون بشكل عام لدورها في توفير كل الشروط التي تسمح بتعاظم خطر التنظيمات. ومن ناحية ثانية يهدف هنغبي من تظاهره بالقلق إلى دفع ضريبة كلامية فقط قبل أن ينجح أعضاء التنظيمات الإرهابية في تنفيذ مخططاتهم، لا سمح الله.

هنغبي يرفض التعاون

رفض وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي تساحي هنغبي التفتيش في كنس يهودية داخل المستوطنات عن مواد معدة لتفجير الأقصى بدعوى عدم المساس بحرمة دور العبادة اليهودية
في العام 2003 كشف جهاز الشاباك النقاب عن قيامه باعتقال أفراد ثلاث خلايا إرهابية خططت لتفجير المسجد الأقصى.

أخطر هذه الخلايا، كانت خلية يسكن أعضاؤها بشكل خاص في مستوطنات "كريات أربع" القريبة من الخليل و"تفوح" جنوب نابلس و"بات عاين" القريبة من بيت لحم.

وقد ضبط محققو الشاباك لدى أفراد هذه الخلية مخططا لتفجير المسجد الأقصى والعشرات من المساجد في الضفة الغربية وداخل إسرائيل. وحسب مصادر الشاباك فقد اتفق أفراد الخلية على تنفيذ مخططهم في نفس الوقت أثناء صلاة الجمعة، بحيث يؤدي ذلك إلى قتل الآلاف من المصلين.

ارتأى جهاز الشاباك –أنه من الضروري قبل تقديم لوائح اتهام ضد أفراد الخلية– أن تقوم الشرطة باعتقال مستوطنين آخرين لهم علاقة بالخلية، إلى جانب وجوب قيامها بالتفتيش في كنس يهودية داخل المستوطنات توفرت معلومات تؤكد قيام أفراد الخلية بتخزين مواد متفجرة فيها.

لكن هنغبي بوصفه وزير الأمن الداخلي ومسؤولا عن الشرطة رفض الاستجابة لطلب الشاباك بدعوى أنه لا يمكن أن يوافق على المساس بحرمة دور العبادة اليهودية، ولا يمكن أن يسمح باعتقال مزيد من المستوطنين بدعوى أن الشبهات حولهم ليست قوية. وكانت النتيجة أن قام الشاباك بالإفراج عن أفراد الخلية لعدم تمكنه من تقديم لائحة اتهام ضدهم.

وقد أثار سلوك هنغبي حتى كبار قادة الشاباك، فقد قال القائد السابق في الجهاز نحمان طال أن إصرار هنغبي على عدم السماح للشرطة بالتعاون مع الشاباك في مجال إحباط مخططات التنظيمات اليهودية الإرهابية، وبالذات تلك المتعلقة بالمسجد الأقصى يمكن أن يؤدي إلى كارثة حقيقية. وفي حينه اتهم النائب اليساري يوسي ساريد علانية هنغبي بـ"التواطؤ عمليا"مع أعضاء التنظيمات الإرهابية.

ظروف مثالية

الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عن التبرعات المالية التي تجمع لصالح التنظيمات الإرهابية المشتبه في تخطيطها للمس بالأقصى وتقوم ببناء المؤسسات التي تستخدم للترويج
لفكرة تدميره
توفر الحكومة والجهاز القضائي الإسرائيلي ظروفا مثالية لنمو التنظيمات الإرهابية التي تخطط لاستهداف الأقصى. وكل من الحكومة والجهاز القضائي يفرضان قيودا كبيرة على عمل الأجهزة الأمنية لإحباط مخططات هذه التنظيمات.

ففي الوقت الذي قضى فيه الكثيرون من الأسرى الفلسطينيين نحبهم بسبب عمليات التعذيب والتنكيل التي تعرضوا لها على أيدي محققي الشاباك أثناء التحقيق معهم، يحظر على محققي الشاباك ممارسة أي نوع من أنواع الضغوط النفسية –وبالطبع الجسدية– على المشتبه في انتمائهم للتنظيمات اليهودية الإرهابية مطلقا.

ومن المفارقات التي تكشف حجم التدليل الذي يحظى به أعضاء التنظيمات الإرهابية اليهودية لدى التحقيق معهم في مقرات الشاباك أن صحفيا إسرائيليا توجه إلى أحدهم بعد أن خضع للتحقيق مستفسرا عن المعاملة التي لقيها من محققي الشاباك، فرد عليه بالقول: لقد تعرضت إلى "تعذيب شديد". فسأله الصحفي: كيف عذبوك؟ فقال: لقد أجبروني على قراءة صحيفة هآرتس (وهي صحيفة ذات توجهات ليبرالية يسارية!)

من ناحية ثانية يفرض الجهاز القضائي والحكومة قيودا كبيرة على محاولات الشاباك زرع مخبرين له في أوساط التنظيمات الإرهابية اليهودية، في الوقت الذي يسمح فيه لهذا الجهاز باتباع أكثر الوسائل خسة وقذارة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معه.

وقال عوزي كالو، الذي كان رئيسا للقسم اليهودي في الشاباك المختص بمعالجة خطر التنظيمات اليهودية، إن القيود التي فرضتها الحكومة والجهاز القضائي على الشاباك في كل ما يتعلق بزرع مخبرين داخل التنظيمات اليهودية جعل الجهاز عاجزا عن ملاحقة أعضائها والكشف عن مخططاتهم.

اللافت للنظر أن هذه القيود قد أدت إلى عدم الكشف عن معظم عمليات القتل التي قامت بها التنظيمات الإرهابية اليهودية ضد الفلسطينيين، لدرجة دفعت الكثير من كبار المعلقين في الدولة العبرية إلى حد اتهام الحكومة الإسرائيلية بأنها معنية بمواصلة هذه التنظيمات لأنشطتها.

فقد قال سيفر بلوتسكر أحد كبار المعلقين في صحيفة يديعوت أحرونوت معلقا على عدم استطاعة الأجهزة الأمنية الكشف عن منفذي جرائم القتل ضد الفلسطينيين "حتى الآن لا يوجد للأوساط الأمنية طرف خيط في التحقيق.. هذا مفاجئ ومدعاة للغضب ويثير الكثير من التساؤلات.. إن وجود خلايا قتل إرهابية يهودية كان معروفا منذ وقت وقد نفذت أعمال قتل.. والتحذيرات من نوايا القيام بعمليات أخرى وصلت في الأيام والساعات التي سبقت إطلاق النار.. ولكن لم يتم الحيلولة دونها.. هل ثمة شخص أهمل في عمله أو ببساطة لم يكن يعنيه ذلك".

في نفس الوقت فإن الحكومة تغض الطرف عن التبرعات المالية الكبيرة التي تجمع لصالح التنظيمات الإرهابية المشتبه في تخطيطها للمس بالمسجد الأقصى. فتنظيما "الأمن على الطرق" و"كتائب جلعاد شلهيفت" المرتبطتان بالتخطيط للمس بالأقصى يقومان بجمع التبرعات لأفرادهما في الكنس والمنتديات العامة داخل المستوطنات وفي المدن الإسرائيلية الكبيرة، مع أن أعضاء هذين التنظيمين يعلنون نيتهم المس بالفلسطينيين والمسجد الأقصى، دون أن تحرك أجهزة الأمن الإسرائيلية ساكناً.

ليس هذا فحسب، بل أن الحكومة الإسرائيلية تقوم ببناء المؤسسات التي تستخدم للترويج لفكرة تدمير المسجد الأقصى. ففي العام الماضي قامت وزارة الإسكان ببناء مؤسسة توراتية يشرف عليها أعضاء في تنظيم "كهانا حاي" في مستوطنة "تفوح"، مع أن هذا التنظيم يضع على سلم أولوياته تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

ترعرع فكرة المس بالأقصى

يؤكد الحاخام إبراهام شوكين مدير المدرسة الدينية شبه العسكرية في مستوطنة عتصمونا جنوب قطاع غزة لطلابه أنهم لا يمكن أن يلقوا رضا الرب إلا بعد إزالتهم للنجس المتمثل بوجود المسجد الأقصى
مكان الهيكل
يكاد يكون القاسم المشترك للذين أدينوا أو اتهموا بالتخطيط للمس بالأقصى هو حقيقة كونهم من خريجي المدارس الدينية شبه العسكرية التي يطلق عليها بالعبرية "يشيفوت ههسدير" وهي مدارس أقيمت من أجل تهيئة أتباع التيار الديني الصهيوني للانخراط في الخدمة العسكرية.

وعلى الرغم من أن الجيش هو الذي يقوم بتمويل هذه المدارس، فإنها تدار من قبل حاخامات متطرفين. وفي هذه المدارس يتم التركيز على وجوب مثابرة الشباب اليهودي على تحقيق نهضة الدين اليهودي والتي لا تتم إلا ببناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى.

وقد نقلت إذاعة "عروتس شيفع" العبرية قول الحاخام إبراهام شوكين مدير المدرسة الدينية شبه العسكرية في مستوطنة "عتصمونا" جنوب قطاع غزة قوله أنه يؤكد لطلابه أنهم لا يمكن أن يلقوا رضا الرب إلا بعد "إزالتهم للنجس المتمثل بوجود المسجد الأقصى مكان الهيكل".

اللافت للنظر أن خطورة هذا الواقع تكمن في حقيقة كون 40% من الضباط في الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي هم من خريجي هذه المدارس. ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب ثقة قادة التنظيمات الإرهابية اليهودية في العثور على طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي يمكن أن يوافقوا على تفجير المسجد وقبة الصخرة من الجو. من هنا فإن "يشيفوت ههسدير" التي يمولها ويرعاها الجيش الإسرائيلي تمثل تربة خصبة لنمو فكرة المس بالأقصى وتجنيد مزيد من الإرهابيين لتنفيذها.

من ناحية ثانية فإن مؤسسات حفظ القانون في الدولة العبرية تغض الطرف عن عشرات المطبوعات الدورية وغير الدورية التي تدعو للمس بالأقصى. ففي جميع المدن الإسرائيلية والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة يتم توزيع نشرة "طريق التوراة" نهاية كل أسبوع بعشرات الآلاف من النسخ. وتنشر هذه الأسبوعية مقالات تتخصص في حبك المسوغات التوراتية للمس بالمسجد الأقصى.

وقد نشرت الأسبوعية مقالا باسم الحاخام بنيامين نتانياهو وهو نجل الحاخام مئير كهانا مؤسس حركة "كاخ" العنصرية المتطرفة. وقد جاء في المقال "من اللحظة التي احتللنا فيها الحرم القدسي من جديد، فإن الفريضة القاضية ببناء بيت الله (يقصد الهيكل الثالث) صارت واجبا ككل واجب آخر. وقبل أن يكون بوسع شعب إسرائيل التوجه إلى مهمة بناء الهيكل الثالث عليه أولا أن يزيل العوائق القائمة -المساجد الإسلامية".

ويتحدث كهانا عن الحاجة إلى إزالة "عار المساجد" الذي في مكان الهيكل، وينهي بقول مأثور عن أحد كبار الحاخامات في العصور الغابرة "تخلص من الشر قبل أن تفعل الخير".

القضاء على فرص التسوية

قادة التنظيمات الإرهابية اليهودية غير معنيين بالتحذيرات الأمنية من أن المس بالأقصى سيقضي على إمكانية التوصل لتسوية سياسية بين إسرائيل والعالم العربي فتلك هي الغاية المنشودة
لا يتأثر قادة التنظيمات الإرهابية اليهودية ومنظريهم من كبار الحاخامات كثيرا بتحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن المس بالأقصى سيغير مجرى التاريخ في المنطقة، ويقضي على أي إمكانية للتوصل لتسوية سياسية بين إسرائيل والعالم العربي، فهذا بالضبط ما يسعى إليه هؤلاء.

وكما يقول يهودا عتصيون الذي أدين في مطلع الثمانينيات بالتخطيط لتدمير المسجد الأقصى إنه وزملاءه رغبوا في القضاء على إمكانية التوصل لتسوية سياسية بين العالم العربي وإسرائيل، على اعتبار أن المس بالأقصى لا يدع مجالا أمام الأنظمة العربية لأي فرصة للتعاطي مع مشاريع التسوية التي تطرح بين الفينة والأخرى.

قصارى القول إن الطغمة الحاكمة في الدولة العبرية التي تدعي القلق من إمكانية المس بالأقصى هي إما توفر الظروف التي تسمح بتعاظم التنظيمات الإرهابية الهادفة للمس بالأقصى، أو أنها تقدم المساعدات لهذه التنظيمات بشكل مباشر أو غير مباشر. من هنا فإنه لا ينفع وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الاختباء خلف التحذيرات من مخططات هذه التنظيمات التي يعمل على تناميها.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة