الدلالات السياسية والثقافية لخطاب بوش   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: شفيق شقير*

-الأمر والنهي في خطاب بوش
-الدلالات السياسية في الخطاب
-الدلالات الثقافية لخطاب الرئيس الأميركي

"لقد وضعت أمامكم الحياة والموت، فاختاروا الحياة"، بهذه الكلمات من الإنجيل ختم بوش الكلمة التي ألقاها بشأن الشرق الأوسط، وبها أعادنا إلى بداية حملته على الإرهاب "من ليس معنا فهو ضدنا", وهي العبارة التي أعاد تكرارها في خطابه هذا. وصيغة هذه المرة مؤداها أنه من ليس مع السلام والحياة التي نقترحها للشرق الأوسط فهو ضدنا.

الأمر والنهي في خطاب بوش

اتسم خطاب بوش بالحزم وصيغة الأمر والنهي مع بعض الاستثناءات، وهو ما عزز انطباعا لدى المحللين والنقاد أنهم أمام إنجيل للسلام الأميركي غير قابل للنقاش.
فبالنسبة للفلسطينيين بلغت الأوامر والوعيد ذروتها: يجب أن تتغير السلطة التنفيذية الفلسطينية وأولها عرفات، والسلطة التشريعية، وأجهزة الأمن ومؤسسات القضاء والاقتصاد وكذلك الدستور. وإذا فعلوا ذلك فإن "المكافأة الأميركية قد تأتي سريعا" وإلا فلا يطمع الفلسطينيون بدعم أميركي.


اتسم خطاب بوش بالحزم وصيغة الأمر والنهي مع بعض الاستثناءات، وهو ما عزز انطباعا لدى المحللين والنقاد أنهم أمام إنجيل للسلام الأميركي غير قابل للنقاش
وفيما خص العرب: يجب أن يحاربوا الإرهاب ويدينوا العمليات الفدائية ويوقفوا التحريض على العنف، وأن يوقفوا دعم حزب الله وحماس والجهاد وأن يقطعوا الإمدادات الإيرانية لهذه الجماعات، وأن يعارضوا النظام العراقي الداعم للإرهاب لا أن يتصالحوا معه، وإلا كما يقول بوش "كما قلت في الماضي من ليس معنا فهو ضدنا". فهذه اللغة الخشبية لم تعهد في الحياة السياسية وخاصة أن يكون مصدرها الغرب، فهي تصلح لزعيم جماعة دينية يملك سلطانا مطلقا على أتباعه.

ولم تظهر اللهجة السياسية المتوازنة ونحن نتحدث عن دبلوماسية الشكل إلا عند حديثه عن إسرائيل، فدعاها إلى إنهاء الاحتلال لأنه يهدد هويتها وديمقراطيتها، وأن تتخذ خطوات ملموسة لتأييد دولة فلسطينية لها مقومات البقاء (بحدود مؤقتة) وذات مصداقية (بحربها على الإرهاب) إلى آخر التفاصيل.

وأبدى الخطاب استعداد أميركا والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الإشراف على الإصلاحات السياسية والمالية وغيرها. والنقطة المرادة أن الرئيس بوش قد طرح وجهة نظر تمثل دولا ومؤسسات كان حري به أن يناقشها معهم على الأقل, أو أن يطرحوها بأنفسهم فهو يتحدث باسم أميركا وليس باسم العالم، مع العلم أنه ألقى خطابه قبل قمة الثماني الكبار مباشرة.

الدلالات السياسية في الخطاب

بوش وجونغ إيل وخاتمي وصدام
وخطاب بوش يؤشر لمرحلة مقبلة صعبة، فهو يعود إلى اللحظة الذهنية الطازجة لما بعد 11 سبتمبر/أيلول بأسلوبه، وإلى ما قبل قمة بيروت بأهدافه حينما كانت الإدارة الأميركية تجتهد لإقناع العرب بضرب العراق ,وفشلت فأطلقت شارون من عقاله ولا يبدو أنها ستشد رباطه.

آل بوش والعراق
فالخطاب لا يؤشر لعملية تفاوض حقيقية في الشرق الأوسط بقدر ما يحاول أن يدير الأزمة بلغة شارون, وأن يوفر الفرصة الملائمة لضرب العراق لينهي بوش الابن ما بدأه بوش الأب، وليبدأ عملية سلام وفق معطيات جديدة يشارك فيها العراق المهزوم بدفع الثمن. ولعل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في العراق على رأس الفاتورة، ويعزز هذا الاحتمال أن البعض في لبنان -بما يعنيه من ضرورة حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين دون إخلال بتوازن الديمغرافيا الطائفية اللبنانية- يأخذ هذا الاحتمال بجدية.


الخطاب لا يؤشر لعملية تفاوض حقيقية في الشرق الأوسط بقدر ما يحاول أن يدير الأزمة بلغة شارون ويوفر الفرصة الملائمة لضرب العراق، لينهي بوش الابن ما بدأه بوش الأب
والطرف الفلسطيني يدرك بوضوح أن خطر التفوق السكاني الفلسطيني وتصفية ملف اللاجئين أصبح من القضايا التي تؤرق الغرب كما تؤرق إسرائيل، ونشير هنا إلى مقالة بول كندي والتي طرح فيها التخوف من الانفجار السكاني في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا كمشكلة عالمية للغرب, مستهلا مقالته بتساؤل حول استمرار إسرائيل في ظل التفوق السكاني الفلسطيني المطرد.

وفي هذا السياق كشفت "أسوشيتد برس" أن وزير التعاون الفلسطيني نبيل شعث قبل إعلان خطاب بوش حمل موافقة عرفات على وثيقة كامب ديفيد 2 إلى واشنطن، بما تحويه من تنازلات ومن ضمنها أن السلطة لا تمانع من قيام حل عادل ومتفق عليه بدلا من التمسك بحق العودة.

ضرب الإرهاب للسلام
ومن ناحية أخرى أعاد خطاب الرئيس الأميركي العرب إلى الدائرة السابقة التي حددها بوش في خطابه الأول بعد 11 سبتمبر/أيلول ولكن هذه المرة تحت عنوان تطبيق عملية السلام. وبهذا يسهل على المراقب أن يصنف الخطاب الأخير على أنه المرحلة الثانية من الحرب على الإرهاب، وبوسعه أن يتوقع أن ينتقل النموذج الأفغاني والباكستاني بمعطياته ومعادلاته إلى الشرق الأوسط، ولا سيما معادلة ضرب الإرهابيين بعضهم ببعض، وبمعنى أوضح يمكن أن نرى ضرب السلطة بحماس وبقية فصائل المقاومة بعنف أكبر مثلا، أو أن نشهد محاولات لإنهاء تفاهمات حزب الله مع النظام اللبناني وبقية التركيبة اللبنانية... الخ

الدلالات الثقافية لخطاب الرئيس الأميركي

أن خطاب بوش قد طرح منذ أن بدأ الإعلان عنه بوصفه خطابا سياسيا مختصا بالشرق الأوسط, لكن طبيعته تأبى إلا أن تدفع لقراءته كنهج تكرر في خطب بوش منذ ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، مع تعديل -إذا صدق- يؤشر لربط الحرب على الإرهاب بالسلام في الشرق الأوسط، وكأن سلام إسرائيل هو سبب إطلاق الحرب على الإرهاب لا أمن أميركا. وهنا لا نتحدث عن تحول سياسي مؤقت إنما عن أفق قد يستمر مستعينا بالاتكاء على بعض المفردات الثقافية والمجتمعية الجديدة.


باتت الاستجابة لمطالب إسرائيل في حربها على الإرهاب هي عين مطالب أميركا، ونتيجة هذا المنطق: أن العرب لم يتعاونوا مع أميركا في حربها على الإرهاب ما داموا لم يتعاونوا مع إسرائيل شارون

الخطيئة: العرب والإسلام
لا شك أن الإسلام بغض النظر عن نوعية القراءة له -رسمية أو حركية، أكاديمية أو شعبية، حضارية أو قومية- بات واضحا أنه المستهدف الأول كمكون أساسي تنعقد عليه حياة العرب الجماعية بوجه من الوجوه أو بلون من الألوان، وستقع كل التداعيات والخسائر على ساحته التي ثبت واقعا أو بالعين الأميركية تحديدا أن كل نتاج العرب -الكفرة والمؤمنين منهم- قائمة على ترابه، في استحضار أميركي عكسي لوجود الكيان القومي الإسرائيلي الذي أعطى للمنطقة معادلة جديدة: أن تلازم العرب والإسلام كتلازم اليهود وإسرائيل، وأن كل ما يقوم به العرب وغير العرب باسم الإسلام هو مسؤولية عربية خالصة، وسيدفع ثمنه العربي ولو حمل الصليب أو عاقر الخمرة. بعبارة أخرى الإسلام وطنه العالم العربي كما أن اليهودية وطنها إسرائيل مع المفارقة الأخلاقية والحضارية أن العرب يفضلون دائماً الانتماء إلى الشر والشيطان.

فهذه الصورة سمحت لطموحات شارون أن تكون غير معيبة للبيت الأبيض باعتبار أن ما أصاب أميركا كان بأيد عربية ومسلمة، ومن المنطقي أن يعاقب الإسلام (كمفردة عربية) في أرض نشأته (الشرق الأوسط)، وباتت الاستجابة لمطالب إسرائيل في حربها على الإرهاب هي عين مطالب أميركا، ونتيجة هذا المنطق: أن العرب لم يتعاونوا مع أميركا في حربها على الإرهاب ما داموا لم يتعاونوا مع إسرائيل شارون.

مفردات دينية
الملاحظ أن خطابات بوش عموما مفعمة بالمصطلحات الدينية: الحرب الصليبية، قوى الشر، والاقتباس من الإنجيل. وأحاديثه المتكررة عن الإسلام الصحيح والاعتدال.. الخ, هذه اللغة التي وجهت الإعلام الغربي وأثقلت الأحاديث السياسة الغربية بالمعاني الدينية، وكأن العلاقة بين الغرب والعرب أصبحت رهينته. ولولا القوانين العلمانية في أوروبا لظننا أننا في قرون أوروبا الوسطى، ولكن بفرق واحد أن منصب البابا هذه المرة احتله السياسيون بعد أن كان الباباوات يحتلون مناصب السياسيين.

_______________
*باحث لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة