الفرحة بالتحقيق مع أولمرت   
الأربعاء 1429/6/22 هـ - الموافق 25/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)


عبد الستار قاسم

التحقيق قوة للعدو
حفلة لطم عربية
فساد المسؤول وجيش إسرائيل
الإعلام العربي يغطي على الفساد
البطل يظهر أمام الظالم

من متابعتي لوسائل الإعلام العربية، هناك عدد لا بأس به من الإعلاميين يبدون فرحتهم وابتهاجهم بالتحقيق مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني أولمرت حول قضية تلقي رشى مالية من رجل أعمال أميركي.

لماذا هذه البهجة وهذه الفرحة؟ هل لأن رئيس وزراء إسرائيل فاسد؟ أم لأن إسرائيل العدو تعاني من خلل كبير؟ أم هو الأمل بانهيار العدو من الداخل؟ أم التشفي بعدو يقتل أبناءنا ويصادر أرضنا كل يوم؟ أم فرصة للحديث عن فساد لا نقوى على كشفه داخليا؟ لا أستطيع حقيقة فهم السبب، لكن المراقب يلمسه في أسلوب العرض والكتابة. هذا جو إعلامي يتكرر مع كل قضية تحقيق تجري في إسرائيل مع مسؤول كبير.

يتابع الإعلام العربي وبخاصة الفلسطيني هذه المسألة بتفاصيلها، ولا يخفي تفاؤله بانهيار أولمرت واستقالته، ومن ثم الدعوة إلى انتخابات مبكرة في إسرائيل.

يبني عرب كثر تبعات كثيرة وكبيرة على هذا التحقيق الجاري، ويحاولون وضع مشاهد سياسية وعسكرية وأمنية متعددة يتوقعون حدوثها مثل شن حرب على غزة أو صعود ليفني إلى رئاسة الوزراء. لماذا هذا التفاؤل، وما الذي سيجنونه فيما إذا ذهب رئيس الوزراء؟

التحقيق قوة للعدو
يغيب عن بال الإعلام العربي أن التحقيق مع مسؤول إسرائيلي لأسباب تتعلق بالفساد أو بالفشل السياسي والعسكري والأمني عبارة عن قوة للعدو، ولا يعبر عن ضعف.

الدول القوية التي تحرص على نفسها وتصر على التمسك بأسباب القوة والاستمرار والتقدم لا تتغاضى عن أعمال مسؤوليها، ولا تهادن فسادهم، ولا تجاملهم أو تنحني أمام شهواتهم ورغباتهم، وإنما تعمل دائما على مراقبة سلوكهم سواء من قبل المؤسسات الرسمية مثل جهاز الرقابة المالية والإدارية أو من قبل وسائل الإعلام.

وكذلك هو شأن الشعوب القوية الأبية التي تأبى الضيم والظلم، وتراقب باستمرار أداء قادتها على المستويين الرسمي والشخصي.

"
الدول القوية التي تحرص على نفسها وتصر على التمسك بأسباب القوة والاستمرار والتقدم لا تتغاضى عن أعمال مسؤوليها، ولا تهادن فسادهم، ولا تجاملهم أو تنحني أمام شهواتهم ورغباتهم، وإنما تعمل دائما على مراقبة سلوكهم
"
الدول الضعيفة والشعوب الخاوية هي التي لا تلاحق الفساد، وتتركه يتراكم ليزيدها ضعفا على ضعف واهتراء على اهتراء. الضعفاء ينخرهم الكسل والجبن والتهالك على المصالح الخاصة على حساب المصالح العامة، وتنقصهم روح التضحية من أجل الأمة، ويتصفون بهزال روح العمل الجماعي والتعاون المتبادل، وهم في الغالب منافقون يعادون الحقيقة ويهربون منها.

الأمم القوية تجدد نفسها من خلال الرقابة والمحاسبة وتحميل المسؤولية لأنها تعمل على رصد الأخطاء ومناطق الضعف فتصححها وتقوم مسيرتها.

المسؤول لديها موجود بفضل قوة الشعب وقوة أداء المؤسسات وليس بسبب عضلاته وقدرات عشيرته أو دعم قوى خارجية له. هكذا هو الوضع في إسرائيل التي ما زالت تصر على بقائها كدولة مؤسسات.

صحيح أن درجة الفساد فيها تزداد، وهناك نوع من التراخي في العمل المؤسسي، لكنها ما زالت تراقب رؤوسها لما لهم من أهمية قصوى على بقية الجسد.

في إسرائيل هناك جهاز رقابة يعمل ويسهر، وهناك وسائل إعلام لا تتوانى في فضح الأعمال المشينة، وهناك قضاء مستقل لا يأخذ أوامر لا من رئيس دولة ولا من جهاز مخابرات.

أطاحت إسرائيل بالرئيس عزرا وايزمان، وبالرئيس موشيه كتساف وبوزير الدفاع إسحاق مردخاي، وحققت مع عدة وزراء ورؤساء وزراء من بينهم بنيامين نتنياهو واتصاحي هنغبي.

بهذا الأسلوب تردع إسرائيل مسؤوليها، ولو بصورة محدودة، عن التلهي بالمصالح الشخصية والشهوات على حساب المصالح العامة. إنها ترفع العصا دائما بوجه هؤلاء المسؤولين وتنبههم إلى أن هناك رقابة، ولا يوجد أمام التحقيق وفضح المستور أي عائق.

هذا أمر يساهم بالتأكيد في رفع مستوى الجهوزية العامة لدى المسؤول، ويجعله على يقظة تامة بأن الانحراف يؤدي إلى الهاوية.

حفلة لطم عربية
عندما نرى نحن العرب أن العدو يتصرف بحرص شديد مع مسؤوليه، ولا يتوانى في التحقيق معهم، فإن علينا ألا نبتهج بل أن نندب حظنا ونلطم على أحوالنا.

بلادنا العربية تزدحم بالفساد، ولا يكاد مسؤول عربي مهما علا شأنه أو تدنى، من رئيس الدولة حتى رئيس الزبالين، يعفي نفسه من الأعمال الفاسدة.

"
إذا كان لنا أن نصنع شيئا عندما نرى العدو يحاسب مسؤوليه، فإن علينا أن نندب حظنا بأنفسنا، وأن نلطم الخدود على هذه الأحوال الفاسدة التي نعيشها, لأن ذلك يعني أننا بدأنا نعي مدى الهوة الأخلاقية الواسعة التي تفصلنا عن العدو
"
رئيس الدولة أو الملك ينهب أموال الشعب ويبددها ويستهتر بها ويقود الهزائم ويمجّد التخلف، ورئيس المراسلين والزبالين يسرق ما تيسر، ويحابي فلانا على حساب شخص آخر. الفساد يجري في عروقنا، ويشتت شملنا، ويهدر طاقاتنا، ويسلب قدراتنا ويقتل فينا روح المبادرة والعمل الجماعي والحرص على الأمانة.

إذا كان لنا أن نصنع شيئا عندما نرى العدو يحاسب مسؤوليه، فإن علينا أن نندب حظنا بأنفسنا، وأن نلطم الخدود على هذه الأحوال الفاسدة التي نعيشها.

إذا بدأنا نلطم فإن في ذلك إشارة إلى أننا بدأنا نعي مدى الهوة الأخلاقية الواسعة التي تفصلنا عن العدو، ونكون بذلك قد وضعنا رجلنا على الدرجة الأولى نحو التخلص من عيوبنا، ومن ثم نحو الصعود.

فبدل التلهي بأخبار فساد أولمرت، علينا أن نركز على فساد قادتنا العرب من المغرب إلى الخليج، وأن نواجه الحقيقة عارية صلعاء كما هي.

ربما لا يتابع الإعلاميون العرب ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية عن فساد الأنظمة والمجتمعات العربية، ولا يعرفون كيف يتندر الإسرائيليون على الأعمال المشينة التي يقوم بها المسؤولون العرب داخل بلادهم وخارجها.

وسائل الإعلام الإسرائيلية تكتب عن سهرات القادة العرب، وعن مغامراتهم النسائية، وعن ارتباطاتهم المالية برجال أعمال إسرائيليين وغير إسرائيليين، وعن أعمال التهريب التي يقومون بها، وعن البذخ والتبذير الذي يقومون به.

وعندما يقارن الإسرائيلي بين التهم الموجهة لرئيس وزرائه وبين ما يقترفه قادة عرب من أعمال فساد تهون عليه مصيبته كثيرا.

فساد المسؤول وجيش إسرائيل
كثيرا ما نقرأ في وسائل الإعلام العربية حول إمكانية قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بحرب من أجل التغطية على فضائحه المالية، ونجد إسهابا في المشاهد الحربية المتوقعة، وتحليلات كثيرة حول خطوات سياسية مرتبطة بهموم رئيس الوزراء الشخصية.

فمثلا يتردد الآن في العديد من وسائل الإعلام تحليل حول المقاربة الإسرائيلية غير المباشرة لسوريا لأن أولمرت يريد تحقيق إنجاز يطغى على مجريات التحقيق معه، فتتوه قضيته أمام زخم الدعم الشعبي الذي يمكن أن يحرزه.

وهناك تحليل يقول بأن أولمرت سيخوض حربا الآن ضد حماس أو ضد حزب الله وسوريا أيضا للتغطية على فضائحه ولإيقاف عملية التحقيق.

"
قرار الحرب في إسرائيل لا يتم اتخاذه إلا بتوصية من رئاسة الأركان, ولا يتم اتخاذه لأن رئيس الدولة قد انتهك عرض امرأة، أو لأن رئيس الوزراء قد حصل على وجبة عشاء مجانية
"
جيش إسرائيل ليس جيشا شخصيا يمكن تحريكه أو إيقافه بناء على نزعات شخصية. جيش إسرائيل عبارة عن مؤسسة عسكرية تتحمل مسؤولية أمن إسرائيل ضد الاعتداءات الخارجية وأعمال المقاومة الداخلية، وهو يتصرف وفق أهداف واضحة نصت عليها نظرية الأمن الإسرائيلية، ووفق تعليمات وضوابط مهنية غير خاضعة لأمزجة شخصية.

فلا أولمرت ولا غير أولمرت يستطيع أن يضغط على زر فتنشب الحرب أو تتوقف إن نشبت. وإذا كان أحد يظن أن جيش إسرائيل هو عبارة عن جيش عربي يتحرك وفق مزاج الحاكم هو واهم، وعلينا ألا نقيس الأمور بمقاييسنا نحن.

عبر حروبها الكثيرة ضد العرب، لم أجد أن إسرائيل قد شنت حربا بسبب معايير شخصية أو وفق إرادة شخصية. قرار الحرب لا يتم اتخاذه إلا بتوصية من رئاسة الأركان التي تعكف بدأب وجد على دراسة الأوضاع من مختلف جوانبها جنبا إلى جنب مع المستوى السياسي والخبراء العسكريين، ولا يتم اتخاذه لأن رئيس الدولة قد انتهك عرض امرأة، أو لأن رئيس الوزراء قد حصل على وجبة عشاء مجانية.

الإعلام العربي يغطي على الفساد
تنشط وسائل الإعلام العربية الآن في الحديث عن التحقيق مع أولمرت، لكنها -في أغلبيتها الساحقة جدا- لا تجرؤ على ذكر الفساد العربي لا من قريب ولا من بعيد.

الإعلام الرسمي العربي منشغل دائما في تمجيد آلهة العربان من طغاة واستبداديين وقمعيين وانهزاميين، ومهتم في تزييف الحقائق وتغييب الوعي العربي عن مختلف القضايا العامة.

أما وسائل الإعلام الترفيهية فلا يهمها سوى الرقص والغناء والمجون، وإذا تبقى من بعض الوسائل من يذكر الحقيقة فإنها تسبب أزمات سياسية بين الدول العربية.

فإذا قامت فضائية الجزيرة مثلا بالحديث عن فساد النظام الجزائري أو المصري أو السعودي، فإن أزمة سياسية تنشب بين قطر والدولة المعنية، ويتم إغلاق مكاتب الجزيرة، وتقوم وسائل الإعلام الرسمية بحملة شعواء على فيصل القاسم أو أحمد منصور أو ليلى الشيخلي.

"
الإعلام الرسمي العربي منشغل دائما في تمجيد آلهة العربان من طغاة واستبداديين وقمعيين وانهزاميين، وإذا كان هناك من يجرؤ على الكلام حول فساد القيادات والأنظمة فإنه يذكر ذلك بكلام عام وغير محدد
"
إذا كان هناك من يجرؤ على الكلام حول فساد القيادات والأنظمة فإنه يذكر ذلك بكلام عام وغير محدد. عادة نحن العرب لا نذكر أسماء الأشخاص أو المؤسسات، ونبتعد عموما عن ذكر حاكم الدولة الذي يشكل في العادة زعيم العصابة.

بعض وسائل الإعلام تتخطى الخطوط الحمراء فتذكر الحرف الأول من اسم الفاسد أو اسم عائلته. هذا بحد ذاته عبارة عن تصريح إعلامي بشرعية الفساد أو السكوت عنه.

إعلام العرب لا يتحدث عن فساد وإنما عن أشباح يشار إليهم بضمير الغائب هو أو هم. كأننا نحن جميعا فاسدون ونخشى الكشف عن فساد الآخرين لكي لا يكشفوا عن فسادنا.

يبدو أن المسألة لها علاقة بالتغطية المتبادلة، ونبقى نسلي أنفسنا ببعض العبارات الرنانة التي تخلو من المضمون الأخلاقي العملي. "أنا لا أشير إليك بالبنان مقابل ألا تشير إلي".

البطل يظهر أمام الظالم
ليس من البطولة أن نتحدث عن فساد أولمرت، أو أن نقيم الاحتفالات بفساد قادة إسرائيل لنقول للناس إن الفساد ليس فقط في ديارنا، وإنما البطولة تكمن في مواجهة الظالم بجرأة وشجاعة وبصورة مباشرة.

قال عليه الصلاة والسلام: "إن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر." هل لدينا الإيمان الكافي لندافع عن الأمة وفقرائها ومساكينها ومعوزيها في وجه هؤلاء الحكام الذين ينهبون الأمة ويقودونها من هزيمة إلى هزيمة ومن تخلف إلى تخلف؟ هل لدينا الشجاعة لكي نطالب باستجواب قادتنا كما تفعل إسرائيل؟

عندما نصل إلى الشجاعة المطلوبة فإننا لن نكون بحاجة للاحتفال بالتحقيق مع أولمرت لأننا نكون قد حقفنا تقدما نهزم به إسرائيل.
ــــــــــ
أكاديمي فلسطيني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة