هل تصبح المرأة العربية حصان طروادة؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ توجان فيصل

القول إن نضال المرأة لنيل حقوقها قد أثمر الآن دون غيره من النضالات السياسية الأخرى التي تمس أهم حقوق الإنسان والمواطن, المرأة تماما كما الرجل, هو خداع للنفس. وإذا كنا نريد للمرأة أن تحصل على حقوقها, وكنا, كنساء رياديات, في طليعة من طالب بتلك الحقوق, فإن ما لا نريده هو أن يستلب وعي المرأة ووعي المجتمعات العربية برشة ملح على طبق خاو لتحسين مذاق الجوع الشعبي الكاسح, وجعل الماء وحده هو مطلب المعدة الخاوية.


ترافقت في الإسلام مسيرة إزالة الفروق الطبقية داخل القبيلة بإزالة متزامنة للفروق في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء أي بين قطاعات من نفس القبيلة أو الطبقة وصولا إلى المساواة الإنسانية
معركة كل الحقوق الإنسانية لا فرق بين حقوق امرأة ورجل هي تنازع بين جهة متسلطة وجهة مغبونة، وكل تسلط وكل غبن ذو منابع سياسية, كما أن مصابه كلها سياسية، فلا يوجد حقل إنساني يخرج عن هذه المنظومة الحتمية، ومن يدرس تاريخ الإنسانية منذ العصر "الأمومي" يستنتج أن السلطة السياسية الدينية التعسفية للمرأة هو الذي أدى إلى تمرد الرجال على "الثيوقراط" النسائي ما أدى إلى نهاية العصر "الأمومي", لتنتقل السلطة إلى ثيوقراط ذكوري في العصر الذكوري أو "البطرقي"، فانقلبت الآية وبدأت المعركة من جديد.

وهذا ليس وسما للعلاقة بين الرجل والمرأة على أنها علاقة صراع وعداء, ولكنه إيضاح لطبيعة الصراعات الجماعية والفئوية التي تحكم حركة التاريخ بأبعد مما يعي الأفراد المنخرطون فيها. وحتما بأبعد مما يعي العشاق. وما مأساة قيس وليلى وعنترة وعبلة وروميو وجولييت وعطيل وديمونة, إلا أنهم كانوا إما أفرادا لم يتوافقوا مع حركات الصراع تلك التي تبقى, حتى في مراحل الاستقرار الاجتماعي والسياسي, كالتيارات التي تتحرك تحت سطح البحر مهما بدا ساكنا للناظر وحتى للمبحر فيه أو أنهم كانوا أبطال الصراع.

ولا نجانب الحقيقة إن قلنا إن بعض هذه المآسي التي تحولت إلى مادة "رومانسية" نشأت من اندماج أبطالها, بوعي أو دون وعي, وبقصد محدد أو باختلاط للمقاصد كما يحدث حين تتداخل المشاعر مع الأفكار في الصراع الدائر مباشرة.

وهكذا يفهم جانب من عشق عنترة الممنوع على أنه محاولة الخروج من طبقة إلى أخرى, بينما يفهم قتل عطيل لزوجته على أنه إقرار بالعجز على إلغاء الفروق الأوسع والأعمق بين الفئات المتصارعة, رغم نجاح الاختراق الفردي للطبقة بزواج العاشقين, ورغم قبول أوسع لعطيل من الجسم "العسكري".

ولا يجوز قصر بحثنا في تاريخ الصراع من أجل حقوق المرأة على أديان قديمة بائدة أو على التاريخ والتراث الشعبي أو الأدبي ما دام حديثنا تحديدا عن حقوق نسائنا المسلمات العربيات.

فالإيمان لا يتناقض مع المنطق التحليلي في فهم الأديان ضمن إطار التاريخ ومن أكثر من منظور سياسي واجتماعي. وتاريخ الأمة الإسلامية مليء بمثل هذه الدراسات, لكن موضوع المرأة يبقى هو الأقل حظا, لأسباب تاريخية سابقة على الرسالة الإسلامية ولاحقة لها.

وهنا, ولأغراض هذه المقالة, نود لفت النظر فقط إلى بعض العوامل والأبعاد السياسية للحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة بما يزيد أو يختلف عن حقوقها, لا نقول في "الجاهلية" بل في نطاق مجتمع الجزيرة العربية, والحجاز بالذات, وما ساد هذا المجتمع من حال لحقوق الإنسان في ظل السلطة "الثيوقراطية" القائمة في مكة حينها.

وكما في كل الدعوات الإصلاحية السماوية أو البشرية وكما في كل حركة معارضة يستوجب التصدي للسلطة السياسية حشد الأتباع, ويكون التوجه الأولي للقطاعات المهمشة بدرجات, وهذا ما قام به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ومنهم السيد المسيح عليه السلام الذي وعد المستضعفين في الأرض بأنهم سيرثونها.


استمرار النهج الإصلاحي هو ما يجعل الإسلام دينا صالحا لكل مكان وزمان
وفي تتبع بواكير انتشار الإسلام في مكة نلاحظ وصول الدعوة التي خاطبت حقوق المظلومين على يد سادة مكة من الكفار, إلى قطاع من داخل جسم القبلية (أو القبائل) المتفردة بالسلطة هي قطاع "المرأة".

وكون السيدة خديجة أول من آمن بالرسول له دلالات لا تقتصر على ما توافق عليه الباحثون الذين لم يأخذوا البعد "الجنسوي" في الموضوع, خاصة أن السيدة خديجة كانت امرأة متميزة بحيث يمكن استنتاج رفضها لحالة التهميش الاجتماعي والسياسي للمرأة, وبدليل دورها في دعم الرسول في دعوته, الذي يتجاوز دور الزوجة التقليدي إلى دور "الصحابية". ومثله دور أسماء بنت أبي بكر التي أثبتت الأحداث التالية أنها ليست مجرد ابنة لصحابي كبير أو أم لآخر, وإنما مناضلة وسياسية صلبة أرقت ملوك بني أمية وقادتهم.

وبوعي لهذه الميزة القطاعية لفئات أصحاب الحقوق المنقوصة والمصادرة, التي تتحرك أفقيا ضمن ذات الطبقة الاجتماعية كما عموديا بين الطبقات, أصر الرسول على مبايعة نساء يثرب له وليس فقط رجالها.

وهكذا ترافقت في الإسلام مسيرة إزالة الفروق "الطبقية" داخل القبيلة بإزالة متزامنة للفروق في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء أي بين "قطاعات" من نفس القبيلة أو الطبقة, وصولا إلى المساواة الإنسانية.

ومجمل حقوق المرأة في الإسلام كما الأحكام الأخرى التي أحدثت النقلة السياسية والاجتماعية التي تفرق عهد الإسلام عما سبقه, تدرجت في منح الحقوق كما في إلغاء التمييز, وصولا إلى حالة "قادرة على الاستمرار" كما يقال الآن في مجال التنمية بعد فشل محاولات التنمية القسرية المستعجلة.

واستمرار هذا النهج الإصلاحي هو ما يجعل الإسلام دينا صالحا لكل مكان وزمان, وإن اختار "الثيوقراط " النفعي الذي رسخه مآل السلطة بالقوة لبني أمية (ملوك من سلالة هند بنت عتبة) أن يجمد هذه الآلية وينحو إلى الانتقائية, ثم إلى الإسقاط على الدين وصولا إلى التحريف بإصدار فتاوى لأغراض سياسية.

ومنذ عهد بني أمية وحتى يومنا هذا رأينا الكثير من الإسقاط والتحريف لتبرير قمع واستعباد المرأة تتضافر عليه قوى الدولة والكهنوت على السواء.

فرغم ما يتم ادعاؤه من قبل الأنظمة القمعية في العالم العربي والإسلام المسيس من أن الأخير يشكل رأس حربة المعارضة, فإن حجم التحالف التاريخي بينهما لم يعد خافيا على أحد.

فهذا التحالف من ناحية يبدو حتميا لأن نهجيهما متماثل، فكلاهما يرفض الحوار ناهيك عن مشاركة الآخرين له في السلطة، والامتيازات السلطوية والمالية الاستثنائية لأي فئة لا يمكن أن تتحقق إلا بنزع حقوق قطاعات واسعة من الناس, الأضعف في الحلقة ثم الأقل ضعفا.

والمرأة لعوامل تاريخية معروفة كانت الأضعف, ولهذا وهبتها السلطة السياسية للسلطة الدينية, ثمنا بخسا لغض الأخيرة النظر عن تسلط أوسع على الرجال والنساء تمارسه السلطة السياسية, إضافة لحصتها من استغلال المرأة بشكل خاص, كون السلطتين السياسية والدينية بقيتا ذكوريتين.

وترسخ تحالف الأنظمة العربية مع أهم وأكبر التيارات السياسية الإسلامية على امتداد القرن الماضي, لم يعد مجرد استنباط منطقي نستنبطه من تناغم أيديولوجيات وآليات وسياسات الفريقين, بل إن هنالك الآن كمًّا من الوثائق التي تثبت هذه التحالفات في متناول يد أي باحث.


التجزئة السياسية الجارية للحقوق بين أسرية ونسائية رجالية يجب ألا تمنعنا من تحصيل كل حقوق المرأة والأسرة المشروعة أو المتاحة

ولكن الجديد هو أننا بدأنا نجد عودة عن فتاوى سابقة لم يكن هذا التحالف "الثيوقراطي" يسمح بمعارضتها حتى الآن، ويذكر العالم كيف سهلت العديد من الحكومات العربية منابر صحفية وقضائية رسمية للتشهير بسياسيين ومفكرين ومحاكمتهم بتهم الكفر والردة والهرطقة وهدر دمهم, بادعاء عجز الدولة عن وقف هؤلاء "المتطرفين".

وبالأمس سمعت لأول مرة من أستاذ شريعة على إحدى الفضائيات أن تعدد الزوجات في الإسلام واشتراط الولي عند عقد الزواج أمور ليست محسومة بأحكام شرعية قطعية, لهذا يمكن قبول التعديلات التي أدخلت على قانون الأحوال الشخصية الجزائري بشأنها.

وهذا الأستاذ وغيره (وليس مثلي من رصد الردود على هذا الأمر بالذات) ممن بدأت فتاواهم التقدمية تنهال, لم يتبرع للوقوف معي عندما كنت أخوض معركة ضد التعدد بحالته الراهنة على الأقل لأكثر من عقدين شبه منفردة, أتلقى سهام الكهنوت بمباركة من الساسة, علها تصيب مني مقتلا "سياسيا".

ما نشهده من "فك الارتباط" بين الكهنوت والسلطة في العالم العربي لا يمكن التعويل عليه لأنه يأتي بإملاءات خارجية, أكثر مما يأتي من مخاوف داخلية نمت عند الأنظمة بتنامي نفوذ الكهنوت غير المحسوب, وبتغير قياداته وولاءاته الفعلية مع سقوط مصداقية القيادات التقليدية ذات الصلة والحظوة مع السلطات الحاكمة.

وما نشهده من اندفاع الأنظمة العربية لتعديل قوانين متعلقة بالمرأة, بحماس يصل حد التهور الذي كثيرا ما أفقد التعديلات المطروحة الدعم الشعبي أو حتى المردود الإيجابي عند التطبيق (مثال قوانين الكوتا في البرلمان والخلع والشرف, والأخيران وقف ضدهما ثلثا العضوات المعينات بالكوتا) لا يؤشر على نقلة نوعية من الحكومات باتجاه حقوق الإنسان, لا لأن هذه أيضا تأتي بإملاءات خارجية بل لأنها تتزامن مع خروق لحقوق إنسانية ومواطنية أهم وأخطر, وتقدم بديلا عن تلك الحقوق أو اجتزاء لها أو للتغطية عن انتهاكات أفدح!


الحقوق أمر لا يتجزأ والتاريخ هو قصة حرب الإنسان من أجل حقوقه، وكل من ينتهك هذه الحقوق هو الخصم يتساوى في هذه الصفة المحتل مع الحكومات الغاشمة مع المشرعين الفاسدين
وآخرها الذي قامت به الجزائر من إعطاء المرأة حقوقا مقابل الزوج والأب والولي, الذي ليس صدفة أن يتزامن مع اعتداء غير مسبوق على جميع الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية للمعارضة وللصحفيين الذين يكشفون الفساد بالذات, أي الذين يدافعون عن حقوق الفئات الضعيفة, وفي مقدمتهم المرأة والطفل, في الغذاء والدواء وكل الخدمات الأساسية التي لا تتحقق دونها سلامة الإنسان "كحيوان", ناهيك عن إنسانيته التي تتطلب الحرية والكرامة.
وحيثما وبقدر ما تعلو شعارات إشراك المرأة "وتقويتها" في العواصم العربية, تتصاعد ممارسات إضعاف الأمة عن طريق نهب مواردها المالية وقتل مواردها المعنوية المتمثلة في إنسانها.

الحقوق أمر لا يتجزأ, والتاريخ هو قصة حرب الإنسان من أجل حقوقه. وكل من ينتهك هذه الحقوق هو الخصم, يتساوى في هذه الصفة المحتل مع الحكومات الغاشمة مع المشرعين الفاسدين.

ونحن لسنا ضد تحصيل أي حق, وبغض النظر عمن يأتي به، والتجزئة السياسية الجارية للحقوق بين "أسرية" ونسائية رجالية, يجب ألا تمنعنا من تحصيل كل حقوق المرأة والأسرة المشروعة أو المتاحة.

ولكن ما يجب أن نعيه ونرفضه هو أن نقبل بتواطؤ الحكومات مع أميركا والغرب عموما على المفاضلة باسمنا بين حقوقنا, ومبادلة حقوق الأمة والمواطنة وحقوق الإنسان بعمومها, بفتات من حقوق قطاعية فيما بيننا نحن المقهورين آباء وأبناء وزوجات وأزواجا.

فهل تدرك المرأة العربية التي "ستقويها" وتؤهلها بشكل أفضل حتما هذه الحقوق الجديدة, أن عليها توظيف قوتها المتزايدة لتحصيل حقوق أمتها, نساء ورجالا من كل غاصبيها، لا أن تكون "فرس" طروادة, يمتطي ظهرها العدو, وتلد له الغاصبين.
ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة