زاهدان انقسام الثورة وأقاليم إيران   
الأربعاء 1431/8/17 هـ - الموافق 28/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)


ثورات الأقاليم الحقوقية
الأقاليم السنية وواشنطن
الاعتراف بمأزق الطائفية

إنّ تفجير زاهدان الكبير مؤخرا وبضحاياه المدنيين هز أركان العلاقة بين طهران وأقاليمها بصورة لم يسبق لها مثيل وأثار أسئلة كبرى عن مستقبل هذه العلاقة وبناء النظام الإيراني وسياساته مع الأقليات المذهبية والقومية.

ويعيد هذا الحدث علاقة طهران مع البلوش بعد حادثة مقتل قيادات من الحرس الثوري في يونيو/حزيران 2009 أعقب ذلك عملية إعدام فوري لثلاثة من منتسبي المنهج السلفي السُنّي بحسب المصادر الإيرانية دون أي إجراء لمحاكمة فعلية أو تحقيقات عدلية وأخذ مجراها القانوني.

وتزامن ذلك الحدث في حينه مع اقتحام أحياء بلوشية سُنية من خلال جماعات مدنية مسلحة من مناطق التوطين المستقدمين إلى زاهدان قاموا بقتل انتقامي عشوائي للمدنيين البلوش السُنّة وإحراق عدد من محلاتهم في وضوح للدعم الأمني الرسمي الذي صاحب هذا الهجوم وإن لم تعترف به طهران، وأشارت إلى أنها مصادمة بين أحياء البلوش وأحياء الفرس في المدينة وهو ما تكرر بعد الحادث الجديد لمسجد زاهدان مؤخرا بحسب إعلان السلطات الإيرانية وسقط أيضاً عدد من الضحايا في الاصطدام الطائفي.

ثورات الأقاليم الحقوقية
"
رغم الحملة الإعلامية الضخمة لاستثمار حملة الحصار الأميركي لرص بناء النظام داخل ديمغرافيته الاجتماعية المذهبية ومن ثم التقدم بقوة لسحق قوى المعارضة الإقليمية والحقوقية المذهبية إلاّ أنّ النتيجة كانت فشلاً كبيرا لهذه الحملة
"
وأهمية استذكار الحادث القديم هو التأكيد على أنّ بدء المواجهات العسكرية منذ ذلك التاريخ مع الجماعات المعارضة المسلحة والتي تطالب بالحقوق السياسية والمذهبية في مناطق تواجدها لم يكن إلاّ مقدمة لدورة تاريخية جديدة تدخلها الجمهورية الإيرانية في وقت حسّاس ودقيق لوحدتها الثورية والإقليمية, وأن دلالات هذه القضية لها أبعاد سياسية ومذهبية كبيرة رغم محاولات طهران النفي المستمر لها, وقبل أن نبدأ بالتحليل السياسي ومستقبل الصراع بين طهران وإقليم بلوشستان نؤكد على موقفنا الثابت بإدانة أي عمل يستهدف المدنيين من أي طائفة كانت ووفقا لأي صراع ورفضا لأي تبرير, لاستهداف المنشآت الدينية والمدنيين.

وكان حادث تفجير المسجد الذي يؤمه عدد من ضباط وأفراد الحرس الثوري قد أعاد الربط مجدداً بين إعدام عبد المالك ريغي -قائد جماعة جند الله البلوشية- ومجمل ملف الصراع بين هذا الإقليم وبين القومية الرئيسية للحكم المركزي المتمثلة بخليط من إثنية الفرس والأذريين الشيعة، مع وجود صراعات إقليمية ومذهبية أخرى في أقاليم الجمهورية الإيرانية لا تزال تشكل مناطق توتر خطير بين طهران والأقليات المذهبية والعرقية الأخرى كإقليم الأحواز الذي احتلته الإمبراطورية الإيرانية عام 1925 والذي يُطالب فيه العرب شيعة وسنة بالحكم الذاتي منذ عقود وبعضهم لجأ إلى حمل السلاح والمطالبة بحق تقرير المصير وكذلك كردستان الإيرانية ذات الغالبية السنية الكبرى.

وأمام تفاقم هذه الصراعات والمطالب الحقوقية تبرز حالة انقسام تاريخي داخل القاعدة الشعبية للثورة الإيرانية التي تُشكّل هيكل وكوادر النظام الديني السياسي في الجمهورية الإيرانية, إذ إنّ المعارضة الإصلاحية داخل النظام الديني وحركة اليسار الديني وحركة اليسار الاشتراكي كُلّها تتشكل غالبيتها من هذه القاعدة القومية –التحالف الأذري الفارسي– وعليه فإن حالة إظهار الوحدة الوطنية من قبل مؤسسة الحكم التي يقودها السيد علي خامنئي لا تنطبق على واقع الجمهورية لا في داخل بناء النظام ولا في علاقة المركز مع الأقاليم, ورغم الحملة الإعلامية الضخمة لاستثمار حملة الحصار الأميركي لرص بناء النظام داخل ديمغرافيته الاجتماعية المذهبية ومن ثم التقدم بقوة لسحق قوى المعارضة الإقليمية والحقوقية المذهبية إلاّ أنّ النتيجة كانت فشلاً كبيرا لهذه الحملة.

بل حصل العكس فحالة الانشقاق الداخلي لم تتغير داخل النظام ومع قدرة السيطرة الأمنية الحادة على لجم التحالف اليساري من الشارع بالفعل إلا أنها كانت حالة هشّة من الاستقرار مقابل تباين أيديولوجي وسياسي ضخم بين المعارضة وفريق المحافظين مما يُصعّب وضع المركز في مواجهات ثورات الأقاليم الحقوقية السياسية والمسلحة.

الأقاليم السنية وواشنطن
كان أقوى موقف إدانة لحادث تفجير زاهدان وأسرعه صادراً من الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته وكان من المتوقع أن لا تتقبل طهران هذا الموقف وتعتبره غير صادق لسبب تاريخي وإعلامي وسياسي مهم جداً للجمهورية الإيرانية والذي يعتمده خطابها الإعلامي أمام الداخل الإيراني وبالذات في الأقاليم غير الشيعية وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي والذي يُجسّد دائماً التأكيد على انتفاء أي نوع من الالتقاء المصلحي أو موقف أو رؤية موحدة بينها وبين واشنطن برغم ما جرى في العراق وأفغانستان إذ إن هذا الإقرار بالتقاطع ولو النسبي يُعرّض طهران إلى فقدان قاعدة التبشير الإعلامي المركزية لصورة الثورة.

"
محاصرة تمرد الأقاليم السنية لا يدخل بالضرورة في فلسفة التقسيم الاستعمارية لواشنطن لأنّها قد تتوحد بعد ذلك في سياق مركزي يهدد مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي وأنّ دعم إيران في تعزيز قبضتها الأمنية أكثر أماناً لواشنطن من فتح أبواب تلك الثورات
"
ومع أنّ تدخل المخابرات الأميركية لاختراق أي جماعة أو دعمها لتعزيز برنامج صراع المصالح مع الجمهورية الإيرانية أمرٌ وارد إلا أنّه في حالة عبد الملك ريغي وجماعة جند الله كان مختلفاً, فتسليم ريغي الذي مرّ عبر تعاون بين اطلاعات الإيرانية والمخابرات الأميركية كان ضمن تصور إستراتيجي للأميركيين في المنطقة وهي قناعتهم بأن ثورة الأقاليم السُنيّة وخروجها المُطلق عن الجمهورية الإيرانية يُدخل المنطقة في دوامة وإعادة تشكيل تعطي دلائل سيناريو مفزع للمصالح الأميركية في آسيا الهندية ومنطقة الخليج العربي, خاصةً مع تقدم طالبان الزاحف والتمرد البشتوني في باكستان إضافة إلى ثورة البلوش الباكستانيين وميلهم إلى التخلص من نمط الحكم المركزي الحالي وبالذات بقيادة زرداري وتحالفه المطلق مع البرنامج الأميركي.

من هنا نفهم أنّ محاصرة تمرد الأقاليم السنية لا يدخل بالضرورة في فلسفة التقسيم الاستعمارية لواشنطن لأنّها قد تتوحد بعد ذلك في سياق مركزي يهدد مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي وأنّ دعم إيران في تعزيز قبضتها الأمنية أو على الأقل في ضبط هذا التمرد أكثر أماناً لواشنطن من فتح أبواب تلك الثورات.

الاعتراف بمأزق الطائفية
رغم كل الدلائل القوية والمتواترة التي أضحت متداولة في الإعلام وتدعمها تقارير حقوقية وشهادات واسعة عن حالة الشعوب السنية في الأقاليم الإيرانية وأنّها الأكثر اضطهاداً في منطقة الخليج العربي من حيث الاختلاف الطائفي بين الغالبية والأقلية، إلاّ أنّ طهران تُصّر على النفي المطلق بل وتعلن أنه لا مظالم بالمطلق لدى شعوب الأقاليم السنية, وهي قضية تخسر فيها طهران وتُعمّق الأزمة وتوسّع مدارها.

وكان لافتاً في حوار مذيع الجزيرة محمود مراد مع السيد مهتدي رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط الذي تنتدبه طهران دائماً للدفاع عن مواقفها وأوضاعها الداخلية مدى الحرج البالغ للأخير حين أصّر على نفي أي حالة مظلمة حقوقية أو مذهبية, فسأله المذيع عن القرار المركزي الذي تتناقله كل الحكومات الإيرانية بمنع أي مسجد لأهل السنة في طهران وهو ما لا يتكرر مثيله عالميا حيث كان في الفاتيكان ثم وافقت على بناء مسجد وكان في أثينا التي مثلت قلب التعصب المسيحي ووافقت أيضا على مسجد مؤخراً وبقيت طهران على مستوى العالم تمنع بقرار رسمي أي بناء لمسجد سني يحتاجه الملايين من سكان إيران.

إنّ هذه القضية إنما ترمز فقط للمشهد الواقعي الذي يحمل الكثير من احتقان الشارع السني في العديد من الأقاليم ولم تفلح المحاصرة الإعلامية من إخفاء هذه الحقائق التي تحمل صوراً متعددة من المظالم المذهبية والاقتصادية والسياسية.

والطريق الذي يكفل للجمهورية الإيرانية الاستقرار هو فتح باب الحوار السياسي مع شعوب هذه الأقاليم التي اغتيل العديد من رموزها الدينية في فترة الثورة وبدء حركة تصحيح لحقوقها المذهبية والسياسية والإدارة الذاتية, وحين تُعالج المظلوميات التاريخية سيكون بالإمكان بعد ذلك محاصرة أعمال العنف وسحب تأثيرات توترات المنطقة على الداخل الإيراني, خاصةً وأن الثورة الإيرانية ومنذ انطلاقتها في 1979 تعيش حالة غليان داخلها لم تشهد له مثيلا مقابل تزايد شعبية اليسار وحركة التمرد, في حين مارست الجمهورية الإيرانية في العراق وأفغانستان ومنطقة الخليج العربي برنامجاً ضخماً لشق الصف الوطني وإثارة النعرات المذهبية وربطها بطهران وتقديم الولاء الطائفي على أي استقرار وطني.

هذه الحالة من الحراك الضخم والمتعدد في تحريك الجماعات المذهبية والتفريق بينها وبين جسمها الوطني في المنطقة كان متوقعاً أن يرتد داخل الأقاليم الإيرانية, وأن المخرج هو ذات قواعد العدالة التي تحاول طهران الهروب من التزاماتها في الداخل وتنصح بها الآخرين مع تدخل مباشر خارجها سمم أجواء المنطقة, فهذه القواعد في العدالة هي المنقذ لأي دولة من مخاطر تحريك الهيجان الطائفي سواء كانت حالة ثورة ذاتية أو تشجيعا خارجيا, ولن تستطيع طهران أنّ تطمر هذه الفجوة بعشرات القنوات الإعلامية والدعائية.

"
لم توفق إيران في ضبط خطابها الطائفي وهو ما يؤكّد حاجة الثورة إلى إعادة صياغة سياساتها وتعاملها المذهبي بتغيير واقعي لا علاقات عامة وخاصة في الداخل الإيراني
"

إن إصرار طهران على تعميق الخطاب الطائفي والذي تمثّل أخيراً ببرامج متعددة في قناة الكوثر والعالم بل إنّ موقع قناة العالم على شبكة الإنترنت أصبح مقاربا للمواقع الطائفية وينقل عنها باستمرار تجاذبات طائفية سخيفة, وكان لافتاً تبني إساءة الشيخ التسخيري بعد فشله للإمام القرضاوي من قبل موقع قناة العالم رغم أنّ العلامة القرضاوي والاتحاد اختاروا شخصية معتمدة من قبل طهران كنائب لرئيس اتحاد العلماء المسلمين رغم المناشدات الشيعية والسنية الكبيرة لاختيار أحد علماء التشيع العلوي الذين يحملون موقفا معتدلا من الجيل الأول، لكن القرضاوي رأى أنه يجب أن يستمر التمثيل الإيراني في الاتحاد حتى لا يتعمّق الخلاف في مثل هذا الوقت الذي أعلن فيه القرضاوي وقطاعات سنية عديدة رفضهم القاطع لأي عمل عسكري يُتحدث عنه ضد إيران.

رغم كل ذلك لم توفق إيران في ضبط خطابها الطائفي وهي لغة حسّاسة تنعكس على ملفاتها الداخلية وعلاقتها الإقليمية وهو ما يؤكّد حاجة الثورة إلى إعادة صياغة سياساتها وتعاملها المذهبي بتغيير واقعي لا علاقات عامة وخاصة في الداخل الإيراني، في وقت تتصاعد فيه الأحداث والمشاعر والتدخلات الدولية, ولربما هذه المرحلة هي فرصة الزمن الأخير للتصحيح بين المركز الإيراني وأقاليمه, فالمستقبل غامض وخطير والتقسيم لا يمكن أن يجري إلا إذا أشعل الداخل وهو ما تقوم به حكومة السيد نجاد فمن المسؤول عن المصير المجهول؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة