هيلاري كلينتون.. سيدة القصر الحديدية   
الخميس 1429/1/10 هـ - الموافق 17/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:25 (مكة المكرمة)، 6:25 (غرينتش)


علاء بيومي

عندما يطغى العقل على القلب
المرأة الحديدية
سيدة القصر
معضلة القوة المفرطة
هيلاري والشرق الأوسط

هل من الممكن أن تتحول النعمة إلى نقمة والقوة إلى مصدر ضعف؟ وهل من الممكن أن تتحول مظاهر القوة السياسية المتعددة إلى لعنة تطارد صاحبها وتحد من طموحه السياسي؟ وهل يحتاج السياسي إلى الخبرة والذكاء بقدر حاجته إلى الكاريزما وموهبة الفوز بإعجاب الجماهير وتعاطفهم؟.

أسئلة مهمة تتردد بكثرة في وسائل الإعلام الأميركية والدولية عند تغطيتها لأخبار حملة السيناتور هيلاري كلينتون سيدة البيت الأبيض السابقة وعضو مجلس الشيوخ الراهنة والساعية للفوز بترشيح حزبها الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية (نوفمبر/تشرين الثاني 2008) في مواجهة مجموعة من ذكور الحزب الأشداء يتقدمهم السيناتور باراك أوباما ذو الكاريزما والقدرة الطبيعية على الحديث المسترسل الذي يخلب الأذهان، والسيناتور السابق جون إدواردز الذي يصفه البعض "بولد الحزب الديمقراطي الذهبي" لما يتميز به من وسامة في الملامح تجعله أشبه بفتيان السينما الأميركية بالإضافة إلى ذكائه الحاد ولكنته الجنوبية وتركيزه على قضايا الداخل الأميركي.

"
كلينتون لم يجد غضاضة في الاعتراف بدور هيلاري في رئاسته، معتبرا أن أميركا عندما اختارته رئيسا لها اختارت معه رئيسة ثانية وهي هيلاري مع فارق واحد، وهو أن أميركا تدفع راتب رئيس واحد
"
عندما يطغى العقل على القلب

مصادر قوة هيلاري المولودة في عام 1947 عديدة وقديمة تعود إلى شخصيتها ومواهبها الفطرية، فهي تنحدر من أسرة متوسطة الحال تمكنت بذكائها وعملها الدائم ورغبتها في التحدي وإثبات نفسها كامرأة قادرة على التفوق على أقوى الرجال، من التقدم الدراسي والنشاط السياسي في سن مبكرة في دوائر الحزب الجمهوري الذي مالت إليه في البداية بحكم طبيعة أسرتها المحافظة.

لقد تمكنت كلنتون من قيادة النشاط الطلابي كطالبة جمهورية في بداية دراستها الجامعية، ثم قررت ترك اليمين والتوجه لليسار تماشيا مع قناعاتها الشخصية وخبرتها الذاتية في عصر ثورة الحقوق المدنية الأميركية، كما غذت أفكارها بتجارب سياسية من خلال المشاركة في الحملات السياسية والرئاسية في عمر صغير.

ولذا لما طلب منها إلقاء خطاب التخرج بجامعتها كأول طالبة يطلب منها ذلك نال خطابها اهتماما إعلاميا كبيرا بعدما صفق لها الحضور سبع دقائق متواصلة إعجابا بخطابها الجريء الذي تضمن انتقادات لاذعة لسيناتور أميركي تحدث قبلها في الحفل الجامعي.

وبذلك بنت هيلاري نفسها منذ البداية كأنثى حديدية ترنو إلى أعلى المناصب وإلى منازلة أقوى الرجال.

وسرعان ما التحقت هيلاري بدراسة القانون بجامعة يال الأميركية حيث تميزت بأبحاثها في مجال الدفاع عن حقوق الأطفال التي أصبح بعضها مراجع قانونية مهمة، كما التحقت بوظائف قانونية مهمة بواشنطن.

لذا لما عرض بيل كلينتون عليها الزواج رفضته أكثر من مرة لأنها كانت تريد التركيز على مستقبلها بواشنطن، ويقال إن كلينتون لم يمل من تكرار عرضه.

وفي إحدى المرات تزامن عرضه مع فشل هيلاري في اجتياز امتحان الحصول على رخصة ممارسة المحاماة بالعاصمة الأميركية واشنطن، وهي صدمة أفقدت هيلاري توازنها ودفعتها لإعادة التفكير في حياتها، ورأت أنها اعتادت تغليب عقلها على قلبها باستمرار، وأنها في حاجة إلى أن تنصت إلى قلبها وتسير وراءه ولو مرة، وفي تلك اللحظة قررت هيلاري الزواج من بيل كلينتون.

المرأة الحديدية
زواج هيلاري رودهام من بيل كلينتون لم يلغ عقلها، فقد استمرت في عملها كمحامية عندما كان يعمل بيل حاكما لولاية أركانساس، ويقول البعض إن راتبها في تلك المرحلة كان يفوق راتب زوجها بأضعاف.

وقد اختيرت في تلك الفترة بوصفها واحدة من أفضل 100 محام على مستوى الولايات المتحدة، كما أنها صبرت على نزوات زوجها العاطفية المتكررة.

خلال فترة حكم بيل كلينتون لأركانساس تعرض لاتهامات مختلفة بإقامة علاقات جنسية غير مشروعة، ويقال إن هيلاري ضاقت كثيرا بتلك الاتهامات وفكرت أحيانا في الطلاق ولكنها غلبت عقلها على قلبها وفضلت الاستمرار في زواجها مما حير الكثيرين.

ومن المعروف أن هيلاري تقدم نفسها كامرأة متحررة ومناصرة لحقوق النساء تطالب بمساواة المرأة مع الرجل وترفض معاملة المرأة أو الزوجة غير العادلة، لذلك لم يفهم أحد كيف ترضى لنفسها الحياة مع رجل كثير النزوات مثل بيل كلينتون، بل كيف أنها غطت على تلك النزوات إلى حد سعيها إلى تقويض حجج النساء اللاتي اتهمن زوجها، والظهور معه أمام عدسات الكاميرا للدفاع عنه، حتى بعد اعترافه بإقامة علاقات غير شرعية في فضائح شغلت أميركا والعالم كفضيحة مونيكا لوينسكي.

ويقول البعض إن هيلاري صبرت في البداية لأنها لم تكن تريد أن تتحمل عبء تربية ابنتهما الوحيدة تشيلسي المادي والمعنوي وحدها وهو تفسير تقليدي، غير أن البعض يرى أنها حافظت على زواجها لطموحها السياسي، وحتى لا يؤثر الطلاق على تطلعاتها وأهدافها المستقبلية.

وهنا يتهم البعض هيلاري وبيل كلينتون بأنهما سعيا للسيطرة السياسية منذ البداية وللعودة للبيت الأبيض مرة أخرى تحكم فيها هيلاري، ولم لا، فقد يرى كثيرون أن هيلاري لم تكن زوجة رئيس عادية، بل كانت بمثابة شريكة له في الحكم، وتولت قيادة مبادرات سياسية مهمة مثل خطة التأمين الصحي التي سعت لترويجها في أوائل ولاية بيل كلينتون الأولى وإن فشلت.

ويشير البعض إلى أن كلينتون لم يجد غضاضة في الاعتراف بدور هيلاري المهم في رئاسته معتبرا أن أميركا عندما اختارته رئيسا لها اختارت معه رئيسة ثانية هي هيلاري، مع فارق واحد وهو أن أميركا تدفع راتب رئيس واحد فقط للرئيسين، حتى إن بعض الصحفيين اعتادوا على تسميتهما بالرئيس "بيلاري".

وقبل نهاية رئاسة بيل كلينتون رشحت هيلاري نفسها لعضوية مجلس الشيوخ عن إحدى أهم الولايات الأميركية (نيويورك)، وفازت بالمنصب مرتين متتاليتين حتى الآن.

ونجحت في المرتين في جمع تبرعات ضخمة، وفي إنفاق أموال سياسية هائلة للفوز بالمنصب مرتين، إلى الحد الذي أغضب مسانديها قبل معارضيها بسبب يدها السياسية الثقيلة في انتخابات باتت محسوبة لها خاصة في ولايتها الثانية.

وخلال فترة خدمتها بمجلس الشيوخ الأميركي شاركت هيلاري في عضوية لجان مهمة مثل لجنتي القوات المسلحة والميزانية، وباتت من أهم قادة ورموز الحزب الديمقراطي بالولايات المتحدة.

"
صورة المرأة الحديدية والمتشددة على ساحة الأمن القومي في عصر الحرب على "الإرهاب" أفقدت هيلاري تعاطف القوى المعارضة للحرب والتي تمثل بعض أهم قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية في الفترة الحالية
"
سيدة القصر

وعندما دخلت هيلاري سباق الرئاسة الأميركية 2008 حملت معها جعبة مليئة بالأسلحة وموارد القوة السياسية الفتاكة، فهي الأكثر جمعا للتبرعات بين المرشحين الديمقراطيين، والأكثر شهرة، والأكثر حظوظا بالفوز في الانتخابات وفقا لاستطلاعات الرأي المختلفة.

وبجوارها يقف أهم زعيم ديمقراطي بالولايات المتحدة بيل كلينتون الذي شفي نسبيا من أمراض القلب التي منعته من النشاط السياسي المكثف خلال موسم انتخابات عام 2004 الرئاسية، ومن خلفه يقف عدد كبير من مستشاريه ومسانديه وحلفائه السياسيين الأقوياء، فهو كان ومازال أهم عقل بالحزب الديمقراطي الأميركي خلال السنوات الأخيرة.

وتدخل هيلاري سباق الانتخابات الرئاسية بسنوات خبرتها في القصر أو البيت الأبيض، حيث يقال إنها زارت أكثر من تسعين دولة عندما كانت سيدة أميركا الأولى، كما تتسلح بمواقف سياسية متوازنة تضع نصب عينيها الفوز بالرئاسة أولا ثم الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي ثانيا.

وهذا الأمر مثير للدهشة إذ يرى البعض أن هيلاري تبنت منذ البداية مواقف أميل للوسط واليمين مقارنة باليسار، خاصة على مستوى السياسة الخارجية حين ساندت قرار حرب العراق ورفضت الاعتذار عن ذلك، وساندت التراجع الأميركي عن نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، ونادت بزيادة قوات الجيش الأميركي وتسليحه، وتشددت ضد إيران بتصويتها على قرار يعتبر "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية وهو قرار رفضه أوباما وإدواردز.

وهذه كلها مواقف أقرب إلى اليمين منها إلى اليسار، ويقول البعض إن هيلاري فعلت ذلك لأنها سيدة تريد أن تظهر بمظهر القوة في مواجهة مرشحين من الذكور، أو لأنها تريد أن تسحب بساط القوة والتشدد من تحت أقدام الجمهوريين في عصر الحرب على "الإرهاب"، أو لأنها لم تكن مشغولة منذ البداية بإرضاء القواعد الليبرالية واليسارية للحزب الديمقراطي التي تضع قضية حرب العراق على قمة أولوياتها بقدر ما حرصت على إعداد نفسها للفوز بالرئاسة الأميركية في مواجهة الجمهوريين في نوفمبر/تشرين الثاني 2008.

معضلة القوة المفرطة
مظاهر القوة العديدة السابقة أضرت بهيلاري في سباق الرئاسة الحالي كما يرى البعض وأدت إلى خسارتها أمام أوباما في انتخابات ولاية أيوا التمهيدية، وهي خسارة عوضتها في انتخابات ولاية نيوهامبشاير التي فازت فيها، مجددة آمالها في الفوز بترشيح الديمقراطيين للرئاسة الأميركية.

وفي تفسيرهم لأسباب خسارة هيلاري في أيوا يشير العديد من المحللين إلى مظاهر القوة السابقة وكيف أضرت بهيلاري، فوجود بيل كلينتون ومستشاريه وراءها جعلها تظهر كملكة على وشك أن تورث عرش الجمهورية الأميركية.

كما أن وجود بيل بجوارها يذكر الناخبين بقدراته الخطابية الفائقة وابتسامته وقدرته على كسب تعاطف مستمعه وقلوبهم، وهي قدرات تفتقر إليها هيلاري التي تخاطب العقول لا القلوب والتي لديها كثير من الخصوم السياسيين.

كما أن صورة المرأة الحديدية والمتشددة على ساحة الأمن القومي في عصر الحرب على "الإرهاب" أفقدتها تعاطف القوى المعارضة للحرب والتي تمثل بعض أهم قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية في الفترة الحالية.

"
هيلاري أيدت جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل، وانتقدت قرارات محكمة العدل الدولية الرافضة له، كما عارضت نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وطالبت بتدخل الدول العربية لتأييد قيادة فلسطينية تساند عملية السلام القائمة على اتفاقات أوسلو
"
هيلاري والشرق الأوسط

معضلة المرأة الحديدية تنسحب على مواقف هيلاري تجاه الشرق الأوسط أيضا، ففي عام 1998 حظيت باستقبال حافل من قبل سهى عرفات زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الأرضي الفلسطينية المحتلة، وهي زيارة عرضت هيلاري لسخط اللوبي الموالي لإسرائيل في أميركا الذي عارض مواقفها المساندة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

وعندما دخلت هيلاري السباق على عضوية مجلس الشيوخ الأميركي في العام التالي رأى البعض أنها أعادت صياغة مواقفها المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي سعيا لكسب ود لوبي إسرائيل في نيويورك وعبر أميركا.

وقد أعلنت تأييدها لاعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، كما طالبت بنقل السفارة الأميركية إلى هناك، وركزت على نقد مناهج التعليم الفلسطينية باعتبارها تنشر الكراهية وتعلم الأطفال الفلسطينيين كراهية الإسرائيليين، مطالبة بمراقبة ومكافحة خطاب "العداء للسامية" في أوساط الفلسطينيين.

وقد أصبحت هيلاري ضيفة مهمة ودائمة على مؤتمرات لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (الإيباك) السنوية –وهي أكبر منظمات لوبي إسرائيل- حيث سعت في خطاباتها هناك إلى التأكيد على أن علاقة أميركا بإسرائيل تقوم على إيمانهما بقيم مشتركة كالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأيدت هيلاري جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل، وانتقدت قرارات محكمة العدل الدولية الرافضة له، كما عارضت نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وطالبت بتدخل الدول العربية لتأييد قيادة فلسطينية تساند عملية السلام القائمة على اتفاقات أوسلو بما يضمن الوصول إلى اتفاق نهائي.

كما أكدت هيلاري أنها تسعى للحوار المباشر مع نظم معادية كإيران بهدف معرفتها من الداخل ومعرفة كيف تمكن "هزيمتها".
_______________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة