شهادة هاني مجاهد.. "المؤامرة" على المحك   
الجمعة 1436/8/18 هـ - الموافق 5/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:37 (مكة المكرمة)، 17:37 (غرينتش)
فيل ريس

يبدو أن هوليود وكثيرا من مواقع الإنترنت مهووسة بالمؤامرات، كما أن رفوف المكتبات تئن تحت وطأة نصوص كرست لإثبات أن مجموعة من الرجال والنساء يقبعون في غرف تلفها سحب الدخان المتصاعد من السجائر المحترقة جلسوا يرسمون مصائرنا. لقد قتلوا كينيدي، واغتالوا الأميرة ديانا، وربما مثلوا النزول على سطح القمر داخل ستوديو في مكان ما قرب مدينة لوس أنجلوس.

يمكن للمرء أن يعتبر شهادة هاني مجاهد مجرد مؤامرة من هذه المؤامرات، فكيف يمكن لرأس دولة -الرئيس السابق علي عبد الله صلاح- أن يكون قد عمل مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بل وعرض عليه الدعم المالي وهو مصنف غربيا باعتباره منظمة إرهابية؟

كل من قابلتهم من ضباط المخابرات والأمن السابقين كانوا -بلا استثناء- يسخرون من فكرة وجود أيد خفية، فهم يفضلون اعتبار أن العثرات والهفوات في المجال السياسي الكوني أكثر طغيانا من المؤامرة.

لقد عرف عن صالح مهاراته في إدارة الصراع بين فصائل مختلفة تتنافس على النفوذ داخل اليمن، بل كان هو الذي صاغ تعبيرا يصف من خلاله المهارات التي يحتاج إليها المرء كي يبقى على قيد الحياة رئيسا لليمن، فقد قال إن ذلك يشبه الرقص على رؤوس الأفاعي

وهم في الأغلب محقون، ولا أدل على ذلك من أن تاريخ العالم إنما يتشكل من أحداث لا تملك دولة واحدة أو كيان واحد التحكم في مجرياتها. لا توجد زمرة من زعماء العالم تجتمع في فيلا فاخرة أو في منتجع جبلي وتقوم سرا بحسم مسار مستقبل الحياة على ظهر كوكبنا.

ولكن مع ذلك، لا غرو أن ضباط المخابرات يلقنون فنون الخداع، ويدربون على إتقان الكذب، كما أن القيام بالعمليات السرية جزء أساسي من متطلبات مهنتهم.

وبالفعل كانت خديعة "الراية الزائفة" ممارسة تقليدية في الحروب البحرية، حيث كانت ترفع سفينة حربية ما راية غير الراية التي تميزها في المعارك حتى تستدرج سفينة معادية، فما إن تصبح تلك السفينة في مرمى نيرانها، حتى تنزل السفينة المخادعة الراية المزيفة وترفع رايتها الحقيقية وتطلق النيران على السفينة المستدرجة.

أصبح مصطلح "الراية الزائفة" يستخدم في الزمن المعاصر لوصف عملية عسكرية سرية تقوم بها دولة ما ثم تتهم بها دولة معادية لها، والغرض من مثل هذا الخداع هو توفير مبرر لتدخل عسكري أشمل.

واحد من أكثر النماذج تفصيلا للتكتيكات الحربية والتفكير العسكري الذي يقف وراء عمليات "الراية المزيفة" هو ما كشفت عنه وثائق وزارة الدفاع الأميركية من العام ١٩٦٣ والتي جرى رفع الحظر المفروض عن تداولها مؤخرا.

كانت عملية "نورثواد" عبارة عن مجموعة من الخطط التي حيكت لافتعال سبب مباشر يبرر للولايات المتحدة غزو كوبا. وكان من المقترحات التي شملتها الخطط افتعال عملية خطف طائرة ركاب أو حتى إسقاطها بصاروخ، وإغراق سفينة أميركية أو قارب مليء بالمهاجرين الكوبيين وإحداث تفجير داخل الولايات المتحدة ينسب إلى "إرهابيين" كوبيين مزعومين.

وكانت الفكرة من كل ذلك هي اتهام الحكومة الشيوعية وقتها برئاسة فيدال كاسترو بالقيام بأعمال عدوانية ضد الولايات المتحدة التي يصبح من حقها -بناء على ذلك- غزو بلاده وإسقاط نظامه. إلا أن أيا من هذه الخطط لم يجر تنفيذها، ولعل ذلك ما سمح برفع الحظر عن تداول ونشر الوثائق الخاصة بها.

ولعل من ضمن الأمثلة الأحدث على عمليات "الراية الزائفة"، ذلك القصف الذي تعرضت له مجموعة من الشقق الروسية عام ١٩٩٩. لقد أودى الهجوم الذي شن على مجمعات الشقق بحياة قرابة ٣٠٠ شخص وأقحم البلاد في أزمة خطيرة. يقال الآن إن الهجمات إنما كانت بتنسيق من قبل جهاز الأمن الروسي "أف.أس.بي" بهدف كسب الدعم الشعبي للحرب الشاملة التي شنت بعد ذلك على الشيشان، ولرفع شعبية فلاديمير بوتين الذي كان رئيس وزراء روسيا في ذلك الوقت.

كان التحقيق في الحادث أمرا في غاية الصعوبة، وكثيرون ممن زعموا أن الدولة كانت متورطة وُجدوا بعد ذلك مقتولين. وتخصص موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت صفحة لمن تصفهم بأولئك الذين حاولوا الكشف عن حقيقة ما جرى.

حينما كنتُ أعد تقارير صحفية عن الحرب الأهلية في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، كانت الروايات تتواتر حول ارتكاب عناصر جهاز الأمن الجزائري "دي.أر.أس" لمذابح كان الإسلاميون المعادون للنظام يُتهمون بالقيام بها. كان الضحايا يصفون كيف كان عناصر الأمن يرتدون الجلابيب واللحى المستعارة ثم يقتحمون القرى ويذبحون سكانها الواحد تلو الآخر. والمثير حقا أن عمليات القتل هذه كانت في العادة تجري قرب مقرات الشرطة ومعسكرات الجيش، ومع ذلك لم يكن أحد يتدخل لمنعها.

ما كان مهما بالنسبة للنظام في صنعاء هو التأكد مما إذا كان هؤلاء الجهاديون يقفون في صفه أم لا. وكان سهلا على المجاهدين السابقين في أفغانستان الانضمام إلى صفوف قوات الأمن بشكل أو بآخر. وفعلا، ما لبثوا أن ترسخت أقدامهم في مختلف أنحاء الحياة العامة باليمن

كانت عمليات "الراية الزائفة" تلك تحقق هدفين: الأول هو إظهار الإسلاميين كما لو كانوا متوحشين ومتعطشين للدماء لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة. وأما الثاني فهو تبرير الهجمات الوحشية التي كانت تشنها قوات النظام على المعارضين له وعلى من يتعاطفون معهم.

وفعلا، نجحت تلك التكتيكات في تقويض جبهة المعارضة الإسلامية الرئيسية من خلال زرع بذور الشقاق في صفوفها داخل الجزائر وتلطيخ سمعتها في الخارج.

لم تتبدد الشكوك حتى وقتنا هذا في ضلوع المخابرات الجزائرية في لعب دور أساسي في اختراق واستغلال بعض المجموعات الإسلامية في المنطقة، خاصة إثر تحول ما كان يعرف في تسعينيات القرن الماضي بالجماعة الإسلامية المقاتلة (جيا) إلى ما بات يعرف الآن باسم القاعدة في المغرب الإسلامي.

كما وجهت تهم مشابهة للمخابرات الباكستانية بالقيام بعمليات اختراق وتواطؤ نجم عنها نشوء فصائل مسلحة في مناطق القبائل الباكستانية يطلق عليها محليا اسم "طالبان المخابرات".

ولذلك لا يعقل ألا يفكر الرجل الذي حكم اليمن لما يزيد عن ثلاثة عقود في اللجوء إلى تكتيكات مشابهة تناط مهمة تنفيذها بأجهزة المخابرات التابعة له.

لقد عرف عن علي عبد الله صالح مهاراته في إدارة الصراع بين فصائل مختلفة تتنافس على النفوذ داخل اليمن. بل كان هو الذي صاغ تعبيرا يصف من خلاله المهارات التي يحتاج إليها المرء كي يبقى على قيد الحياة رئيسا لليمن، فقد قال إن ذلك يشبه "الرقص على رؤوس الأفاعي".

تشتمل الأفاعي التي يقصدها على كل من الأحزاب السياسية المعارضة، وقادة الجيش المتنافسين، والقبائل المتمردة، والجماعات الجهادية.

وكانت الجماعات الجهادية قد ظهرت في اليمن في تسعينيات القرن الماضي حينما عاد المجاهدون من أفغانستان بعد الهزيمة التي تكبدها الجيش السوفياتي هناك. وما عمله صالح حينذاك هو أنه استوعب كثيرا من هذه العناصر في جيشه الشمالي الذي كان يقاتل القوات الاشتراكية في الجنوب.

ما كان مهما بالنسبة للنظام في صنعاء هو التأكد مما إذا كان هؤلاء الجهاديون يقفون في صفه أم لا. وكان سهلا على المجاهدين السابقين في أفغانستان الانضمام إلى صفوف قوات الأمن بشكل أو بآخر. وفعلا، ما لبثوا أن ترسخت أقدامهم في مختلف أنحاء الحياة العامة في البلاد. وعلى المرء ألا ينسى أن اليمن هو البلد الذي انحدر منه أسلاف أسامة بن لادن.

ما من شك في أن التركيبة المعقدة لشبكة الولاءات القبلية والعشائرية المتداخلة في اليمن تجعل الاتهام الموجه للحكومة بالتواطؤ مع القاعدة أمرا معقولا.

أخبرتني المحللة السياسية اليمنية سماء الحمداني بما يلي: إن "معدل عدد أفراد العائلة الواحدة في اليمن هو 7.5 أشخاص. لنفترض أنني عضو في القاعدة، ولي ست شقيقات، ربما كانت إحداهن متزوجة من شخص يعرف شخصا يعمل داخل جهاز من أجهزة الأمن. سيكون بإمكاني بسبب هذه العلاقات العائلية أن أخترق النظام أو على الأقل أن أحظى بمعاملة لينة".

مثل هذه الولاءات المتداخلة كان لها عظيم الأثر على عائلة الضحية الوحيدة التي لقيت حتفها في تفجير السفارة الأميركية بصنعاء في سبتمبر/أيلول ٢٠٠٨. إنها سوزان البانه، الفتاة اليمنية الأميركية ذات الثمانية عشر ربيعا والتي كانت حينها تعبئ طلبات تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة لزوجها الذي اقترنت به مؤخرا وكان سيسافر معها إلى هناك. إضافة إلى كون سوزان ضحية فقدت حياتها في التفجير، فإنها ابنة عم جابر البانه الذي ورد اسمه في لائحة من تتهمهم واشنطن بالانتساب إلى القاعدة.

أخذا بالاعتبار ما عرف عن صالح من أساليب غير تقليدية في إدارة شؤون الدولة، فإن شهادة هاني مجاهد تستحق -في أقل تقدير- المزيد من المتابعة والتدقيق. وسيكون من غير المعقول أن يكون مثل هذا اللاعب الألمعي، قد فاته اللجوء إلى الخداع ضمن ما يلجأ إليه من أساليب

تجدر الإشارة هنا إلى أن القاعدة باتت تعني شيئا مختلفا جدا في اليمن بالنسبة لواشنطن أو لندن. ففي الحرب الأهلية التي تدور رحاها اليوم هناك، ينظر إلى القاعدة على أنها فصيل مسلح ينافس على النفوذ والسلطة أكثر مما ينظر إليها على أنها منظمة إرهابية.

كما أن الرواية التي سردها هاني مجاهد عن حياته وتجربته تعتبر عادية لشخص يمني في مثل سنه وخلفيته. وقد أثبتنا صحة سيرته التي بدأت في أفغانستان حيث كان يصنع القنابل، ثم عودته إلى اليمن مرورا بباكستان حيث اعتقل فيها ثم سجن بعد وصوله إلى بلاده، ليتحول في سجنه إلى مخبر يعمل لصالح الأمن اليمني.

ما لم يتسن لنا إثباته من مصادر مستقلة هو زعم هاني مجاهد بأن علي عبد الله صالح كان يتلاعب بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب ويستغله لخدمة مصالحه، أو أن ابن شقيقه العقيد عمار عبد الله صالح قدم مالا لشراء المتفجرات التي استخدمت في تفجير السفارة الأميركية بصنعاء عام ٢٠٠٨.

لقد وافق هاني مجاهد على التقدم بما لديه من أدلة إلى أي منظمة دولية معنية بالأمر وعلى استعداد لفتح تحقيق فيه.

وأخذا بالاعتبار ما يعرف عن علي عبد الله صالح من أساليب غير تقليدية في إدارة شؤون الدولة، فإن شهادة هاني مجاهد تستحق -في أقل تقدير- المزيد من المتابعة والتدقيق.

سيكون من غير المعقول أن يكون مثل هذا اللاعب السياسي الألمعي الذي لم يدخر وسعا في استخدام كل أنواع الأدوات والمهارات في سبيل البقاء في الحكم، قد فاته اللجوء إلى الخداع ضمن ما يلجأ إليه من أساليب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة