0   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بسم الله الرحمن الرحيم

إبراهيم أبو الهيجاء
كاتب وباحث فلسطيني
أهمية المجلس التشريعي الفلسطيني
يعد المجلس التشريعي الفلسطيني المكون من ثمان وثمانين عضوا، حالة برلمانية فريدة، من حيث تكوينه المتحصل بموجب اتفاق (اوسلو) ، وهو رغم أن تكوينه جرى من خلال انتخابات فلسطينية جرت في العشرين من كانون الثاني عام 1996 ، إلا أن قدرته على التشريع مشكوك فيها ، في ضوء أن تشريعاته لا يجب أن تتعدى اتفاقية اوسلو أو ما يليها من اتفاقات ،ناهيك عن تعقد وتعقيد آليات مصادقة رئيس السلطة التنفيذية عليها، بل إن من حق إسرائيل اعتبار هذه التشريعات باطلة، إذا ما رأت أن هذه التشريعات تفوق ولاية المجلس ، وتزداد الصورة تعقيدا في الواقع العملي ، عندما نرى أن صلاحيات التشريعي تتشابك بصلاحيات السلطة التنفيذية من جهة ، والتشريعي بالمجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية .
وهكذا حتى يغدو المجلس التشريعي في المستويين النظري والعملي ذا مشكل حول أهميته وجدية صلاحياته ، رغم أن هذا وهذا لا ينفي أن المجلس حاول تحدي هذه الظروف ومقاومتها ، ولكن بقيت الحالة ملتبسة في ضوء هيمنة حزب واحد على قراراته ، ومقاطعة القوى الإسلامية واليسارية لانتخاباته التي اعتبرتها جزء لا يتجزأ من اتفاقية اوسلو .
وإذا أردنا الذهاب ابعد من ذلك، فانه يمكننا القول أن المجلس التشريعي قد انتهت دورته في الرابع من أيار عام 1999، أي بانتهاء المرحلة الانتقالية ، ولكن التذرع بالظروف "الطارئة " أبقى المجلس على حاله وتأكد ذلك بعد اشتعال انتفاضة الأقصى .
ولكن في كل الأحوال بقي حال المجلس التشريعي ضعيف الأهمية والصلاحية، حتى أتت التعديلات المطلوبة (خارجيا) مبتدعة (رئيس مجلس وزراء فلسطيني)، الأمر الذي أعطى الجسم التشريعي أهمية كبيرة في منح أو حجب الثقة عن الحكومة ومساءلة رئيس وزرائها، وعزز هذا اتساع الخلافات داخل حركة فتح (أي داخل الحزب المسيطر)، ولذا بدت ساحة المجلس مسرحا يعبر عن موازين القوى الحاكمة والضاغطة، ورغم أنها عبرت عن قوة الرئيس عرفات حتى اللحظة إلا أنها عكست وجود خلافات قوية، لازالت تتراكم وتتسع ..
دلالات النتائج
بعد تولي احمد قريع رئاسة مجلس الوزراء و شغور موقعه في رئاسة المجلس التشريعي، جرى انتخاب رفيق النتشة (دائرة الخليل ) وبأغلبية ( 53 عضوا )، بعد أن أفرزته حركة فتح كمرشح عنها، ومر الحدث كآلية إدارية عادية، وكان من المرجح أن يستمر رفيق النتشة رئيسا للتشريعي عند إجراء الانتخابات الروتينية السنوية لرئاسة المجلس ونوابه خاصة انه لم يمضي على توليه اقل من خمسة اشهر، إلا أن كتلة فتح وقبل الانتخابات أجرت انتخابات داخلية أفرزت هذه المرة روحي فتوح وزير الزراعة الحالي (دائرة جنوب غزة )الذي تنافس مع النتشة
( 37 لصالح فتوح مقابل 15 لصالح النتشة )، ولذا كان متوقعا الفوز بثقة التشريعي (بأغلبية 51 عضوا من اصل 71 حضروا) ولكن المفاجيء هو تنافس نبيل عمرو وزير الإعلام السابق في حكومة أبو مازن ضد ترشيح حركة فتح ، وحصل عمرو على ثقة (15 عضوا) مقابل (51) لفتوح وامتناع (5) .
ثم جاءت المفارقة حين خسر محمد الحوارني (دائرة الخليل ) المرشح الرسمي عن حركة فتح ، مقابل حسن خريشة (دائرة طولكرم ) المعارض في المجلس التشريعي لسياسات السلطة ، والمرشح المستقل بأغلبية 44 مقابل 24 لصالح خريشة
أن هذه النتائج وبهذه الصيغة حملت تبدلات تعدت الدلالات الشخصية، وحملت في طياتها ما تعبر عنه الخارطة السياسية الفلسطينية من مؤثرات داخلية وتأثيرات خارجية.

دلالات الحدث
إن انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة أتت في إطار المجريات السياسية الداخلية والخارجية، وهي تعبير حاول من خلالها رئيس السلطة الفلسطينية (ياسر عرفات) إجراء تغيرات إصلاحية شكلية في حركة فتح، بعد التراكمات المعروفة من مطالبات الإصلاح والمشاغبة من معسكرات الساخطين على عرفات أو أولئك الطامحين في خلافته ووراثته .
ولكن الرسالة الثانية التي يمكن فهمها _مما جرى _ هي حاجة عرفات واللجنة المركزية في حركة فتح وبالتالي كتلة فتح في اللتشريعي ادى الى خلق توازن وتوزع في الصلاحيات في السلطة الفلسطينية المائلة لصالح الضفة الغربية، بعد أن كان( قطاع غزة) من قبل يحظى بنصيب الأسد، في ضوء ما تشهده غزة من تضعضع في قوة عرفات وقبضته يراكمها معسكر المناكفين له، مستغلين بشكل جيد مشاعر السخط والضجر على استبعاد أهل غزة من كعكة السلطة، لأسباب تتعلق(أولا) بوجود عرفات في رام الله وحاجته إلى بناء قاعدة جغرافية موالية ومحيطة به ، أما السبب(الثاني) والأهم فهو موضوعي ويتعلق أساسا بانفصال غزة عن الضفة جغرافيا بسبب الإجراءات الإسرائيلية، التي تحول دون عقد جلسات التشريعي بشكل متكامل لولا اعتمادهم على تقنية (الفيديو كونفرنس) التي في النهاية تعبر عن تواصل اتصالي وإنساني هش..
أما الرسالة (الثالثة) التي حملتها انتخابات التشريعي هي الخوف الشديد لدى عرفات ومعسكره من خطة شارون الأحادية والقاضية بالانسحاب من قطاع غزة وبالتالي فصلها كليا عن الضفة وعن سيطرته ، في ضوء إصرار شارون على تنفيذها دون تنسيق مع السلطة ، مما يعكس رغبته في بقائها للفوضى وبالتالي للأقوى ميدانيا وليس الموالي تنظيميا أو عرفاتيا- إن صح التعبير - ، ولعل تدخلا عربيا أو دوليا واسعا في شؤون غزة سيكرس تفككا حقيقيا لهذه السلطة ولسيطرة عرفات تحديدا ، وعليه فانتخاب روحي فتوح القادم من غزة يعكس رسالة تحاول التأكيد جغرافيا على أن السلطة واحدة ومتماسكة ، وهي محاولة من عرفات تهدف بالحد الأدنى إلى بقاء السلطة بعد انسحاب إسرائيل من غزة –إن تحقق بالكامل– بحيث تبقى متماسكة واقل ضعضعة لسلطته وشرعيته التاريخية المحاصرة في غرفتين في مدينة رام الله .
أما الرسالة (الرابعة) التي من الممكن أن نستشفها من مجريات انتخابات التشريعي هي محاولتها القول:(أن السلطة و مؤسساتها لازالت فاعلة تمثيلا وبالحياة الديمقراطية) ، أي باللغة التي يفهمها الغرب ويعول عليها عرفات في تأكيد زعامته المستندة لانتخابات 1996 .
أما دلالات ترشح (نبيل عمرو) وهذه النقطة الخامسة ضد ترشيح كتلته حركة ( فتح ) ، فقد عكست حالة التمرد التي يمثلها دحلان وعمرو والمحسوبين سابقا على معسكر أبو مازن على قيادة عرفات ، ورغم خسارة هذا التيار قبالة ترشيح فتوح ، إلا أن حصوله على 15 عضوا يعكس قاعدة متضامنة ومتمردة معه – رغم أنها قد لا تعكس بالضرورة تضامنا فتحاويا واسعا معه ، فقد يكون ما جباه من أصوات هي معارضة فقط لنهج كتلة فتح تريد المناكفة ، إلا أن الحدث والرقم يعطي مؤشرات عليها أن لا تغيب بالكلية .
ولعل إسقاط محمد حوارني عضو المجلس الثوري من قبل حركة فتح التي رشحته، لصالح خريشة الآتي من خارجها والمعارض أصلا لسياستها يتعاضد بالدلالة مع مجريات ما حدث قبلها لنبيل عمرو في مجريات انتخاب رئيس التشريعي، فالحواري أيضا من معسكر أبو مازن وتخلي أغلبية كتلة فتح عنه في النهاية يدلل على ذلك، وعزز ذلك أكثر أن الحوارني من الذين صاغوا وثيقة جنيف التي لا تحظى بالقبول الشعبي ، مما يعني أن إسقاط الحوارني هو إسقاط ورفض لوثيقة جنيف .
جدول نتائج انتخابات رئاسة التشريعي والنائب الأول (الدورة التاسعة)
نبيل عمرو (الخليل) روحي فتوح (غزة) رئاسة التشريعي
15 51 نتيجة التصويت
حسن خريشة (معارض) محمد حوارني (فتح ) نائب رئيس التشريعي
44 24 نتيجة التصويت
* حضر اجتماعات المجلس 71 عضو من اصل 88 عضو ، الفروق المتبقية في النتائج امتنعت عن التصويت

جدية التغييرات التي جرت
طبعا لا يمكن الحديث عن تغيرات جوهرية جرت في التشريعي، بل هي اقرب لتكتيكات شكلية ولكنها تبقى مؤشرات جدية ، لعدة أسباب هامة:
1- الإشكال داخل فتح ومراكز القوى فيها أقوى من مجرد تولي شخصا مثل (روحي فتوح) البعيد أصلا عن هذه المراكز ولا يتمتع بمركز مستقل عنه
2- خروج إسرائيل من غزة دون تنسيق مع عرفات سيؤدي إلى سيطرة آخرين بعيدا دون شك عن سيطرته ولن تكون هناك أهمية تذكر لمجلس تشريعي لا يتمتع أصلا بالصلاحيات الحقيقية، بل ربما يجري استبداله بقيادة محلية ومن يدري فقد يجري انتخاب(( لتشريعي محدود)) في قطاع غزة لتعزز القيادة المحلية هناك أهليتها السياسية قبالة المجتمع الدولي من جهة، ولتعزيز فك الارتباط عن قيادة عرفات من جهة ثانية ، وربما يجري الأمر بضغوط خارجية ، في ضوء أن إمكانية التواجد الدولي أو شبه الدولي مطروحة بقوة كقوة إدارة تحت مسمى (مساعدة للفلسطينيين) في غزة الآن إما من قبل مصريين وبريطانيين وغدا ربما يتسع المسرح لآخرين .
3- الأهمية فقط والتي يجدر ذكرها أن أهمية رئيس المجلس التشريعي تأتي بعد وفاة رئيس السلطة أو غيابه، كون رئيس التشريعي يتولى بالإنابة مكان رئيس السلطة لمدة ستين يوما لحين انتخاب رئيس جديد(حسب القانون الأساسي)، ولكن هذا بالأوضاع الطبيعية (طبعا)، أما حينما نتحدث عن تعقيد مثل القضية الفلسطينية، وخارطة فلسطينية حزبية أكثر تعقدا، ولاسيما مراكز القوى المتنافسة داخل حركة فتح، وفي ضوء تساؤلات وعلامات استفهام كبيرة عن قوة التشريعي قبالة المجلس الوطني في منظمة التحرير أو أهليته في ضوء انقضاء وقته، عندها تكون أهمية هذه النقطة هامشية رغم أنها تبقى جديرة في الذكر والتذكير فلربما تكون(المخرج) الوسط لبعض الأطراف المتصارعة إن حدث تغييب فجائي أو طبيعي لعرفات المقبل على ربيعه الثمانين .

مؤشرات التغيير
من الواضح أن الساحة الفلسطينية قابلة لمزيد من المفاجئات على صعيد الداخل والخارج، في ضوء استمرار الانتفاضة رغم إجراءات القهر، متعاضدا معها غياب إمكانيات التسوية بين الحد الأعلى المقدم والحد الأدنى المتقبل، ولعل مدرسة الفك الأحادي التي يقف على رأسها شارون والمتسارعة في خطط الانسحاب من غزة ورسم خارطة الضفة، وبالتالي الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية، وما تعنيه من إنهاء لوجود السلطة أي إنهاء لاتفاقيات اوسلو في الواقع العملي وليس فقط بالفرض النظري، يؤكد أن التغييرات الداخلية الفلسطينية مؤكدة وعززها غسل الاميركان يدهم من هذه القضية المعقدة، إلا أن كل هذه التغييرات ليست بالضرورة سلبية كما تُوهم لأول وهلة بل هي ربما ايجابية لصالح القضية الفلسطينية برمتها ، في ضوء كونها تعيد عقارب الساعة الفلسطينية إلى الوقائع التي تحكم قضيتها ، وليس إلى الأوهام التي ميزت سياساتها من قبل .

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة