أميركا والعراق.. الحرب أم الاحتواء؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ إلياس حنا*

- الحرب بين الخليج الثانية وأفغانستان
- ماذا عن الحرب؟
- إمكانات الاحتواء

يبدو للمتابع لما يدور في أروقة الإدارة الأميركية أن نمط وحدّة الخطاب السياسي نحو العراق يبشران بقدوم عنف لم تشهده المنطقة منذ عام 1991، حتى ليُخيّل لنا أن الحرب قادمة غداً. وقد قدمت وسرّبت سيناريوهات مختلفة ومتعدّدة لضرب العراق، لكل منها حسناتها وسيئاتها. لكن القاسم المشترك بينها كلها يبدو في طبيعة الحرب كحرب والتي تقوم على عدم ضمان النتيجة مسبقا.

الحرب بين الخليج الثانية وأفغانستان


الإدارة الأميركية تريد حربا سريعة حاسمة تطيح بنظام صدام بأقل خسائر ممكنة في العتاد والأرواح، وذلك دون أن تتوقف أو تتأثر وتيرة حربها على الإرهاب العالمي. أما الجيش الأميركي المتهم بأنه تقليدي من قبل رمسفيلد، فإنه يفضّل حربا شاملة تكون نتيجتها مضمونة، وتأخذ بعين الاعتبار كل البدائل الممكنة

فمن نموذج حرب عام 1991 إلى النموذج الأفغاني، تبدو الإدارة الأميركية محتارة بسبب تردد الجيش الأميركي في اتخاذ القرار الشافي. فالإدارة تريد حربا سريعة حاسمة تطيح بنظام صدام بأقل خسائر ممكنة في العتاد والأرواح، وذلك دون أن تتوقف أو تتأثر وتيرة حربها على الإرهاب العالمي. أما الجيش المتهم بأنه تقليدي من قبل رمسفيلد، فإنه يفضل حربا شاملة تكون نتيجتها مضمونة وتأخذ بعين الاعتبار كل البدائل الممكنة.

ويتساءل البعض: هل من الضروري انتظار مؤشرات تحضير الحرب على العراق كما حصل عام 1991؟ بالطبع كلا، فالوضع الحالي يختلف جذريا عن الوضع السابق. ففي الحرب الأولى تطلّب الإعداد أكثر من ستة أشهر، كما تطلّب ترتيب تحالف دولي سياسي مؤلّف من 28 دولة.

أما الآن فإن أميركا قد ركزت قواتها بشكل يدل على أنها باقية إلى أبد الآبدين. وهي قد مأسست حضورها هذا، معتمدة على اتفاقات سياسية أمنية مع الدول المضيفة، وعلى شبكة من البنى التحتية المتطورة جداً، حتى إنها وضعت البدائل لكل طارئ.. فإذا ما رفضت السعودية انطلاق الحملة على العراق من أراضيها، فإن أميركا تستطيع وبسرعة نقل قواتها إلى الدول المجاورة دون أن يتأثر المخطط الأساسي للحرب.

ويوجد حاليا في المنطقة أكثر من 50 ألف جندي أميركي جاهزين للحرب، كما أن أميركا عمدت في الفترة الأخيرة إلى استدعاء بعض الاحتياط من اختصاص المدرعات والطيران، الأمر الذي قد يدل على كيفية سير العملية وأين يتركز الجهد الأميركي. وستعمد أميركا إلى إرسال هذه القوات (الاحتياط) أولا إلى ألمانيا كي تستعيد جاهزيتها للعمليات ومن ثمّ إرسالها لاحقا إلى الشرق الأوسط إذا دعت الحاجة. هذا عدا عن حاملات الطائرات المنتشرة في المنطقة، والقاعدة الأميركية في جزيرة دييغو غارسيا.

لكن الأهم في هذه المرحلة هو في النقلة النوعية للتنفيذ الأميركي العملياتي على أرض المعركة، حيث دخلت التكنولوجيا لترفع من مستوى الأداء الحربي خاصة في مجالات القيادة والسيطرة، والأسلحة الذكية وعملية جمع المعلومات ومعالجتها.

إذن.. يتأرجح الوضع الحالي ما بين الاحتواء والحرب، فالبعض يقول إن الاحتواء هو السبيل الأنجع، وذلك بالطبع بعد إجراء تعديلات جوهرية على الأسس التي قام عليها هذا الاحتواء. ويتقدم أصحاب هذا الرأي كولن باول من خلال طرحه إستراتيجية "العقوبات الذكية". أما البعض الآخر فيقول إن الوقت يعمل ضد أميركا، والعقوبات الذكية ستكون مثل الاحتواء، وسيستفيد صدام من هذه الهدنة لتطوير ترسانته غير التقليدية التي ستستعمل حتما ضد أميركا وإسرائيل. فالقائد الذي يستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه الخاص، سوف لن يرتدع عن استعماله ضد من يعتبرهم أعداءه.

ماذا عن الحرب والاحتواء؟ أيهما الأقرب إلى التنفيذ والواقع؟ من خلال حسابات عقلانية، يبدو أن لكل وضع حسناته وسيئاته. فماذا عنهما؟

ماذا عن الحرب؟

دونالد رمسفيلد
وفي الإطار صدام حسين
تفتقر الحرب على العراق حتى الآن للداعمين السياسيين إقليميا ودوليا، فباستثناء بريطانيا لا يبدو أن الأوروبيين متحمسون للمشاركة في الحملة العسكرية. وخير دليل على ذلك هو تصريح المستشار الألماني غيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك بمعارضتهما لضرب العراق إلا في إطار قرار صادر عن مجلس الأمن، حتى أن الداخل الأميركي الرسمي بدأ يتحدث عن ضرورة أخذ موافقة الكونغرس قبل بدء العلمية العسكرية.


في حرب الخليج الثانية دفع حلفاء أميركا 80% من الفاتورة الحربية التي قدّرتها نيويورك تايمز بـ60 مليار دولار (80 مليار حسب سعر الصرف الحالي للدولار). أما الآن فإن هؤلاء الحلفاء يعارضون الحرب، وسوف لن يشاركوا في التمويل. فهل بإمكان أميركا تحمل العبء المالي لوحدها، في ظلِّ ركود اقتصادي خطير، وديون بدأت تتراكم وتتزامن مع أكبر الفضائح المالية في تاريخ الاقتصاد الأميركي

الدعم السياسي
على الصعيد الإقليمي
لا يبدو أن العرب متحمسون لضرب العراق وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. والمعروف أن أميركا حاولت ربط العراق بتنظيم القاعدة لكنها لم تفلح حتى الآن. فربط العراق بالقاعدة قد يحرّر يد الرئيس الأميركي في البعدين الداخلي والخارجي: الداخلي لأن الحرب على العراق قد تصبح من ضمن التفويض المُعطى له من قبل الكونغرس قبيل حربه العالمية على الإرهاب والحملة على أفغانستان.

أما خارجيا فقد يتحرر الرئيس الأميركي من القيود الدولية فيعتمد على حق أميركا في الدفاع عن نفسها استنادا إلى شرعة الأمم المتحدة. هذا مع التذكير أن أميركا تدخلت عسكريا في الخارج أكثر من 243 مرة، وأعلنت الحرب فقط خمس مرات.

تمويل الحرب
يبقى السؤال المهم عن مصدر تمويل الحرب.. ففي الحرب الأولى دفع حلفاء أميركا 80% من الفاتورة الحربية التي قدرتها نيويورك تايمز بـ60 مليار دولار (80 مليار حسب سعر الصرف الحالي للدولار). كما ارتفع سعر برميل النفط من 15 إلى 40 دولارا (تحاول أميركا الآن رفع مستوى احتياطها الإستراتيجي من النفط إلى 700 مليون برميل). هذا في الحرب الأولى حيث كانت المصالح متقاطعة مع الحلفاء.

أما الآن فإن هؤلاء الحلفاء يعارضون الحرب، وسوف لن يشاركوا في أي جزء منها خاصة مسألة التمويل. فهل بإمكان أميركا تحمل العبء المالي لوحدها في ظل ركود اقتصادي خطير وديون بدأت تتراكم وتتزامن مع أكبر الفضائح المالية في تاريخ الاقتصاد الأميركي؟

صدام حسين يتوسط نجله عديّ وجورج بوش

الهيبة الأميركية واحتمالات التعثر
لا يمكن لأميركا بعد 11 سبتمبر/ أيلول وخسارتها لهيبتها وصورتها الردعية، أن تقبل بتعثر آخر خاصة في الشق العسكري. فهي الآن في مرحلة استرداد القوة الردعية من خلال ما تقوم به سياسيا وعسكريا، والفشل أو التعثر في العراق قد يقضي على هيبتها نهائيا، وقد يُفسر من قبل الأعداء والأصدقاء على أنه ضعف في القدرة والرؤية الإستراتيجيتين للعم سام، ليصدق ما بشّرت به القاعدة من أن أميركا عملاق يقف على أرجل من الجفصين. وتبقى الخطورة الكبرى في حال عدم الحسم السريع، وتورط أميركا في حرب استنزاف على شاكلة فيتنام.
ثم ماذا لو استعمل صدام بعضا من ترسانته غير التقليدية ضد القوات الأميركية أو إسرائيل؟ فهل ستنتقل أميركا ومن خلال منظومة التصعيد والتصعيد المتبادل إلى استعمال النووي للحسم؟

إمكانات الاحتواء


من خلال الحسابات العقلانية، يبدو الاحتواء هو الأقل كلفة والأكثر ربحا للعم سام.. لكن الأمر يستلزم الصبر السياسي والأناة والعقلانية.. فهل بوش صبور، وعقلاني؟
لا يتطلب الاحتواء -سواء القديم أو المُعدّل منه- أي جهد سياسي إضافي لأميركا على الصعيدين الإقليمي والدولي، فالكل تقريبا موافق عليه كبديل للحرب..

التمويل
باستثناء كلفة منطقتي الحظر الجوي فوق العراق والتي من الممكن تمويلها من الأصدقاء في حال العدول عن قرار الحرب، لا يبدو أن الاحتواء يكلف أكثر من الحرب الشاملة. كما لا يبدو أن الاحتواء سوف يؤثر على أسعار النفط، بل على العكس إذ إنه يشكل تقريبا نوعا من الإدارة الأميركية الإلزامية للنفط العراقي.. فهي تراقب وتوزع الأرباح كما ترغب.

الربح السياسي
سوف لن يكشف الاحتواء الضعف الأميركي وعدم قدرتها على الحسم، فالأمور سوف تبقى غامضة للأعداء خاصة تنظيم القاعدة. وسوف تستمر أميركا في إدارة شؤون المنطقة ومحيطها (آسيا الوسطى)، حسب مصلحة أجندتها وتقاطعها مع مصالح إسرائيل.

هكذا ومن خلال الحسابات العقلانية لدولة عظمى، تبدو إستراتيجية الاحتواء -على الأقل في المدى المنظور- هي الأربح والأفضل بانتظار ما قد يحصل لاحقا. لكن السؤال يبقى: لماذا الآن هذا الخطاب السياسي الأميركي الحربي؟

أهداف خطاب الحرب
تهدف أميركا من خلال هذا الخطاب إلى:

  1. الإبقاء على زمام المبادرة في يدها على غرار " الأمر لي"، وإبقاء صدّام على "أعصابه" في الوضع الدفاعي بانتظار عملية سريّة تطيح به بكلفة قليلة جدا.

  2. لن يكشف الاحتواء الضعف الأميركي، وعدم القدرة على الحسم فالأمور سوف تبقى غامضة للأعداء، وسوف تستمر أميركا بإدارة شؤون المنطقة ومحيطها حسب مصلحة أجندتها وتقاطعها مع مصالح إسرائيل
    المحافظة على زخم الحرب على الإرهاب، لتظهر أنها مصمّمة للذهاب حتى الآخر مع القاعدة وغيرها.
  3. المحافظة على الدعم الأميركي الداخلي عبر إيجاد أعداء جدد يبرر تخصيص مليارات الدولارات لآلتها العسكريّة.
  4. الاستغلال الإستراتيجي لحادثة 11 سبتمبر/ أيلول والحرب على العراق لتثبيت الهيمنة على العالم ومفاصله الإستراتيجيّة، وتطويق الأعداء المنافسين المحتملين في المستقبل وعلى رأسهم الصين.
  5. الاستفادة السياسية الداخلية للإدارة الجمهورية من خلال الانتخابات الجزئيّة القادمة أواخر الصيف الحالي.

هكذا ومن خلال الحسابات العقلانية يبدو أن الاحتواء هو الأقل كلفة والأكثر ربحا للعم سام، لكن الأمر يستلزم الصبر السياسي والأناة وصفة العقلانية. فهل الرئيس بوش صبور وعقلاني؟ فلننتظر لنرى؟

________________
*عميد متقاعد في الجيش اللبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة