القمع الأمني ليس مبررا لخذلان الأشقاء في العراق   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: مجدي أحمد حسين

لماذا تأخرت الهبات الشعبية العربية؟
مهام اللجان الشعبية المقترح تشكيلها
شكل المقاومة السياسية

كانت خطوة إيجابية من الحكومة المصرية أن تدعو لانعقاد استثنائي للقمة العربية، فإما أن يكون للجامعة العربية وجود في هذه الأزمة الطاحنة والعدوان الوشيك على العراق، وإلا فإنه الموت.

وحتى كتابة هذه السطور لم يتم الاتفاق على موعد القمة، بل انتهى اجتماع وزراء الخارجية العرب دون التوصل لهذا الموعد بسبب الحكام الأكثر خضوعا لأميركا.. ولكن ما يزال الباب مفتوحا، وإنني أؤيد مواصلة الجهود لعقد هذه القمة التي هي غير مطالبة بأكثر من موقف سياسي موحد ضد العدوان على العراق ونزع أي نوع من المشروعية عنها، بل أرى أن تجتمع القمة بالأغلبية الموافقة وليس بالضرورة أن يتم الانعقاد بالإجماع.

ولكن يبقى دور الشعوب هو الحاسم، وأرفض بشدة حديث اليأس الذي يردده بعض المثقفين العرب، فالجماهير ستحسم الأمر في النهاية، وبعد الشعب العربي في فلسطين ولبنان والعراق فإن باقي الشعوب العربية ستلحق من كل بلد بركب الجهاد، ولن تترك العدوان الصهيوني الأميركي يعيث فسادا في الأرض العربية.

وفى الفترة الأخيرة شهدنا مظاهرات في المغرب ومصر ولبنان وسوريا واليمن والبحرين.. وتابعنا العمليات الجهادية في الكويت ضد القوات الأميركية، ورأينا ضرب المصالح البريطانية والأميركية في لبنان، ونتابع العمليات الجهادية ضد القوات الأميركية في أفغانستان التي باتت تعاني من استنزاف حقيقي ويتم فك الحصار الإعلامي عنه يوما بعد بوم وتوجيه ضربات ضد أهداف أميركية في الأردن واليمن.

لماذا تأخرت الهبات الشعبية العربية؟


الذي أخر الهبات الشعبية العربية الكبرى ضد الغطرسة الأميركية ليس القمع الأمني بل هو النخبة السياسية للأحزاب العربية المعارضة التي فسدت أو ركنت إلى السكينة أو تكيفت مع ما هو مسموح به من قبل سلطات الأمن وترفض أن تخرق السقف الذي تصنعه الحكومات للحركة الشعبية بدعوى الحفاظ على الوجود التنظيمي

دعونا نستبشر بالمستقبل، ولكن ذلك لا يعني ألا نشير إلى بيت الداء، إن بيت الداء الذي أخر الهبات الشعبية العربية الكبرى ضد الغطرسة الأميركية ليس القمع الأمني بل هو النخبة السياسية للأحزاب العربية المعارضة التي فسدت أو ركنت إلى السكينة أو تكيفت مع ما هو مسموح به من قبل سلطات الأمن، وترفض أن تخرق السقف الذي تصنعه الحكومات للحركة الشعبية بدعوى الحفاظ على الوجود التنظيمي، مع أن الوجود التنظيمي لا معنى له إذا تركنا الأمة تستباح بهذا الشكل من أعدائها. لقد نسي هؤلاء أصل الموضوع، نسي هؤلاء أن مبرر وجود التنظيمات الشعبية والوطنية والإسلامية هو أن تجاهد من أجل الإصلاح وأن تناضل ضد أي عدوان خارجي على الأمة.

إن مقولة الحفاظ على التنظيم والخوف من البطش أو ادعاء الحرص على التنظيم وأعضائه من أن يلقوا في غياهب السجون كل هذه حجج بليدة ومرفوضة بالمعايير الوطنية والقومية والعقائدية.

أشرف لنا ألف مرة أن نتعرض للاضطهاد أو السجون أو الذبح أو القتل من أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الاعتداءات المتوالية على فلسطين والعراق والتي سيعقبها اعتداءات أخرى على سوريا ولبنان وليبيا والسودان والسعودية.. وكل هذه خطط معلنة –و ليست سرية– للإدارة الأميركية التي وصلت إلى حد التهديد بتقسيم السعودية، والإطاحة بنظام مبارك، وتقسيم مصر والسودان، وتنصيب حاكم أميركي للعراق، وتصفية القضية الفلسطينية.

بل لقد ثبت أن إصرار القوى الشعبية على تنظيم المظاهرات يدفع الحكام إلى التراجع، لأن الوضع السياسي حرج للغاية، والمشاعر ملتهبة وقابلة للانفجار وقد حدث بالفعل تنظيم لمظاهرات في بعض البلاد العربية دون إذن من السلطات، ولم تتعرض لقمع غير عادي.


مقولة الحفاظ على التنظيم والخوف من البطش أو إدعاء الحرص على التنظيم وأعضائه من أن يلقوا في غياهب السجون كل هذه حجج بليدة ومرفوضة بالمعايير الوطنية والقومية والعقائدية ويفقد هذه الأحزاب مشروعيتها الجماهيرية ومبرر وجودها
من العار علينا أن نشاهد المظاهرات المليونية في أوروبا وأميركا وأستراليا في الوقت الذي تقف فيه بعض الأحزاب والتنظيمات العربية خائفة من الحركة خوفا من البطش!! وهذا موقف عربي انهزامي انتحاري يفقد هذه الأحزاب مشروعيتها الجماهيرية والسياسية ومبرر وجودها.

لابد من خرق هذه الأسقف الموضوعة من الأنظمة، ولابد من إعلان حالة التعبئة الشعبية في كل البلاد العربية، لابد من إنشاء لجان شعبية جديدة بدم جديد وبفكر وأفق جديدين، ولابد من الاتصال بالجماهير وتنظيمها وتحريكها دفاعا عن الوجود.

مهام اللجان الشعبية المقترح تشكيلها

لابد من تشكيل لجان شعبية لمقاومة العدوان الأميركي الصهيوني في كل مدينة وحي، لجان يتضمن عملها:

  • المقاطعة للبضائع الأميركية والبريطانية.
  • تنظيم إرسال المتطوعين إلى العراق.
  • جمع التبرعات المالية لفلسطين والعراق وأفغانستان.
  • عقد مؤتمرات للحشد والتعبئة والتوعية.
  • تسيير المظاهرات الشعبية سواء بإذن أو من دون إذن السلطات.


القيادات الحزبية التي تخوف قواعدها بالسجون إلى حد التخلي عن واجب النصرة هي قيادات تخون الأمانة وتفقد مشروعيتها، والذي يعمل تحت رايتها متخاذل استراح إلى حياة الدعة
وأن تستهدف المسيرات الزحف إلى السفارات الأميركية ومحاصرتها جماهيريا وبصورة متواترة وشبه يومية، لأن الأيام القليلة القادمة فاصلة، ومن شأن التحرك الجماهيري المكثف إمكانية إضعاف احتمالات شن العدوان على العراق.

إن المظاهرات في العواصم العربية أكثر أهمية بكثير الآن من المظاهرات في أوروبا وأميركا، فهنا مسرح العمليات، وهنا هدف الهجوم الأميركي. ولابد من أن يشعر الأميركان أن المسرح الدولي أصبح معاديا بصورة تامة وغير مهيأ للتسامح مع الغطرسة الأميركية.

أعلم أن هناك بعضا من اللجان الشعبية لمناصرة العراق وفلسطين هنا وهناك، ولكن الكثير منها لا يزال خاضعا لضغوط السلطات الأمنية ولابد من خرق السقف الموضوع لحركتها مهما كان الثمن، والوضع محرج للسلطات العربية لأن هذه التحركات ليست معادية للحكومات، وإن تعرضها لبطش غير عادى يضع من يفعل ذلك في صفوف الأعداء، وإذا أراد بعض الحكام أن يسفر عن وجهه فليفعل ذلك، وهذا سيؤدى إلى مزيد من الاستقطاب ويخلق وضعا ثوريا بإذن الله.

إن نصرة إخوتنا في فلسطين والعراق واجب عقائدي، هو واجب النصرة، وقد أفتى بذلك كل العلماء الثقات وأفتوا بعدم مشروعية الحرب، ودعوا إلى التظاهر السلمي وإلى مقاومة العدوان.

لابد من استعادة روح الجهاد التي هي وحدها القادرة على إيقاظ الأمة وتحويلها إلى عملاق يخشاه الأعداء المتجبرون.


هدف الحركة الشعبية يجب أن ينصب في المحل الأول على تغيير السياسات الرسمية الموالية لواشنطن طالما أن الأخيرة نصبت نفسها عدوا لأمتنا، ويجب أن يدرك أصدقاء أميركا من الحكام أنهم سيكونون محط غضب الشعب إن هم سايروا أميركا بأي شكل من الأشكال
ورغم أهمية المقاطعة وتقديم الدعم المالي وتقديم المتطوعين فإن هدف الحركة الشعبية يجب أن ينصب في المحل الأول على تغيير السياسات الرسمية الموالية لواشنطن طالما أن الأخيرة نصبت نفسها عدوا لأمتنا ويجب أن يدرك أصدقاء أميركا من الحكام أنهم سيكونون محط غضب الشعب إن هم سايروا أميركا –بأي شكل من الأشكال– في الاعتداء على أشقائنا في العراق.

ويجب أن تهتم الحركة الشعبية برفض الشعارات الفارغة التي يرددها بعض الحكام العرب عن "المزيد من تعاون العراق مع المفتشين"، بل يجب أن تطالب الحركة الشعبية برفع الحصار فورا عن العراق ومطالبة أميركا ليس بعدم الاعتداء على العراق، بل بسحب قواتها من المنطقة العربية.

أما عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة فلا بد للحركة الشعبية أن تركز على أسلحة الدمار الشامل لدى إسرائيل التي ترفض الانضمام لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي غير خاضعة لأي نوع من التفتيش الدولي، في حين يوجد بها خمس مفاعلات نووية وحوالي 300 رأس نووي بالإضافة لترسانة أسلحة كيماوية وبيولوجية.

من آثار استخدام اليورانيوم المنضب في العراق: طفل مصاب باللوكيميا
كذلك فإن أميركا تهدد باستخدام القنابل النووية ضد العراق ولا نفهم كيف يمكن لدولة أن تجرم أسلحة الدمار الشامل وتسعى لنزعها لدى بلد عربي في حرب تهدد هي –أي أميركا– باستخدام أسلحة الدمار الشامل فيها!!

بل إن الولايات المتحدة استخدمت بالفعل أسلحة الدمار الشامل (اليورانيوم المستنفد) في حربها الأولى ضد العراق وأيضا ضد أفغانستان وضد يوغسلافيا..

إن أميركا هي المجرم الأول في العالم في مجال استخدام أسلحة الدمار المحظورة ليس في حرب فيتنام واليابان (هيروشيما ونغازاكي) فحسب بل في العهد الحالي لبوش الصغير (أفغانستان) وبوش الأب (العراق).

إن مهمة الحركة الشعبية أن تطرح القضايا التي تخشى أنظمة الحكم طرحها، كما أن الحركة الشعبية التواقة للحرية والديمقراطية يجب أن تدرك أن الحرية لن تأتي على يد الغازي الأجنبي.

وها هي أميركا بعد خوفها من تولي قوى معارضة عراقية للحكم في بغداد ولا تكون تحت السيطرة الكاملة لواشنطن، إذا بها تنحي دور المعارضة وتعلن أنها ستحكم العراق مباشرة بجنرال أميركي!

الحركة الطلابية
مظاهرات حاشدة احتجاجا على الحرب في الولايات المتحدة الأميركية
وإذا عدنا إلى أساليب التحرك الشعبي التي نقترحها، يهمني أن أشير إلى الحالة المؤسفة التي أصابت الحركة الطلابية، كيف يمكن للطلاب أن يكتفوا بالتظاهر داخل أسوار الجامعة، إن مظاهرات الطلاب كانت دوما هي القلب النابض للحركات الوطنية، وهي التي كانت تخرج إلى الشوارع لتثوير الجماهير، أما الآن فنجد المسيرات الطلابية تدور داخل الحرم الجامعي، وقد أصبح هناك ميثاق غير مكتوب مع الأجهزة الأمنية على ذلك في حين يجب على الشباب أن يرفضوا هذا التقزيم لحركتهم السياسية، وأن يعلموا أن قوتهم خارج الأسوار وليس في داخلها.

الطبقة العاملة
كذلك أين الطبقة العاملة؟ أين إضراباتها؟ أين مقاطعتها للبواخر والطائرات الأميركية في الموانئ والمطارات مثلا.. أعلم أن السلطات الأمنية قد دمرت كثيرا من البنية النقابية، ولكن في زمن الأحداث الكبرى يعاد بناء التنظيمات النقابية بقوة الأمر الواقع.

القيادة الثورية
الواقع أن الجماهير تفتقد القيادة الثورية المجاهدة الجسورة، وعلى القيادات التقليدية أن تعيد النظر في أسلوب أدائها، وإلا فإنه يتعين على الأمة أن تفرز قيادات شابة جديدة تخوض النضال الجسور ولا تأخذ إذنا من أحد في معركة الوجود.

فنحن لم نعرف في التاريخ أن حركة شعبية معارضة أخذت إذنا للوجود والحركة من خصمها السياسي (الحكومة)، إن الذي يترك لخصمه السياسي أن يحدد مستوى حركته فهو مهزوم قبل أن يبدأ.


لابد من استعادة روح الجهاد التي هي وحدها القادرة على إيقاظ الأمة وتحويلها إلى عملاق يخشاه الأعداء المتجبرون، ويجب أن نعرف الحركة الشعبية أن مهمتها طرح القضايا التي تخشى أنظمة الحكم طرحها

ونحن غير راغبين في معارضة حكومتنا والإطاحة بها في هذه اللحظة بالذات، بل إننا –كقوى شعبية– نركز كل الجهود على مقاومة العدوان الأميركي الصهيوني.. ولكننا يجب ألا نسمح للحكام بتقزيم حركتنا أو إخضاعها أو استخدامها كورقة مساومة مع الأميركيين.

كما أننا لم نسمع في التاريخ عن تقدم حركة وطنية إلى الأمام دون تضحيات، ثم لماذا لا نتعلم من الشعب الفلسطيني الذي يبدي الجميع إعجابه به؟ فلا يوجد مواطن فلسطيني لم يعتقل أو يجرح أو يستشهد! وكلما قمع الكيان الصهيوني الشعب الفلسطيني ازداد صلابة وتقديما للتضحيات، حتى أصيب هذا الكيان بأزمة هيكلية حقيقية، أزمة أمنية واقتصادية وإستراتيجية ونفسية.

إن الذي يبحث عن ظروف وردية ومريحة للجهاد فإنه يهزل في موضع الجد. وإذا كانت السجون معطلة للمقاومة الشعبية، فلا انهزم استعمار ولا سقط طاغية.

ولذلك فإن القيادات التي تخوف قواعدها بالسجون إلى حد التخلي عن واجب النصرة هي قيادات تخون الأمانة وتفقد مشروعيتها، والذي يعمل تحت رايتها متخاذل استراح إلى حياة الدعة.

إن تعرض الرسل والأنبياء لشتى صنوف الإيذاء والتعذيب والمشقة هي سنة من سنن الله الأبدية. وإذا كان المصلحون ورثة الأنبياء فعليهم أن يتوقعوا كل شيء دون أن يحيدوا لخطة واحدة عن واجباتهم.

مظاهرات مناوئة للحرب على العراق في لندن هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية

شكل المقاومة السياسية

مرة أخرى إن تنظيم المسيرات شبه اليومية المناهضة للعدوان هي الشكل الرئيسي في هذه اللحظة في مجال المقاومة السياسية، ونقترح أن تستهدف السفارات الأميركية والبريطانية، وأن يكون الهدف هو قيام الجماهير بمحاصرة هذه السفارات.

وندعوكم إلى أن تجعلوا يوم السبت 22 فبراير/ شباط القادم يوما للتظاهر ضد العدوان في كل العواصم العربية، وقد قررت اللجان الشعبية في مصر تنظيم مظاهرة في ذلك اليوم الساعة 12:30 ظهرا من أمام جامعة القاهرة.

دعونا نحاول في هذا اليوم ألا نقل عن مستوى المظاهرات الأوروبية من ناحية العدد.

نحن نعيش أياما مجيدة حيث هب العالم حكومات وشعوبا ضد الغطرسة الأميركية التي تعانى من أشد حالات العزلة. وفي هذا المناخ الدولي الموات فإن لحركتنا الاحتجاجية العربية دورا حاسما بإذن الله في إجهاض مخطط العدوان وليكن شعارنا جميعا النصر أو الشهادة.
________________
أمين عام حزب العمل في مصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة