بوتين يودع روسيا والشيشان   
الأربعاء 22/9/1428 هـ - الموافق 3/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)


عاطف عبد الحميد

- ليست عصا سحرية
- الوطني المستبد
- عودة بوتين

يجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حقائبه هذه الأيام استعدادا لمغادرة الكرملين في مارس/آذار المقبل بعد ثماني سنوات من الحكم حفلت بالكثير من الأحداث والقرارات المصيرية.

لم يفعل بوتين ما كان الغرب يراهن عليه فينتهك الدستور ويمدد فترة رئاسته، ولم يغره التفاف عشرات الملايين من الشعب الروسي حوله واحتلاله مكانة مرموقة كزعيم وطني انتشل روسيا من الضياع.

لا يصدق المراقبون أنفسهم اليوم وهم يرون بوتين وقد أفلت من جنون العظمة، ولم تتلبسه شياطين القائد الملهم والزعيم الروحي وبطل العصر.

لم يكن بوتين في الكرملين حقيقة الأمر، إذ لم ينشغل الرجل بالمراسيم الدبلوماسية وحفلات الشراب بل قضى سنوات حكمه متنقلا بين قارة وأخرى، وعاقدا تحالفا هنا وهناك ومجربا كافة الوسائل الممكنة (وغير الممكنة) لقيادة هذه الدولة المربكة المعقدة في خرائطها وتوجهاتها.

قبل أربع سنوات كتبنا في هذه الزاوية مراجعة للفترة الرئاسية الأولى من حكم بوتين (2000-2004) وختمنا المقال بسيناريوهات الفترة الثانية (2004-2008) حين كانت روسيا عند تقاطع الطرق وزوايا المنعطفات.

اليوم نطرح سؤالين جديدين، ما حصاد السنوات الثماني من حكم بوتين؟ وكيف ستقطع روسيا طريقها من بعده؟

"
لم يكن بوتين ساحرا نقل البلاد من التفسخ إلى النهوض في طرفة عين بل ساعدته في ذلك عوامل داخلية وخارجية كارتفاع سعر النفط ومناخ ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001
"
ليست عصا سحرية

حين آل الحكم إلى بوتين عام 2000 كانت هناك ثلاثة احتمالات لمستقبل البلاد: التفسخ والفوضى والفقر؛ وعودة الشيوعية؛ وإنقاذ روسيا ولملمة أطرافها.

وحين يغادر بوتين الكرملين في مارس/آذار 2008 تنتقل روسيا إلى ثلاث مسارات متوازية هي: استمرار التماسك والمركزية ودعم النمو الاقتصادي؛ وذبول الشيوعية والاندماج في المجتمع الرأسمالي؛ وتشكيل قطب دولي وقوة إقليمية مؤثرة في أوروبا وآسيا.

لم يكن بوتين ساحرا نقل البلاد من التفسخ إلى النهوض في طرفة عين بل ساعدته في ذلك عوامل داخلية وخارجية، إذ أن ارتفاع أسعار النفط من 20 دولاراً حين تولى الحكم إلى 70 دولاراً في فترة رئاسته الثانية قدم له ثروة طائلة وإمكانات لا حصر لها لدعم الصناعة وأبحاث الفضاء وتحسين مستويات المعيشة ورفع الرواتب.

وحين ارتفعت أسعار النفط عالميا تحدث بوتين اللغة الرأسمالية التي تفهمها الدول الأوروبية، ورفع أسعار الغاز الطبيعي ثلاث مرات مما جعله يجني ثروة لم يكن أحد يحلم بها قبل خمس سنوات.

وتدفقت الأموال الفائضة إلى مصانع الأسلحة وبلغت معدلات التصدير إلى الصين والهند والدول الأفريقية والآسيوية أرقاما فلكية، وزادت بنحو 20 مرة عما كانت عليه قبل عشر سنين.

لقد ساهمت أسعار النفط والغاز، لا قريحة بوتين ولا عصاه السحرية، في تمكين روسيا من سداد أقساط ديونها الخارجية البالغة نحو 170 بليون دولار بشكل منتظم.

وبعد أن كان سداد الديون يستهلك 90% من إجمالي الناتج المحلي قبل ولاية بوتين، تقلصت هذه النسبة في السنوات الخمس الأخيرة إلى نحو 30%.

وكانت المحصلة زيادة احتياط النقد الأجنبي في الخزينة الروسية من 10 بلايين دولار عام 1999 إلى 120 بليوناً العام الماضي ثم إلى 200 بليون هذه السنة.

قبل عشر سنوات كان العلماء الذين هاجروا إلى الغرب وإسرائيل قد تركوا فراغا علميا وأكاديميا في سنوات يلتسين، الآن يحل محلهم بالتدريج جيل وسيط وشاب من علماء وخبراء ساهموا بقدر معقول في إعادة التوازن إلى المؤسسات التي بدت منهارة قبل عشر سنين، وقد امتلكوا قدرا معقولا من التقنيات والمفاهيم التي تتعامل بها روسيا مع النظام الاقتصادي والقانوني العالمي.

وعلى مستوى الصراع الداخلي على الكرملين، كانت المعارضة معلقة في سقف عال عن الجماهير نخبوية وفئوية، وذات أطماع مالية (ويهودية في جزء منها). وحين قطف بوتين رؤوسها ونفى وسجن بعض زعمائها سقطت أعمدتها وأغلقت صحفها وقنواتها التلفزيونية.

وفي الجمهوريات السوفياتية السابقة أظهرت الأنظمة المدعومة من الغرب إفلاسها، وهي تعيش الآن أزمة صراع داخلي. وتبين أن تحويل هذه الدول إلى مخافر أمامية لضرب النفوذ الإقليمي لروسيا أمر بعيد المنال.

"
تبنى بوتين نظاما شموليا وقبضة مركزية على حكام الأقاليم والجمهوريات الروسية وهيمن على مجلس الوزراء، وأتقن اختيار المعاونين وزعماء الصف الثاني من زملاء المخابرات والدراسة والعمل
"
الوطني المستبد

لم يكن لبوتين في أغلب ما سبق فضيلة، بل سقطت كل هذه الفرص أمامه كثمار ناضجة، وقد أحسن الرجل تلقفها. لكن على الجانب الآخر ساهم بوتين في تدعيم المكانة الدولية لروسيا، والنهوض بها داخليا من خلال مجموعة من الممارسات المتناقضة والمتكاملة.

فقد عمل بوتين لمصلحة روسيا ومكانتها، وكان واعيا بخطورة المرحلة التي تمر بها بلاده. كما كان واعيا بذاته، ولم يتأخر في لعب نفس الدور الوحشي الذي لعبه قبله حكام الكرملين تجاه شعوب القوقاز.

تبنى الرجل نظاما شموليا وقبضة مركزية على حكام الأقاليم والجمهوريات الروسية وهيمن على مجلس الوزراء، وأتقن اختيار المعاونين وزعماء الصف الثاني من زملاء المخابرات والدراسة والعمل في سان بطرسبرغ.

وكان بوتين قاطعا في إنهاء التشويش المعلوماتي وإغلاق صحف الفضائح وقصف الأقلام المشاغبة، وإن كان ما زال ينكر الاتهام بأنه أمر باغتيال الكتاب والصحفيين الذين اعتبرهم الغرب شهود عيان على مذابح الشيشان وفي مقدمتهم الصحفية آنا بولوتكوفسكايا.

واعتمد على مجموعة واعية من المستشارين في شؤون السياسة الدولية سمحت له بأن يتحدث في مصر وكأنه خبير واع بخطر الإخوان المسلمين على النظام المصري، ويهمس في أذن العاهل السعودي بأنه يشعر بالألم الذي يصيب الرياض من الهجمات الإرهابية لأنه عاني منها من قبل في موسكو.

كما تمكن من أن يكسب ثقة الصين وينتزع اعتراف الولايات المتحدة به كرئيس له وزن وصاحب فكر ورسالة، وتحالف في نفس الوقت مع ألمانيا وفرنسا دون أن يخسر علاقته بإيران وسوريا.

ومن الغرب استعار بوتين تحسين الصورة الدولية بالحملات الإعلامية المحترفة، فأطلق الإعلام الروسي فضائية "روسيا اليوم" بالإنجليزية والعربية التي تقدم صورة براقة لروسيا الحاضر، وإن كانت النسخة الإنجليزية أكثر عمقا.

وعلى مستوى تماسك التكوين الفدرالي، استفاد بوتين من انزلاق قادة المقاومة الشيشانية إلى ممارسات إرهابية ومذابح للأطفال.

وكان العالم يعرف في عهد يلتسين زعماء كسبوا التعاطف الدولي والدعم المادي والأدبي نتيجة كفاحهم المشرف، زعماء بحجم ومكانة جوهر دوداييف الذي اغتيل في الشيشان، وسليم خان يندرباييف الذي اغتيل في قطر، وأصلان مسخادوف الذي اغتيل في الشيشان.

لكن في عهد بوتين خطف شامل بساييف قيادة المقاومة إلى ممارسات يائسة صنعت مذبحة بيسلان عام 2004 وساهمت في عزل المقاومة الشيشانية، وسمحت للجيش الروسي باكتساب مظلة إعلامية دولية مكنته من الإمعان في القتل والتدمير والخطف والاعتقال.

وكانت سياسة بساييف اليائسة ترجمة لانقطاع الدعم الذي تلقته المقاومة الشيشانية من مصادر روسية وغربية وعربية.

ففي وقت متزامن انقطع استغلال أعداء بوتين لبعض قادة المقاومة، وتوقف الغرب عن دعم المقاومة الشيشانية نتيجة ترتيب حسابات مع موسكو بعد 11 سبتمبر/أيلول، وتلا كل ذلك توقف بعض العرب للمقاومة دعمهم الذي كان يحاكي في جزء منه اللعبة الكبرى التي جرت في أفغانستان إبان الغزو السوفياتي.

وما لم يلتفت إليه الشيشانيون وربما التفتوا وتناسوا، هو أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استغلال المقاومة الشيشانية من أجل مصالح خارجية.

فالتاريخ يحتفظ لنا بممارسات مشابهة تم فيها استخدام الشيشان خلال الصراع الذي اشتعل منتصف القرن 19 بين روسيا والدولة العثمانية.

صحيح أن الجيش الروسي سحق الشيشان في فترة رئاسة بوتين الأولى، لكن بوتين صنع من مذبحة بيسلان في فترته الثانية أسطورة قومية وجعل منها رمزا للتوحد الوطني أمام الأعداء الخارجيين. وحين سكتت أصوات المدافع والطائرات كان الإعلام يلعب دوره بجدارة مصورا من صنعوا مذبحة بيسلان على أنهم كل الشيشان، وأن الشيشان تحصل الآن على الجزاء الذي تستحقه.

"
يحافظ بوتين على وضعية الشيشان والقوقاز نطاقا عازلا يحسب إستراتيجيا ضمن الأراضي الروسية ولكنه لا هوية وطنية له، وكأنه اقتنع بمنهج الإبقاء على القوقاز إقليما مغضوبا عليه لا مصلحة في نهضته لروسيا الحديثة
"
استعار بوتين في الشيشان النموذج العربي في التوريث ونقل رمضان قديروف نجل أحمد قديروف (الرئيس المغتال في مايو 2005) إلى منصب رئيس جمهورية الشيشان، وصارت صور وملصقات قديروف الأب والابن تملأ كل مكان في العاصمة غروزني على نحو ما تنقل هيئات مراقبة جرائم الحرب في الشيشان.

والنتيجة مزيد من تعميق الحكم القبلي، وتمزيق الانتماء في الجمهورية التي صارت مرتعا للمخابرات والجيش.

وفي العامين الأخيرين حافظ بوتين على وضعية الشيشان والقوقاز كنطاق عازل معطل، فهو من الناحية الإستراتيجية جزء من الأراضي الروسية لكن لا هوية وطنية له.

واقتنع بوتين بالمنهج القيصري القديم بالإبقاء على القوقاز إقليما مغضوبا عليه، لأنه ليس أكثر من مكان متخم بشعوب "غير روسية" وليست هناك مصلحة لنهضته ولا دمجه في روسيا الحديثة.

عودة بوتين
بهذه الإنجازات يبدو فلاديمير بوتين زعيما لا يمكن تعويضه، ولكن كيف إذن يمكن لموسكو أن تحتفظ به؟ وكيف يحقق هو طموحه ومشروعه دون أن ينتهك قوانين البلاد الدستورية ودون أن يشوه صورة روسيا فتغدو دولة دكتاتورية متخلفة؟

يبدو أن بوتين عثر على حل ماكر، قبل أسابيع قليلة (منتصف سبتمبر/أيلول 2007 ) أقال رئيس الوزراء ميخائيل فرادكوف واختار خلفا له فيكتور زوبكوف. ولم يترك بوتين لزوبكوف فرصة اختيار الوزراء بل كان وراء الأسماء والشخصيات.

لم يكن زوبكوف شخصية معروفة في الوسط السياسي أو لها ثقل في التاريخ الحديث لروسيا. وأكثر من هذا أن بوتين طرح مفاجأتين: الأولى أنه يرشح بقوة زوبكوف لرئاسة روسيا في انتخابات مارس المقبلة، والثانية إعلان بوتين عن أنه سيرشح نفسه لرئاسة روسيا عام 2012 أي بعد انتهاء فترة رئاسية بينية.

هنا يلعب السن دوره، فرئيس الوزراء الجديد يبلغ من العمر 66 عاما، وإذا فاز برئاسة روسيا في انتخابات مارس المقبلة فعليه مغادرة الكرملين نهائيا عام 2012 لأنه سيكون قد بلغ 70 عاما ولا يحق له بعدها شغل منصب سياسي، هنا يتقدم بوتين (الذي سيكون وقتها دون الستين) ليترشح للرئاسة.

هذا هو السيناريو الذي اتفق المراقبون في الداخل الروسي وفي مراكز الأبحاث الغربية على توقعه للسنوات الأربع المقبلة. ويستمد هذا السيناريو شرعيته من حدوثه سابقا بين يلتسين وبوتين عام 2000.

فحينما اختار بوريس يلتسين في مقعد رئيس الوزراء ضابط المخابرات المغمور فلاديمير بوتين ورشحه رئيسا للبلاد ووقف خلفه، كان الاتفاق الضمني أن تطوى صفحة يلتسين (بمرها قبل حلوها) اعترافا بجميل تحويل الضابط المغمور إلى رجل روسيا الأول.

الآن يقدم بوتين لزوبكوف جميلا مشابها ويضع رجل اقتصاد مغمور في منصب رئيس الوزراء ويقف خلفه لمقعد الرئاسة، وعلى زوبكوف إذن أن يرد الجميل ويحفظ منصب الرئيس لبوتين حتى مارس 2012.

ولأن روسيا ليست بهذه البساطة وسهولة التفسير، فيبقى كثير من الأسئلة معلقا وبصفة خاصة دور ومكانة الرجال الأشداء من طراز سيرغي إيفانوف وديمتري ميدفيدوف في مستقبل الرئاسة.

هنا يعجز المراقبون على تكملة السيناريو. وتطرح من جديد الأسئلة: هل ستبقى روسيا مجمدة أربع سنوات بهذا السيناريو؟ وهل سينجح بوتين في الاحتفاظ بكافة الأوراق حتى عودته عام 2012؟

هل روسيا طيعة إلى هذه الدرجة؟ وهل ستترك الدول الغربية حاشية الكرملين تلعب بأوراقها كاملة؟ الشهور المقبلة ستكون شاهدا على تغيرات عديدة في السياسة والتاريخ في روسيا.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة