حقائق غائبة وحقوق مهضومة   
الاثنين 1429/8/3 هـ - الموافق 4/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:46 (مكة المكرمة)، 20:46 (غرينتش)
فيوليت داغر

 


أصدرت في 10 و11 يوليو/تموز 2008 الماضي الغرفة الجنحية بابتدائية الرباط أحكاما جائرة بتهمة نشر خبر زائف على رئيس مكتب سيدي إفني للمركز المغربي لحقوق الإنسان إبراهيم سبع الليل بالسجن ستة أشهر نافذة وبغرامة مالية. كما أصدرت حكما بحق مدير مكتب قناة الجزيرة بالرباط الصحفي حسن الراشدي بغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم.

وكان رد فعل المحامين الذين تطوعوا للدفاع عن المتهمين، كما الحقوقيون الذين تنادوا للتضامن معهما، رفض مبدأ الإدانة والتقدم باستئناف للحكم على اعتبار أن الجريمة التي حوكما بها غير قائمة والمتابعة باطلة ومقتضيات الفصل 42 من قانون الصحافة الذي مثلا بموجبه غير متوفرة.

"
كان لمدينة سيدي إفني أن تدفع ثمن تحديها للسلطات الحاكمة قمعا أمنيا بدأ في جنح الظلام هجوما على المنازل وإعمالا بالأهالي نهبا وسلبا وضربا وانتهاكا للحرمات والكرامات
"

وجاء هذا الرفض لأن الأحكام صدرت قبل ظهور تقارير رسمية وغير رسمية تتضمن تحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وقعت قبل شهر ونيف بحق سكان سيدي إفني.

وفي حين تبدو قناة الجزيرة مستهدفة لنشرها أخبارا عن هذه الأحداث، لم يكن الأستاذ سبع الليل وحده من قدمها وإنما نشرتها صحف مغربية وتداولتها وكالات أنباء غربية، لكن المقصود استهداف حرية التعبير التي باتت السلطات المغربية تضيق ذرعا بها.

فقد سبق أن مثل صحفيون آخرون أمام نفس القاضي محمد العلوي في المحكمة الابتدائية في الرباط حيث صدرت بحقهم أحكام متفاوتة لا يزال بعض منها قيد النظر في محكمة الاستئناف.

مدير مجلتي "دومان" و"دومان ماغازين" الصحفي علي المرابط الذي حضر المحكمة كان قد حكم عليه بالسجن أربع سنوات والمنع من ممارسة مهنة الصحافة عشر سنوات، مما اضطره بعد العفو الملكي لمغادرة المغرب والعمل في الصحافة الإسبانية.

كذلك الأمر مع مدير أسبوعية "لوجورنال إيبدو" أبو بكر الجامعي الذي أدين في 2007 بغرامة بلغت ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف درهم (480 ألف دولار)، الأمر الذي اضطره للاستقالة واللجوء للولايات المتحدة.

كما حكم على مدير جريدة "الأسبوع" وعميد الصحفيين المغاربة مصطفى العلوي بدفع غرامة تقدر بحوالي 27 ألف دولار. أما الرقم القياسي فسجل بحق مدير يومية "المساء" رشيد نيني بتهمة القذف في حق وكلاء الملك، وكانت الغرامة 820 ألف دولار.

كانت منظمات عربية ودولية لحقوق الإنسان، أوفدت بعثات مراقبة قضائية لحضور جلسات المحكمة، قد تقدمت قبل جلسة النطق بالحكم برسالة مفتوحة لرئيس المحكمة الابتدائية، طالبته فيها بوقف الملاحقة القانونية بحق المتهمين وتأجيل إصدار الحكم بانتظار استكمال عناصر الملف والانتهاء من التحقيق في ملابسات ما جرى في السابع من يونيو/حزيران الماضي في سيدي إفني.

وهذا ما كان محامو الدفاع قد طالبوا به خلال مرافعات عالية الكفاءة والمهنية استمرت عشر ساعات في الرابع من يوليو/تموز السابق ليس دفاعا فقط عن المتهمين وإحقاقا للحق، وإنما أيضا لإنقاذ استقلال القضاء وسمعته.

لكن نزل الحكم بعدما رفضت المحكمة إحضار الشهود من الضحايا المتضررين ومن الشخصيات الحقوقية والإعلامية التي نشرت تقارير عن أحداث سيدي إفني أو شاركت في لجان تقصي الحقائق كجمعية "أطاك المغرب" والجمعية والمنظمة المغربيتين لحقوق الإنسان والعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان.

وكما رفض القاضي استدعاء اللجنة البرلمانية ولجنة حزب العدالة والتنمية (رغم أنهما تشكلتا بقرار سياسي)، ورفض استدعاء مسؤولين كان لهم دور في الأحداث أو أدلوا بتصريحات لوسائل الإعلام مثل وزير الداخلية شكيب بنموسى ومحافظ إقليم تيزنيت والمفتش العام للقوات المساعدة الجنرال حميدو العنيكري ومسؤولين آخرين.

فقضاء التعليمات كان قد جهز الحكم مسبقا، فيما منح بعض الوقت لسير العملية، على شرط أن يأتي الحكم في مصلحة الحاكم وليس المجني عليه. لذا وجد محامو الدفاع أنه لا بد من انسحابهم من قاعة المحكمة احتجاجا على رفض القاضي الأخذ بعين الاعتبار بطلباتهم وحججهم.

"
منذ خروج قانون مناهضة الإرهاب المقيد للحريات والحقوق الأساسية، عرف المغرب بنوع خاص تراجعا بعد أن كان لسنوات خلت قد شهد إنجازات على أصعدة القضاء والصحافة والجمعيات الحقوقية
"

فمنذ خرج قانون مناهضة الإرهاب المقيد للحريات والحقوق الأساسية، عرف المغرب بنوع خاص تراجعا بعد أن كان لسنوات خلت قد شهد إنجازات هامة على أصعدة القضاء والصحافة وأنشطة الجمعيات الحقوقية.

والآن يأتي قانون البث الفضائي ليكمل مصادرة هامش الحرية الذي بقي متاحا عبر الفضائيات وليضع أجهزة الإعلام تحت رقابة جهاز أمن جديد.

أنفاس السلطات ضاقت -على ما يبدو- بـ"المشاغبين" الذين لم يوقفوا اعتصاماتهم طالما أن الوعود التي أغدقت عليهم لم تسفر عن شيء.

كان لمدينة سيدي إفني أن تدفع ثمن تحديها للسلطات الحاكمة قمعا أمنيا، بدأ في جنح الظلام هجوما على المنازل وإعمالا بالأهالي نهبا وسلبا وضربا وانتهاكا للحرمات والكرامات.

لقد استعملت الهراوات والرصاص والقنابل المسيلة للدموع والصفع والركل والاغتصاب والاستفزاز بالكلام النابي والعنصري الحاقد. ووصل التعنيف لمن لم يكن لهم علاقة بالاحتجاجات أصلا، لتضعهم رغما عن أنوفهم في المعمعان.

كل هذا لأن أبناء سيدي إفني قرروا أن يتصدوا على مر أسبوع بعصيانهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم والحصار الذي ضربوه على ميناء مدينتهم، لسرقة خيراتها ونهب ثرواتها السمكية.

وبعد أن فاض الكأس يوم كان للقرعة أن تستقر في مكان آخر، وليس على الألف شاب الذين تقدموا لشغل ثمانية مناصب في قطاع التنظيفات. فكان الشعور بالإحباط عارما، جرّ اعتصاما وتمردا، وكبُر ليصبح شعبيا ومنظما ومؤطرا ومتمحورا حول مطالب محددة وواضحة.

ورغم قدسية الجسد ومفهوم العار، خرجت نساء لتتحدث عاليا أمام الرأي العام، وعبر الإنترنت خصوصا، عما لحق بهن من ذل ومهانة وتدنيس الحرمات ومس الكرامات.

لكن حيث يوجد لكل قاعدة شواذ، طلعت علينا جمعية محلية، بمؤازرة من أخرى دولية، لتنفي على لسان رئيستها وجود قتلى ونساء مغتصبات.

والطامة الكبرى هي أن تكون حقوقية وامرأة هي تلك التي تنفي حوادث الاغتصاب، في حين أن هذه الجريمة لا تفترض بالضرورة الإيلاج لتعتبر قائمة.

وهذا ما أقره حتى مجلس الأمن، المؤسسة الأقل مراعاة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة! ثم ماذا يمكن اعتبار الشهادات التي تحدثت عن حالات اغتصاب وتعنيف جنسي في مجتمع ليس من السهولة بمكان أن تجهر المرأة فيه بمثل هذه الأمور عندما تقع ضحيتها؟ وإضافة إلى الاغتصاب، سقط قتلى حيث وجد هناك من شاهد سقوطهم في أماكن عدة.

ولو قبِل القاضي استدعاء الشهود الذين طلبهم الدفاع لاستطاع أن يؤكد ربما صحة النفي الرسمي لحدوث هذه الجرائم، التي ستبنى حينها على ثوابت وليس ظنونا.

"
هل لأن في المغرب مجتمعا مدنيا ناشطا وفاعلا وصحافة مستقلة وديناميكية، يعمل أصحاب الخيار الأمني على دحرها؟
"

فهل لأن في المغرب مجتمعا مدنيا ناشطا وفاعلا وصحافة مستقلة وديناميكية، يعمل أصحاب الخيار الأمني على دحرها؟

هل لأن من تربى فعلا من أجهزة الأمن على أسلوب القمع لا يمكن أن يضحي بالعلاوة والمنصب من أجل حفظ كرامة أخيه الإنسان؟

من دون قضاء نزيه ومستقل عن الجهاز التنفيذي ماذا يمكن أن تفعل القوانين المنصوصة حتى ولو كانت متقدمة؟

هل من ضمانات في مثل هذا الوضع لتطبيق القانون أو لمحاكمة مسؤول عن ارتكاب جرائم؟ ماذا تنتظر الأنظمة التي أنزلت بشعوبها المهانة والفقر والتهميش سوى الاحتجاج والتمرد والانتفاض على الوضع الذي ترزح تحت وطأته؟

هذا المشهد هو صورة لما هو قادم في هذه البلدان وفي غيرها ممن لا نسمع عنها الكثير بفعل التعتيم المطبق عليها وعلى وسائل تواصلها مع العالم. كما أنه تكرار لنماذج حدثت في بلدان عربية من مثل المحلة الكبرى في مصر أو منطقة الحوض المنجمي في تونس.

فمع خفوت أحداث المحلة، لا يزال حتى اليوم يتناهى لسمع العالم ما يعانيه أهالي الحوض المنجمي المحاصرين من قوات الأمن والجيش، وخاصة منذ السادس من يونيو/حزيران الماضي تاريخ إطلاق الرصاص الحيّ على المواطنين والبدء بسلسلة اعتقالات شملت شبيبة المنطقة وقيادات الحركة الاحتجاجية. لقد ساموهم التعذيب والتنكيل والتوقيف العشوائي ومداهمة المنازل ومحاكمات جائرة.

فهنا كذلك تبقى الحلول الأمنية هي خيار السلطة الأوحد في مواجهة التحركات الاحتجاجية والتضامنية. في الوقت الذي تتفشى فيه البطالة والاستغلال والمحسوبية والبيروقراطية في النسيج الاجتماعي والمؤسساتي والإداري في المنطقة وفي سائر البلد.

"
محاسبة المسؤولين عن جرائمهم هي المعركة التي لا بد للمجتمعات المدنية من خوضها لوقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
"
محاسبة المسؤولين عن جرائمهم هي المعركة التي لا بد للمجتمعات المدنية من خوضها لوقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. مثال على ذلك قدمته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عندما رفعت دعوى في يونيو/حزيران 2007 ضد حميدو العنيكري المتهم بتورطه في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب في سنوات الجمر والرصاص.

أما النيابة العامة فارتأت حفظها بدلا من التعامل مع الدعوى باستقلالية وحياد. لذلك يعتقد الكثيرون أنه إذا استمر القضاء المغربي في صد الأبواب أمام استدعاء بعض الأشخاص النافذين ومساءلة المسؤولين الأمنيين عما حدث في سيدي إفني وغيرها، لن تتوصل لجنة تقصي الحقائق البرلمانية ولا غيرها لتقديم شيء جدي.

بل سيدفع ذلك لمقاطعة الانتخابات وتشكيل عامل اختلال في استقرار هذا البلد الذي حقق مقارنة بغيره بعض المكتسبات في مجال حقوق الإنسان.

علاوة على آفات الاستبداد هذه، يعيش الشعب المغربي كغيره على وتيرة زيادة أسعار البنزين والغازوال، والتي تنعكس على أسعار المواد الغذائية التي شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعا كبيرا.

الأمر الذي ينذر بتضاعف الاحتقان الاجتماعي، الذي سيخلف بدوره موجة من الغضب والاحتجاج الشعبي. كما سيجر لاستفحال تأزم الأوضاع، التي لن ينفع فيها الاعتماد على المقاربة الأمنية التقليدية واستعداء واختراق العمل النقابي والتنصل من الالتزامات أو التخلي عن دعم المواد الأساسية إن كانت مدعومة أصلا.

فصيحات الإنذار، التي أطلقها العالم في السنوات الأخيرة، نجمت عن أزمات اجتماعية واقتصادية وبيئية، وعن زيادة أسعار النفط وارتفاع الطلب على المحروقات وضرورة توفير الوقود الحيوي.

وبالتالي ترجمت ارتفاعا هائلا في أسعار الحبوب وأزمة في المواد الأولية المطروحة في الأسواق. ترافق هذا مع تناقص في الثروات البحرية وارتفاع الحرارة والتلوث وتغييرات في أحجام هذه الثروات من منطقة لأخرى بسبب التقلبات المناخية.

وهذا ما أثر على حياة مئات الملايين من البشر الذين يعتاشون مما تختزنه أجواف البحار والمحيطات. الأمر الذي سيفضي لا محالة لانتفاضات جوع يقدر لها أن تزداد خاصة في البلدان الفقيرة مع جفاف الأراضي وفيضانات المياه ووجوب انتقال مجموعات بشرية كبيرة من أماكن تواجدها.

ارتفاع الحرارة الشديد في أوروبا صيف 2003 أو إعصار كاترينا الذي اجتاح الولايات المتحدة في 2005 ودمر ما دمر، لفتا وغيرهما أنظار البلدان المصنعة إلى أنها ليست في مأمن من غضب الطبيعة ومن كلفتها على خزينتها، رغم ارتفاع إمكانيات المواجهة لديها.

إلا أنه من المؤكد أن التغييرات المناخية ستؤثر بشكل أكبر على البلدان النامية، كونها لا تمتلك أيضا الوسائل الكافية والكفيلة بمواجهة تأثيراتها.

هذا الاختلال في التوازن سيزداد قوة وسيجر ارتفاعا في التوتر وفي تهجير أعداد جديدة من البلدان الفقيرة باتجاه البلدان الصناعية والمتقدمة.

بحيث إن ما يسمى بالتهجير المناخي يستدعي تضامنا وتفاعلا أكبر من هذه البلدان لمعالجة هذا النوع من الآفات.

ويلفت المختص في علم المناخ محمد سعيد قروق إلى أن بلدان البحر الأبيض المتوسط تعاني بشكل لافت من ازدياد هام في ارتفاع الحرارة وانخفاض في منسوب الأمطار بفعل تحول للعواصف من جنوبه باتجاه شماله وجفاف أكبر لأراضيه وارتفاع حرارة إضافي في فصول الربيع والصيف.

"
القادة العرب يتراكضون للانخراط في مشروع الاتحاد المتوسطي لتكريس الهيمنة الغربية واستغلال ثروات البلدان العربية وتسهيل الدعم للكيان الصهيوني على حساب العمل على بناء اتحاد المغرب العربي وتدعيم جامعة الدول العربية
"

فهل إزاء هذا الوضع المستعصي وذي الإشكاليات المتعددة الجوانب يبقى من خيار سوى خيار المقاومة المدنية وخوض أشكال النضال الممكنة مهما كلف ذلك من تضحيات؟

هذا الوضع المأزوم يفترض من كل فرد أن يصبح مسؤولا عن وجوده وعن أحوال مجتمعه وليس الاعتماد على الغير.

فالسياسات الدولية التي جرّت الكوارث، والمحلية التي أثبتت فشلها وتخلفها، تتضافر معها إستراتيجية الحيتان الكبيرة من الجمعيات غير الحكومية التي منها من يعمل لتبييض صورته والتقرّب من مراكز النفوذ المالية والسلطوية أكثر منه على دعم المظلومين والمحتاجين.

واليوم نجد القادة العرب يتراكضون للانخراط في مشروع الاتحاد المتوسطي لتكريس الهيمنة الغربية واستغلال ثروات البلدان العربية وتسهيل الدعم المتواصل لأميركا وأوروبا للكيان الصهيوني.

وذلك على حساب العمل على بناء اتحاد المغرب العربي وتدعيم جامعة الدول العربية لتحقيق التكامل الاقتصادي وضمان النمو والأمن والاستقرار والسلم في الدول العربية ومواجهة المخططات الإمبريالية والصهيونية. وبعد ذلك التقدم للمشاركة بهذه الصيغ مجتمعين على خطوط مشتركة وليس متفرقين ومبعثرين كما هم الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة