كيف سيتعامل الأميركان مع المتغيرات على الساحة الخليجية ؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

عبدالله العمـادي*

مصادر أمريكية أكدت في وقت سابق وربما ستعود الى التأكيد مرة أخرى -فيما لو لم تنجح الولايات المتحدة في معالجة موضوع العراق بالصورة المثلى أو الصورة المقنعة للعالم- على أخبار تدور في مطبخ صناعة القرار الأمريكي عن عزم الحكومة بحث فكرة إعادة وترتيب نشر قواتها ووجودها العسكري في منطقة الخليج، وإبعاد تلك القوات عن الأنظار قدر الإمكان سواء في الوقت الراهن وأكثر بعد الانتهاء من أزمتها مع العراق، خصوصاً بعد تزايد التحذيرات الأمنية، ولاعتبارات سياسية أخرى.


يرى المراقبون أن المتغيرات على الساحة الخليجية منذ أحداث الخبر بالسعودية وانتهاء بما حصل لجنديين أمريكيين في الكويت قد لعبت دورا مهما في التفكير الجدي لدى صنَاع القرار الأمريكي، في ضرورة الإسراع بإعادة النظر في الوجود العسكري ”
وستقوم الولايات المتحدة في سبيل تحقيق ذلك الأمر بإعداد خطط طويلة من أجل إعادة توزيع الانتشار لقواتها بالمنطقة، وبالصورة التي تستطيع بواسطتها الحفاظ على أمن وسلامة قواتها من أي أخطار وصعوبات قد تنشأ بسبب تمركزها الكبير في المنطقة أولاً، والحفاظ على استمرارية تدفق النفط من المنطقة وعدم تعرضه لأي خطر ثانيا.

ويرى المراقبون للوضع في الخليج ، أن المتغيرات على الساحة الخليجية منذ أحداث الخبر بالسعودية في يونيو 1996وانتهاء بما حصل لجنديين أمريكيين في الكويت الشهر الفائت، قد لعبت دورا مهما في التفكير الجدي لدى صنَاع القرار الأمريكي، في ضرورة الإسراع بإعادة النظر في الوجود العسكري للولايات المتحدة وبالكثافة التي عليها الآن فور الانتهاء من الأزمة الحالية مع العراق، وأهمية التعامل الجاد مع تلك المتغيرات الشبيهة ببركان يثور باطنه وقد يقذف بحممه في أي وقت .

ومما يمتاز به الأمريكان، هو ارتباط تحركاتهم ووضع سياساتهم الخارجية بالتقارير التي تقوم عليها مراكز دراسات استراتيجية، ومعاهد أبحاث متخصصة في كيفية ضمان أمن مصالح الولايات المتحدة في شتى بقاع العالم .. وقد صدر تقرير قبل ثلاثة أعوام تقريباً عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والمختص بشؤون العالم العربي وإيران وتركيا، يبين الذين قاموا عليه الكيفية التي يجب أن تسير عليها السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات القليلة القادمة في منطقة العالم العربي، أو كما يسمونها الآن، بالشرق الأوسط الجديد.

التقرير، الذي قام عليه عدد من الأسماء المشهورة في الولايات المتحدة وذات الخبرة في العلاقات الدولية ووضع الإستراتيجيات، تحدث عن الوجود الأمريكي بمنطقة الخليج، وكيفية التنسيق والتوافق أولا، بين المحافظة على ضمان تدفق النفط الخليجي بانسيابية وحرية ودون إزعاجات محتملة، سواء من العراق أو إيران باعتبارهما القوتين المحتملتين لزعزعة أمن واستقرار المنطقة - حسب المفهوم الأمريكي لأمن المنطقة - والمحافظة ثانيا على أمن وسلامة أفرادها ومعداتها العسكرية المخزنة بعدد من دول الخليج، والحيلولة دون تعرضها لأي أخطار أوإشكاليات قد تقع في أي وقت، مع تصاعد وتيرة الكراهية والعداء الكامن للوجود الأمريكي في الفترة الأخيرة.


ما يمتاز به الأميركان هو ارتباط تحركاتهم ووضع سياساتهم الخارجية بالتقارير التي تقوم عليها مراكز دراسات استراتيجية، ومعاهد أبحاث متخصصة في كيفية ضمان أمن مصالح الولايات المتحدة في شتى بقاع العالم
ولعل عزم صُنّاع القرار في واشنطن إعادة النظر في الوجود العسكري لبلادهم في منطقة الخليج، سواء من ناحية الأفراد أو المعدات ، يجيء ودون شك ، بعد العديد من الدراسات التي قامت بها مراكز دراسات استراتيجية متعددة بالولايات المتحدة ، تحذر القيادة السياسية والعسكرية من التطورات الحاصلة بالمنطقة، والتي ستكون ذو نتائج غير سارة للوجود الأمريكي ما لم تتم تغيير التكتيكات اللازمة وتنج في مسايرة الواقع الحالي بالمنطقة ..

ولعل من أفضل النصائح التي أكدت عليها تلك الأبحاث والدراسات والتقارير الاستخباراتية، هي تخفيض الوجود العسكري أولا، متبوعة بعدم الظهور السافر لأي مظهر عسكري في المجتمعات الخليجية، وعدم إحراج الأنظمة الحاكمة في المنطقة.

عدد من المنظرين الأمريكان الذين كلفهم مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، يرون أهمية الوجود العسكري الأميركي في الخليج من أجل الأمن والاستقرار، مع لفت الانتباه إلى أن هذا الوجود العسكري قد يجعل من أنظمة الحكم في الخليج، هدفا لانتقادات مواطني تلك الأقطار.. وبرهن أولئك المنظرون على ذلك بتصاعد درجة العداء والكراهية للولايات المتحدة، وخصوصا من قبل مجموعات المعارضة الخليجية الرافضة للوجود العسكري الأمريكي أصلا بالمنطقة، وأن تلك المجموعات بإمكانها استثمار المشاعر المعادية للغرب بشكل عام والولايات المتحدة، بالتركيز على النواحي السلبية للوجود الغربي أو الأمريكي تحديدا في الخليج، وأن هذا الوجود إنما يقوَض سيادة دول مجلس التعاون.. واستدل كاتبو التقرير بانفجارات الرياض والظهران باعتبارهما أبرز مظاهر الرفض للوجود الأمريكي، ومن أوضح الأدلة على تنامي روح العداء للولايات المتحدة في الخليج، وأن من الأهمية بمكان معالجة ذلك قبل سريان تلك الروح في كثير من الشرائح المجتمعية في الخليج.

وما تقوم به الولايات المتحدة الآن من التخطيط لإعادة انتشار قواتها وبرمجة وجودها العسكري بالخليج، إنما هو دليل على شعورها بعدم الاطمئنان إلى وضعها بالمنطقة، وأن الأمور تجري في بعض المسارات عكس ما كانت تتوقعه.. وما انتقال مواقعها العسكرية في السعودية مثلا إلى أعماق الصحراء وابتعادها عن المدن والأنظار، إلا دليل على ذلك الشعور.

مع هذه المتغيرات الحاصلة في منطقة الخليج، وتحرك الولايات المتحدة للتعامل معها، وبما يضمن عدم تعرض مصالحها للخطر، واستشعارها بخطورة الاتجاه المعارض لوجودها في الخليج وغيرها من أمور، فإننا مدعوون إلى أن نتساءل عن المدى الذي يمكن أن ترضخ فيه الولايات المتحدة لضغوط من تلك النوعية، وكيف سيكون تعاملها مع القيادات السياسية في المنطقة في الفترة المقبلة، وهل يمكن أن تقع مصادمات بين حكومات الخليج ومجموعات من شعوبها ؟

حقيقة الأمر، أنه لا يمكن أن يرد أي مراقب بنعم أو لا، سوى إمكانية القول بأن ذلك الأمر جائز وقوعه ومحتمل في أي وقت، ولعل ذلك القول هو أفضل ما يمكن أن يقال حول حركة الأحداث في الخليج . وأحسب أن الولايات المتحدة لن ترضى بهذا الواقع، ولن ترضى أن تزعزعها مجموعات متناثرة هنا وهناك، وفي منطقة مسالمة في الأصل مثل الخليج.. وظني أن ضغوطات كبيرة منها ستقع على عاتق القيادات السياسية الحاكمة في الخليج، من أجل التعامل مع مسببات عدم الاستقرار للوجود الأمريكي في الخليج.


أحسب أن الولايات المتحدة لن ترضى أن تزعزعها مجموعات متناثرة هنا وهناك، وفي منطقة مسالمة في الأصل مثل الخليج .. وظني أن ضغوطات كبيرة منها ستقع على عاتق القيادات السياسية الحاكمة في الخليج، من أجل التعامل مع مسببات عدم الاستقرار للوجود الأمريكي في الخليج

أما الحديث عن ماهية و نوعية تلك التعاملات، أو الضغوطات المحتملة على القيادات السياسية الحاكمة في الخليج من قبل الولايات المتحدة ، فأظن أنها لن تكون عادية إذا ما اشتد الأمر، وزادت الضغوط الأمريكية.. على أن المنظرين الأمريكان الذين كتبوا التقرير سالف الذكر، يرون الأمر من منظور محدد يفيد بأن معالجة المشكلة تلك، لا تتم سوى بطريقتين لا ثالثة لهما

  • الأولى أن تقع مصادمات عنيفة بين الحكومات الخليجية وبين مجموعات المعارضة الشعبية المنتظمة وغير المنتظمة، التي تعارض الوجود الأمريكي في المنطقة.. وفي هذه الحالة لن تجد الولايات المتحدة من طريقة، سوى دعم التوجهات الحكومية، والمحافظة على استقرارها وتثبيتها، من منطلق أن المعارضة في أية دولة خليجية ما هي إلا مجموعات صغيرة، لا تملك تلك البنى التحتية التي تساعدها على الثبات في أي مصادمات مع الحكومة، والقضاء عليها أو تشتيتها داخل البلد أو إلى الخارج، من الأمور اليسيرة التي لا تأخذ كثيراً من الجهد والوقت .
    من هنا ترى الولايات المتحدة أن مصلحتها الإستراتيجية في المرحلة الحالية والقادمة، ولسنوات عشر قادمة على أقل تقدير، تجعلها لا تنحاز لأي حركة معارضة في الخليج، مهما تبلغ درجة الخلاف بينها وبين الحكومات الحالية، بل إن مصلحتها الوقوف في وجه تلك المجموعات وبقوة إن استدعى الأمر.
  • أما الطريقة الثانية التي يقترحها أولئك المنظرون للتعامل مع هذه الحالة، فهي أن تتعامل الولايات المتحدة مع حكومات الخليج كل على حدة، باعتبار أن الظروف تختلف من بلد لآخر، وما يصلح كطريقة للتعامل مع المعارضة في دولة خليجية ما، قد لا تكون كذلك في دولة أخرى.. فهناك طريقة العنف والقوة، أو التفاهم ولو في الحدود الدنيا، أو اختراق المعارضة وفتح الثغرات بها، أو ترغيب أعداد من المعارضين المؤثرين في الدخول إلى المنظومة الحاكمة وإغراقها بالامتيازات وما شابهها.. وكل تلك الطرق في النهاية هي من أجل تمديد فترة بقاء الأمريكان في المنطقة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا..
    ــــــــــــــ
    *كاتب قطري
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة