نحو مشروع عربي للدراسات الأميركية   
الأحد 1428/1/9 هـ - الموافق 28/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 7:42 (مكة المكرمة)، 4:42 (غرينتش)

مازن النجار

إشكالية النموذج
رؤية معرفية
مقاصد المشروع
مجالات الاهتمام

هناك حاجة حقيقية إلى مشروع عربي جاد للدراسات الأميركية نظرا للأهمية البالغة التي يتسم بها الدور العالمي للولايات المتحدة الأميركية في جميع شؤون العالم وقضاياه وآفاقه المستقبلية، وانفرادها بدور القطب الأعظم الوحيد في العالم دون منازع أو منافس بارز في المدى القريب، وذلك منذ انهيار الاتحاد السوفياتي (السابق) وانتهاء الحرب الباردة، وهو وضع لم تتمتع به إلا قلة من القوى العظمى في التاريخ.

وتأخذ هذه الأوضاع معنى أعمق باعتبار رؤية النخبة الأميركية لذاتها، وإيمانها بأن لها دورا مميزا في التاريخ البشري، ولا غنى للعالم عن ذلك الدور (فكرة الشعب المختار).

بيد أن الأهم من كل ذلك هو الدور الواسع الذي تنفرد به الولايات المتحدة في شؤون وقضايا ومستقبل العالم العربي والإسلامي، خاصة قضية فلسطين باعتبار الولايات المتحدة الحليف الإستراتيجي الأول والداعم الرئيس للكيان الصهيوني، وقضايا التوجه المستقبلي الجيوإستراتيجي للعالم الإسلامي ومستقبل الاقتصاد والثروة النفطية ونظم الحكم والثقافة والتعليم.

وقد بلغ التدخل الأميركي في العالم العربي والإسلامي ذروته عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وتلاها إعلان القيادة الأميركية لحرب عالمية على "الإرهاب"، بدأت باحتلال أفغانستان ثم غزو العراق.

ولا يدري أحد حدودها النهائية فهي -وفقا لمسؤولين أميركيين- قد تستغرق عقودا.

على الصعيد الأميركي الداخلي، اتخذت الحرب شكل التدمير الممنهج للمؤسسات والجاليات العربية والإسلامية ودعاوى تجريم وقضايا اتهام بالإرهاب ضد عدد كبير من الشخصيات والمؤسسات الخيرية والثقافية، وحملة ترويع وإرهاب ضد أفراد ومساجد ومراكز اجتماعية.

"
ما ينشر عن الشؤون الأميركية في العالم العربي والإسلامي انتقائي وسطحي وعشوائي ولا يفيد في تقديم صورة متكاملة أو متوازنة ولا يقدم تفسيرا وافيا لمختلف جوانب السلوك والسياسات والتوجهات الأميركية
"
مقابل ذلك الوضع، نجد حالة من الهزال على مستوى معرفة العرب والمسلمين بهذه القوة ذات الدور الهام في شؤونهم ومصالحهم ومستقبلهم، فهناك القليل من الدراسات الجامعية العربية حول التاريخ أو التجربة أو الحضارة أو الفلسفة الأميركية والغربية بشكل عام.

والأمر نفسه صحيح فيما يتعلق بمراكز الأبحاث المتخصصة، وإن وجدت فهي غالبا ما ترتبط في اهتماماتها بمصادر تمويلها، وما يترتب على ذلك من محدودية البرامج والغايات ومشروعات البحث.

بل نجد كثيرا مما ينشر حول الشؤون الأميركية في العالم العربي والإسلامي انتقائيا وسطحيا وعشوائيا، ولا يفيد في تقديم صورة متكاملة أو متوازنة حول هذه الظواهر الهامة، ولا يقدم تفسيرا وافيا لمختلف جوانب السلوك والسياسات والتوجهات الأميركية.

إشكالية النموذج
من ناحية أخرى يمثل النموذج الحضاري الأميركي بمختلف تعبيراته الثقافية والاجتماعية والفنية والأدبية والاقتصادية تحديا هاما للإنسانية كلها، بحسبانه محاولة للهيمنة الثقافية على العالم تحت مسميات القرية العالمية واقتصاد السوق والعولمة، التي تتجاوز خصوصيات وثقافات وتواريخ الشعوب، وقد تهدد الشخصية الحضارية المتميزة لمختلف الأمم، وذلك باتجاه فرض أحادية أو مرجعية حضارية واحدة بعد فرض قطبية عالمية واحدة.

في ضوء ذلك يمكن فهم جوهر الحملة الأميركية عالميا على الإسلام بمختلف تعبيراته الثقافية والحضارية والاجتماعية والفكرية والسعي لطمسها جميعا باستثناء الصورة العنفية لمنفذي هجمات سبتمبر/ أيلول 2001.

ذلك أن الإسلام هو المرشح الأوفر حظا في تحدي الهيمنة الحضارية والسياسية، والأكثر قدرة دون غيره -كرسالة ودعوة وأمة- على مقاومة الأشكال الاستغلالية وغير الإنسانية في الأوضاع الدولية بسبب توجهه الأصيل نحو العدل والانعتاق من الظلم والطاغوت والتحرر المستند إلى الوحي والدينونة المطلقة لله سبحانه وتعالى.

كان العالم العربي والإسلامي ولا يزال بجميع أقطاره ومكوناته وأطيافه وثقافاته وشعوبه، موضع رصد ومتابعة كثيفة من قِبل القوى الإمبريالية، خاصة الأنغلوسكسونية منها، التي انحدرت من تقاليد الاستشراق الاستعماري، مرورا بخبراء دراسات المناطق في مرحلة الاستقلال والكولونيالية الجديدة، إلى برامج تدريب القوات الأميركية الخاصة على لغات وثقافات مناطق الاحتلال الجديدة، وأخيرا إعلانات وكالات الاستخبارات الأميركية الهادفة لتجنيد عملاء عرب.

رؤية معرفية
"
أخفقت جهود القوى الإمبريالية في إنجاز فهم وتمثل للثقافة العربية أو الحضارة الإسلامية أو تاريخ العالم العربي والإسلامي، ويعود ذلك إلى خلل جوهري في الرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتسم بالمادية والاختزال ومعاداة التاريخ والتمحور حول الذات
"
أخفقت هذه الجهود كثيرا في إنجاز فهم وتمثل للثقافة العربية أو الحضارة الإسلامية أو تاريخ العالم العربي والإسلامي، كما عجزت عن تجاوز تحيزاتها المعرفية وتوجهاتها العنصرية في التعامل مع "الآخر" العربي أو المسلم.

وذلك يعود إلى خلل جوهري في الرؤية المعرفية الامبريالية، التي تتسم بالمادية والاختزال، ومعاداة التاريخ، والتمحور حول الذات، ومفارقة المطلق المقدس، ونزع التكريم الإلهي عن الإنسان، والتعامل معه بلا حرمة أو قداسة.

من أجل ذلك لا بد من الرصد الواعي والدراسة المعمقة والتحليل المنهجي لهذه الظواهر المؤثرة والهامة بالنسبة لمستقبل وحرية وكرامة الإنسان، وسيرورة الحضارة الإنسانية، ونهوض العرب والمسلمين، وقيامهم بحق الرسالة الإلهية الخاتمة.

ولا بد إذن من أن ينطلق مثل هذا المشروع من رؤية كونية، تستهدي بحاكمية الكتاب وعالمية الخطاب والذي نزل ثم أنزل وحيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتستخلص من تاريخ الشعوب وتجارب الأمم سنن الخالق (سبحانه) في خلقه، وترى في الإنسان خليفة الله الذي اصطفاه وكرمه وعلمه الأسماء كلها وسخر له الكون كله.

وتجد في النبوة مصدر الحكمة والهدى في التاريخ الإنساني، وتزن بميزان واحد في كل القضايا والأوضاع، وترى في العدل أعلى قيم الاجتماع الإنساني، وفي الإحسان دستور العلاقات الإنسانية، وتؤمن بالمعاد ودوره الأساسي في تشكيل مسيرة الإنسان، وتقوم الظواهر والتجارب الإنسانية بأوسع درجة من الشمول والدقة.

مقاصد المشروع
• التعرف على الخبرة التاريخية والحضارية الأميركية من خلال الرؤية الأميركية للذات وللعالم واستكشاف الفلسفة والمبادئ والقيم الحاكمة لهذه التجربة والأنماط التاريخية الغالبة على مسار التاريخ الأميركي وتأثيراتها على مختلف السلوكيات والسياسات.

• الرصد المعرفي للظواهر والمستجدات الأميركية داخليا وخارجيا، وذلك من خلال رؤية معرفية وفلسفية متكاملة وقادرة على التفسير والتحليل واستخلاص الأنساق وربطها بعضها مع بعض ربطا علميا متماسكا، يساعد على فهم وبناء منحنيات الظواهر، ويتوقع تطوراتها ومآلاتها. ومراجعة وتقييم ونقد ما ينشر من دراسات وأبحاث حول تلك الاهتمامات.

• متابعة ورصد مراكز التفكير والأبحاث الأميركية الهامة، خاصة تلك التي لها إسهامات جارية في صنع وتقرير أو تبرير السياسات والإستراتيجيات الحالية أو المستقبلية.

• تقديم رؤية علمية متكاملة حول مختلف السياسات والإستراتيجيات والتوجهات الأميركية التي تهم العرب والمسلمين وعالم الجنوب بعيدا عن الأسطرة والاجتزاء والاختزال والتبسيط والتفكير الأحادي لدى التعاطي مع الظواهر المركبة من قضايا ومصالح وإستراتيجيات.

• إتاحة الفرصة الأكاديمية لدراسة واختبار الكثير من المقولات الفكرية والسياسية والإستراتيجية التي تداولها العقل العربي وحركات النهوض والإصلاح والاستقلال في القرن الماضي حول علاقة العالم العربي والإسلامي بالغرب والظاهرة الإمبريالية والصهيونية وقضايا التحديث والنهوض والحريات.

• التعرف على الاتجاهات الأميركية الإيجابية في الفكر والسياسة والإستراتيجية والتواصل معها على مستوى الحوار البناء بين الأمم والحضارات.

"
من مقاصد المشروع
تقديم رؤية علمية متكاملة عن مختلف السياسات والإستراتيجيات والتوجهات الأميركية
التي تهم العرب والمسلمين وعالم الجنوب بعيدا عن الأسطرة والاجتزاء والاختزال والتبسيط والتفكير الأحادي
"
• العمل على بلورة رؤية عربية متماسكة ومتسقة، حول الظاهرة الأميركية، وصولا إلى صياغة إستراتيجية أو رؤية عربية واحدة، أو متقاربة على الأقل، لدى التعاطي مع السياسات والإستراتيجيات الأميركية.

• إنجاز تراكم في المعرفة والخبرة حول مختلف القضايا ذات الصلة، والمساهمة بذلك التراكم في تنوير وتدريب المهتمين من رجال أعمال ودبلوماسيين وإعلاميين وقادة الرأي العام.

• تكوين مكتبة أكاديمية جيدة تغطي بقدر الإمكان الموضوعات الأكثر أهمية في التاريخ والحضارة والاجتماع الأميركي، وما يستجد من مصادر أو مؤلفات مهمة في القضايا ذات الصلة بمجالات الاهتمام.

وكذلك توفير مصدر توثيقي لكل ما يمكن الحصول عليه من مصادر ووثائق ومواد ذات صلة بهذه الاهتمامات ووضعها بتصرف الباحثين والمهتمين.

• صياغة خطاب عربي يتوجه نحو الأميركيين كمجتمع ومؤسسات، ويأخذ في الحسبان خصوصيات التجربة والثقافة والمصالح الأميركية كما تتبلور عبر الدراسة والتحليل والمراجعة، لدى معالجة وتقديم قضايا العرب والمسلمين الكبرى والمصيرية، خاصة قضية فلسطين وعلاقات أميركا مع العرب والمسلمين ومشروعات النهضة والاستقلال والتنمية.

• بناء وبلورة خطاب حضاري عربي ورؤية إنسانية تستلهم الميراث الإنساني المشترك وتنطلق من مبادئ التوحيد والإحسان وحرية الإنسان ومسؤوليته، وتؤمن بالعدل أساسا لحل النزاعات بين الأمم، وتسعى إلى حوار مثمر بين الحضارات سبيلا للعلاقات بينها.

مجالات الاهتمام
رسالة هذا المشروع هي دراسة وتحليل ورصد ومراجعة ونقد مختلف مناحي الخبرة والحياة الأميركية من اجتماع وسياسة واقتصاد وثقافة وقانون، وما يرافق ذلك من ظواهر ومتغيرات وفكر وتطورات وإستراتيجيات تمس مواطن السلب والإيجاب والقوة والضعف في التجربة الأميركية وتأثيراتها على العالم.

كما تلقي الضوء على ما يستجد من مسارات وخطط وفرص واحتمالات الحرب والسلم والصراع والوفاق، وما قد يترتب على ذلك من مصالح أو مخاضات أو تحالفات أو مستجدات لمختلف الأمم، خاصة العالم العربي والإسلامي.

سيتوجه جل الاهتمام نحو رصد وتحليل وتأمل ومراجعة لأهم ما يصدر من مؤلفات، وما تنتجه مراكز الأبحاث المهمة من دراسات أصيلة أو مراجعات ذات دلالة، وما ينشر من تحقيقات صحافية، وما يصدر من تقارير رسمية أو أكاديمية، وما يذاع من سياسات وإستراتيجيات، وما تقدمه مؤسسات المجتمع المدني وقطاع الأعمال والاقتصاد من متابعات وإحصاءات ومشروعات.

"
من القضايا التي تستحق المتابعة من قبل هذا المشروع العلاقات الأميركية الإسرائيلية وموقع الكيان الصهيوني في الإستراتيجية الأميركية بعد احتلال العراق واللوبي الصهيوني والمنظمات اليهودية والاتجاهات الأصولية والجماعات الصهيونية غير اليهودية
"
وذلك من أجل الوصول إلى صورة دقيقة ومتوازنة للمشهد الأميركي، بحيث تعين القادة وصناع القرار وطلاب الحقيقة والباحثين والمهتمين على استخلاص أفكار وتصورات واقعية ودالة فيما يخص الظاهرة الأميركية وعلاقاتها بالعالم وتأثيراتها على حياة ومستقبل ونهوض الشعوب.

من قضايا الاهتمام التي تستحق المتابعة على سبيل المثال لا الحصر العلاقات الأميركية-الإسرائيلية وموقع الكيان الصهيوني في الإستراتيجية الأميركية بعد احتلال العراق، اللوبي الصهيوني والمنظمات اليهودية والاتجاهات الأصولية والجماعات الصهيونية غير اليهودية.

وكذلك الأوضاع القانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية للعرب والمسلمين الأميركيين، ومستقبل حركة الحقوق المدنية والدستورية والاتجاهات غير الديمقراطية وتوجهات وقضايا الفكر الإستراتيجي والنزعات الانعزالية والتدخلية في سياسات وفكر النخبة ودور المصالح الاقتصادية في تشكيل السياسات الخارجية.

وأيضا العلاقات عبر الأطلسي ومستقبل الدور الأوروبي عالميا ودور العلمنة في تشكيل الظواهر الثقافية والاجتماعية والدينية ومشكلة الطاقة وسياساتها ومستقبل النظام السياسي والانتخابي بعد أزمة انتخابات سنة 2000 الرئاسية.

بالإضافة إلى مستقبل المجتمع المدني والاتجاهات الليبرالية والفاشية فيما بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001. وتكاليف ونتائج حروب التدخل على الاقتصاد والموازنة، الاقتصاد السياسي للحرب على الإرهاب وما يستجد غيرها من قضايا.
ــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة