معضلة الأصولية العلمانية مع مسلمي أوروبا   
الاثنين 1425/11/23 هـ - الموافق 3/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:17 (مكة المكرمة)، 7:17 (غرينتش)




















 
 
بعد مقتل المخرج والصحفي الهولندي "فان كوج" وموجة إضرام الحرائق في المدارس والمصليات الإسلامية، تنذر الأحداث بمنعطف خطير تنساق إليه مسيرة العلاقات بين المسلمين في أوروبا والمجتمعات التي أصبحوا جزءا منها.
 
وما يزال السؤال المطروح بإلحاح عن الاحتمالات المستقبلية هو عين السؤال الجوهري عن طبيعة الوجود الإسلامي في مجتمع علماني.
 
ويمكن النظر فيه من جوانب عديدة، ولكن ثبت على أرض الواقع أن في مقدمتها جانبا يكتسب أهميته من كونه يمس الممارسات الاجتماعية في الحياة المعيشية اليومية باستمرار، وهو صعوبة التوفيق بين نقيضين، القيم والعلاقات الاجتماعية بين الجنسين بمنظورها الإسلامي من جهة، وما ساد وترسخ في الغرب على هذا الصعيد وفي إطار التعامل العلماني مع الدين عموما من جهة أخرى.
 
معطيات مبدئية
"
لم يعد الوجود الإسلامي في البلدان الأوروبية وجود "وافدين" من العمال والطلبة ولاجئين, فهذه الفئات تتناقص نسبها المئوية باطراد مقابل ارتفاع متواصل لنسب المسلمين من ذوي الأصول الأوروبية، والمتجنسين من مواليد أوروبا
"
بادئ ذي بدء ينبغي التنويه ببعض النقاط:
1- لا يتناول الحديث هنا مسألة الإرهاب وما يسمى الحرب على الإرهاب وارتباطها بعلاقات المسلمين بسواهم في أوروبا رغم ازدياد وطأتها، لا سيما بعد تفجيرات مدريد بينما سبق وأمكن جزئيا امتصاص تداعيات تفجيرات نيويورك وواشنطن ورصد تعاطف شعبي متصاعد مكان المخاوف، وهو ما أسهم فيه التأثر الإنساني والتخوف السياسي من مجرى الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية-الأميركية في المنطقة الإسلامية، وعواقبها إقليميا وعالميا.
 
2- أصبحت تفاصيل جريمة قتل المخرج الهولندي ومقدماتها وعواقبها معروفة عبر وسائل الإعلام، فيقتصر هنا التنويه ببعض جوانبها، على ما يتطلبه الحديث تحت عنوان "معضلة الأصولية العلمانية مع المسلمين في أوروبا".
 
3- لم يعد الوجود الإسلامي في البلدان الأوروبية وجود وافدين من العمال والطلبة ولاجئين لأسباب اقتصادية وسياسية، فهذه الفئات تتناقص نسبها المئوية باطراد مقابل ارتفاع متواصل لنسب المسلمين من ذوي الأصول الأوروبية، والمتجنسين من مواليد أوروبا بالإضافة إلى من أصبحوا بحكم المواطنين المقيمين بعد مضي عشرات السنين على استقرارهم في البلدان الأوروبية.
 
ولا يستوي الحديث في الموضوع دون التنويه أيضا بأنه لا توجد "حرية مطلقة" في ظل المنظومة العلمانية ولا سواها، ويسري هذا على حرية الفن والأدب والبحث العلمي، فهي محدّدة أيضا وأشهر ميادين تقييدها المعروفة ما يقع تحت عناوين عداء السامية والمحرقة النازية، كذلك فحرية العقيدة خاضعة لقيود عديدة، منها ما وصل إليه تقنين إقصاء تأثير القيم الدينية على العلاقات بين الجنسين.
 
فالتقنين الذي يرسخ "تحريرها" وفق المنظور العلماني يرسخ قانونية "الانحلال" المتناقض مباشرة مع المنظور الديني، وما دامت المرجعية هي العلمانية، فإن ما يصنفه المنظور العلماني بهذا الصدد على أنه في المقدمة من الإنجازات الحضارية الثقافية، يصنفه المنظور الديني بأنه علة العلل وراء أمراض اجتماعية، أخطرها تفكك الأسرة وما ترتب عليه من عواقب، كانتشار المخدرات والجريمة بين الشبيبة والناشئة وحتى الأطفال.
 
جوهر المعضلة
"
كان الجانب الإيجابي من التطور المرافق لانتشار الصحوة الإسلامية هو طرح عناوين إيجابية للتعامل الرسمي والاجتماعي مع المسلمين، لكن ذلك لم يكن لينسجم مع الرؤية "الأصولية العلمانية"
"
إن العلمانية الأوروبية تعتبر "الحرية الفردية" أكبر منجزاتها، ولكنها تواجه هنا إشكالية الاضطرار إلى تقييد أحد أعمدتها الرئيسية، وهي الحرية الدينية الفردية، فور تجاوز مفعول القيم الدينية لجدران البيوت والمعابد وبعض الجوانب الضيقة للعلاقة الشخصية مع الآخر، ويزداد التقييد شدة في ميدان القيم المرتبطة بالعلاقات بين الجنسين، بعد وضعها في الصدارة عبر ما يسمى "الثورة الجنسية" أو ثورة التحرر الجنسي، المنبثقة بدورها عما عرف بثورة الطلبة عام 1968م.
 
فقد شهدت العقود الماضية الإسقاط التدريجي لسائر "القيم والضوابط العتيقة" وتقنين ما يعتبر بالمنظور الديني "انحلالا مطلقا"، حتى أصبح الاعتراض على ما يسمونه "الزواج المثلي"، أي بين اللوطيين وبين السحاقيات، اعتراضا مخالفا للقانون وتعديا على حقوق الأقليّات. ويظهر للعيان ما يعنيه ذلك وأين وصلت إشكالية العلمانية مع القيم الدينية عموما، عندما نستحضر على سبيل المثال كيف أعرب أحد المرشحين لعضوية مفوضية الاتحاد الأوروبي عن رفضه اللواط من منطلق ديني، فكان موقفه سببا رئيسيا وراء رفض المجلس التصديق على تشكيلة المفوضية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2004م) إلى أن تم تعديلها وإقصاؤه عنها.
 
أثناء هذه المسيرة "التحررية الجنسية" على حساب القيم الدينية في العقود الماضية، تطوّرت نوعية وجود المسلمين في أوروبا كما شهدت النظرة الأوروبية إليه تطورا ملحوظا، فكانت المصالح الاقتصادية تصنفهم كقوى عاملة مستوردة مؤقتا، ثم انتشرت بترويج اليمين المتطرف النظرة إليهم كعبء اقتصادي واجتماعي، وأخيرا أدت ظاهرة الإرهاب إلى تعميم الاتهام بأنهم مصدر أخطار أمنية.
 
بالمقابل كان الجانب الإيجابي من التطور المرافق لانتشار الصحوة الإسلامية متمثلا في طرح عناوين إيجابية لمنطلقات جديدة أفضل للتعامل الرسمي والاجتماعي مع المسلمين، من ذلك الاندماج دون ذوبان الهوية، ثم التعدد والتنوع الثقافي الشامل للمسلمين، وتأكيد الحوار الحضاري ورفض "صراع الحضارات".. وجميع ذلك مما لا ينسجم مع الرؤية "الأصولية العلمانية" وفق ما عبرت به عن نفسها باستمرار، ومن الأمثلة على ذلك دون الحصر:
 
1- الحملة غير النزيهة ضد المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمّل عندما منحت عام 1995م جائزة السلام للكتاب الألماني.
 
2- الحملات التحريضية المستمرة إلى اليوم ضد اتحاد للتنظيمات الإسلامية في برلين حصل قبل سنوات وبعد مسيرة قضائية استمرت 20 سنة على تثبيت أعلى جهاز قضائي حق مشاركة المسلمين في وضع مناهج تدريس أبنائهم الإسلام في "ولاية برلين".
 
3- إطلاق حملة "تسييس الحجاب" الواسعة النطاق في فرنسا بحق التلميذات الناشئات، وفي ألمانيا عام 1998م بحق المعلمات المسلمات، بدءا بإعلان الحظر الوزاري –دون أي مقدمات آنذاك- لمزاولة مهنة التدريس بالحجاب بحقّ المعلمة المسلمة فريشتا لودين.
 
الحملات الصادرة عن دوائر استخباراتية، توزع الاتهام بالتطرف دون أدلة، وفي كثير من الأحيان عبر تقارير لا تصمد أمام الدراسة المنهجية –كما "بيّن" ذلك مؤخرا الأستاذ الجامعي الخبير فيرنر شيفّاور عبر مثال منظمة "ميلّي جوروش" التركية بألمانيا.

خلال العقود القليلة الماضية نفسها أمكن أيضا رصد ازدياد نسبة "المواطنة المستقرة" على صعيد المسلمين، وخروج العمل الإسلامي من حقبة "الانعزال المحلي والاهتمام المركز على قضايا البلدان الإسلامية" إلى حقبة "الانفتاح والاهتمام بالمشكلات المحلية"، مثل تعليم الإسلام والأوضاع المدرسية والحجاب والعلاقات بين الجنسين، وكذلك مشكلات معروفة كتذكية الذبائح وتأمين المقابر والمتاجر "الشرقية" وغير ذلك، وما زالت هذه الحقبة تتميز بظاهرة تنامي الإقبال على المساجد والمصليات وارتفاع أعدادها إلى الألوف في البلدان الأوروبية الرئيسية.

في هذا الإطار أمكن أيضا رصد ظاهرتين أخريين تثيران اهتمام الأوروبيين، هما: 
1- تنبؤات الدراسات المستقبلية حول تناقص السكان "غير المسلمين" الأوروبيين، وهنا تثير أوساط عديدة منها أوساط اليمين المتطرف والأصولية العلمانية المخاوف من "الأسلمة الديموغرافية للقارة الأوروبية".

2- الارتفاع السنوي المتتابع في معدلات اعتناق الشبيبة الأوروبية للإسلام، وفيه ما ينوه بأثر المنظور الإسلامي للعلاقات بين الجنسين، فالعلاقات الأسرية في الإسلام في مقدمة التعليلات التي يذكرها معتنقوه من الشبيبة لإقبالهم عليه.

بين "الهيستيريا" والتعقل
"
من منطلق إسلامي متوازن يمكن القول إن أسلوب فان كوج لا يدل على حرية ثقافية وفنية قدر ما يدل على درجة بعيدة من "الإفلاس" في هذا الميدان بالذات، فهو ما يدفع صاحبه إلى الاستفزاز بدلا من محاولة التأثير المتوازن
"
أمام هذه الخلفيات وكذلك خلفية ما يسمى "الحرب على الإرهاب" انتقلت الحملات الثقافية والفكرية على الإسلام من الأساليب التقليدية القديمة التي لم تحقق أغراضها وفقدت مفعولها كما يشهد انتشار الصحوة الإسلامية، إلى أساليب استفزازية وعدوانية، اتسع نطاق انتشارها في ظل أجواء "غلبة لغة العنف العسكري" الأميركي تجاه المسلمين على الصعيد الدولي أيضا.
 
وكان إنتاج المخرج الهولندي "فان كوج" نموذجا صارخا على "العنف الثقافي" على مدى السنوات الماضية، وآخر محطاته فيلم "الخضوع" الذي ضمنه مشاهد تصور –مثلا- آيات قرآنية مكتوبة بالعربية على جسد امرأة عارية إلا من عباءة شفافة، "تؤدي الصلاة" وتدعو شاكية من اضطهاد الإسلام والمسلمين للمرأة!.
 
من منطلق إسلامي متوازن يمكن القول إن هذا أسلوب لا يدل على حرية ثقافية وفنية قدر ما يدل على درجة بعيدة من "الإفلاس" في هذا الميدان بالذات، فهو ما يدفع صاحبه إلى الاستفزاز بدلا من محاولة التأثير المتوازن للتعبير عن تصوراته أو نشرها.. وكان من المفروض بالجهات الإسلامية في أوروبا أن تتحرك في الوقت المناسب فتجعل من "الفيلم" فرصة لبيان موضوعي لما يقول به الإسلام في القضايا المطروحة فيه استفزازا.
 
كما كان من المفروض بالجهات المسؤولة في هولندا أن تقدر ما يعنيه الاستفزاز في مثل هذا العمل في ظل الظروف الساخنة الحالية، التي يزيد أوارها ما جرى ويجري في الفلوجة وأبو غريب ورفح وجنين، فتتخذ قبل وقوع الجريمة مواقف منصفة تحذر من صب الزيت على النار عبر الاستفزاز، ولتبين أن "الحرية الفنية والثقافية" في المنظومة العلمانية لا تعني كفالة حرية الافتراء على الدين واستفزاز أهله.
 
ولا يعني هذا تبرير الجريمة بطبيعة الحال، لا سيما أن خطوة واحدة طائشة من هذا القبيل، تسبب من الأضرار للوجود الإسلامي في أوروبا ما لا يمكن الإحاطة به بسهولة. ولكن الآن أيضا وبعد وقوع الجريمة ما تزال الجهات الإسلامية داخل أوروبا وخارجها دون مستوى التعامل المؤثر على مجرى الأحداث، بما يخدم مستقبل الوجود السلمي والإيجابي للإسلام والمسلمين في أوروبا.
 
كما أن الجهات العلمانية الأصولية ما تزال تتابع أسلوب صب الزيت على النار، فبدلا من البحث عن حل للمعضلة القائمة من الأصل، والعمل على تهدئة المشاعر على الجانبين معا، وصلت حمى التصريحات الساخنة إلى مداها، من الحديث عن نهاية عهد التسامح مع المسلمين في أوروبا، إلى تأبين "شعارات التعدد الثقافي"، إلى تجديد الحديث عن "صراع الحضارات"، وصولا إلى المطالبة بمزيد من القوانين الاستثنائية للترحيل على "الشبهة" دون الرجوع إلى القضاء ودون عراقيل "بيروقراطية" كذلك لفرض العقوبات على الفتيات المسلمات في المدارس اللواتي يرفضن ارتداء الملابس الفاضحة في دروس الرياضة.
 
الجدير بالذكر أن هذه الأصوات ما تزال العليا، فمعظم أصحابها من "جيل ثورة الطلبة عام 1968م" الذي يمسك بمفاتيح معظم مراكز صناعة القرار الثقافي والفكري والإعلامي، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه أقل تسامحا وأقل استعدادا للتفاهم والتعايش بمنظور التعدد الثقافي والديني من جيل الشبيبة، فيطغى صوت هذه الفئات عبر وسائل إعلام جماهيرية على سواها.
 
ولا ينفي ذلك وجود أصوات إنصاف متعقلة، لا ينفسح المجال للتفصيل بأمثلة عليها، ومن عناوينها التحذير من خطر "الهيستيريا" في ردود الأفعال على جريمة القتل، ومن خطر تضييع ما تحقق من ثمرات على طريق الاندماج الإيجابي والتعددية في المجتمعات الأوروبية.. والمرجو أن تغلب أصوات التعقل هذه في نهاية المطاف.



ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني
 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة