الأزمة اليونانية على محمل شخصي   
الأربعاء 1436/10/6 هـ - الموافق 22/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:10 (مكة المكرمة)، 12:10 (غرينتش)
مجموعة كتاب


لوسي ماركوس، وستيفان وولف*

من المفترض أن يحتضن صناع القرار اليوم فضائل البيانات الضخمة، وأن يلاحقوا بلا هوادة المقاييس الكمية، ومن ثَمّ ينبغي لهم أن يتمسكوا بالسبيل الأمثل للعمل والذي يفترض أن تشير إليه هذه الأدوات القوية. ورغم هذا فإذا كان هناك أمر واحد جعلته الأزمة اليونانية واضحا، فهو أهمية العامل البشري في المفاوضات.

إن البشر وشخصياتهم، والطريقة التي يتصور بها بعضهم البعض، من الممكن أن تجعل الديون الصغيرة تبدو غير قابلة للسداد أو تجعل الديون الضخمة تختفي بمجرد المصافحة.

في عالم يشعر بعدم الاستقرار على نحو متزايد، يبحث كثيرون عن الطمأنينة في أوهام اليقين التي تزودهم بها البيانات. فنحن نريدها في صحافتنا، ونريدها في قرارات الاستثمار التي نتخذها، بل ونرغب في الحصول على أدوات تعد كل خطانا وخفقات قلوبنا. إننا نريد أن نجعل رفاهتنا ومستقبلنا تحت سيطرتنا الكاملة.

الأزمة المالية اليونانية تذكرنا بأن الحياة ليست محكومة بالبيانات وحدها. ففي النهاية ربما تعتمد النتائج -وهذا ما يحدث غالبا- على سمات أساسية ولكنها غير متبلورة مثل النزاهة والجدارة بالثقة و"الكيمياء" بين الأشخاص

بيد أن الأزمة المالية اليونانية تذكرنا بأن الحياة ليست محكومة بالبيانات وحدها. ففي النهاية ربما تعتمد النتائج -وهذا ما يحدث غالبا- على سمات أساسية ولكنها غير متبلورة مثل النزاهة والجدارة بالثقة و"الكيمياء" بين الأشخاص.

ولم تكن أهمية مثل هذه العوامل أقل وضوحا في المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني. ففي حين كانت المزايدات الحزبية والمواقف القومية في المفاوضات اليونانية سببا في تآكل الثقة في المشروع الأوروبي بالكامل، كانت المفاوضات بشأن صفقة إيران قادرة على التغلب على فجوة ثقة أشد عمقا. ولأن الرهانات أكبر، وبرغم مشاركة عدد أكبر من اللاعبين في أجندات متداخلة ومتخاصمة في بعض الأحيان، فإن ائتمان الدبلوماسيين المحترفين وليس الساسة المنتخبين على هذه العملية كان مثمرا بكل وضوح.

وينطوي هذا على درس مهم لأوروبا. فـلا بد أن يتمتع الأشخاص المختارون لقيادة البلدان أو الاقتصادات بالكفاءة الفنية -وفرق الدعم الخبيرة في الأرقام- اللازمة لاتخاذ القرارات السليمة. ولكن هذا لا يكفي أبدا. ذلك أن القادة الحقيقيين لا بد أن يكونوا قادرين ليس فقط على تمثيل وجهة نظر بل وأيضا العمل بكفاءة مع آخرين من أجل تحقيق رؤيتهم. وإذا كان من الممكن إتمام الصفقات أو الاتفاقات -سواء بشأن ترتيبات الإنقاذ، أو البرامج النووية، أو اندماج الشركات- على أساس البيانات الكمية وحدها، فإننا كنا لنراه، ولكن هذا ما لا يحدث أبدا.

وبالنسبة لليونان ودائنيها الآن، فإن آخر اتفاق ما هو إلا الخطوة الأولى. وكانت الأشهر الستة من تبادل الاتهامات وسياسات حافة الهاوية التي سبقت الاتفاق سببا في خلق جبل من عدم الثقة بين القادة والمواطنين على حد سواء.

عندما تفشل عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار في جنوب السودان وشرق أوكرانيا، أو تنهار الهدنة الإنسانية في اليمن في غضون ساعات، يُقال إن واحدا من الأطراف أو أكثر يفتقر إلى "الالتزام الجدير بالثقة".

وعلى نحو مماثل، عندما يقترح الجانب اليوناني في الأساس نفس الصفقة الذي دعا إلى استفتاء عاجل لرفضها، أو عندما يتجاهل القائمون على مجموعة اليورو أو وزراء مالية منطقة اليورو -سيرا على خطى ألمانيا- عدم استدامة ديون اليونان ببساطة، فإن القدرة على تنفيذ أي اتفاق لا بد أن تصبح محل شك.

لن تستعيد اليونان ولا أوروبا حس الاستقرار لمجرد أن البيانات منطقية أو معقولة. بل لا بد أن تكون السمات الشخصية لقادة اليونان وأوروبا -إرادتهم التي لا تتزعزع وإصرارهم على إنجاح الاتفاق- منطقية ومعقولة هي أيضا

لن يتسنى لهذا الاتفاق تحقيق النجاح إلا من خلال التصديق السريع والمتابعة الجديرة بالثقة من حيث التنفيذ يوما بيوم. ويحتاج الجانبان إلى الحوافز الكفيلة بحملهما على التمسك به والروادع الكافية لمنعهم من النكوص عنه. وفي المقام الأول من الأهمية، لا بد من استخدام تخفيف عبء الديون الأساسية المفروضة على اليونان عند تنفيذ الاتفاق كوسيلة لإلزام الجانبين.

الواقع أن السجل الحافل بالتنفيذ الفاشل -وقبول عمليات الإنقاذ من دون تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لاستعادة القدرة على الوفاء بالديون- يخلق مناخا حيث يصبح عقد الصفقات أمرا متزايد الصعوبة.

والمخاطر بالغة الارتفاع، وخاصة عندما يستغل كل تطور في المحادثات لتحقيق مكاسب حزبية، بهدف جعل القادة يظهرون بمظهر الأذكياء، أو تسمية الفائزين والخاسرين، أو تقويض التقدم من خلال الاهتمام المفرط بالتفاصيل والعيوب التافهة.

وما يُحسَب لصالح الزعماء الأوروبيين المشاركين في المفاوضات أنهم تمكنوا من التوصل إلى اتفاق على الرغم من حالة عدم اليقين الهائلة. فقد تعهدوا، ليس فقط بتوفير الموارد المالية، بل وأيضا بتكريس قدر كبير من رأس المال السياسي للحظة فارقة في تاريخ أوروبا.

ونظرا للافتقار إلى الثقة بين أطراف الاتفاق، فسوف يظل الموقف شديد التقلب والخطورة لبعض الوقت. وسوف تكون البيانات الكمية ضرورية لمراقبة تقدم اليونان على مسار تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها، فضلا عن تحديد حجم أي قدر إضافي من تخفيف أعباء الدين.

ولكن لن تستعيد اليونان ولا أوروبا حس الاستقرار لمجرد أن البيانات منطقية أو معقولة. بل لا بد أن تكون السمات الشخصية لقادة اليونان وأوروبا -إرادتهم التي لا تتزعزع وإصرارهم على إنجاح الاتفاق- منطقية ومعقولة هي أيضا.
_______________
*لوسي ب. ماركوس الرئيسة التنفيذية لشركة ماركوس للاستشارات الاستثمارية. ستيفان وولف أستاذ الأمن الدولي في جامعة برمنغهام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة