المبادرة الأميركية لنشر الديمقراطية   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ نجيب الغضبان

الأخبار التي ترددت على مدى الأسبوعين الماضيين عن نية الإدارة الأميركية طرح مبادرة لتشجيع الديمقراطية في المنطقة العربية ودول غرب آسيا مؤشر آخر على جدية الولايات المتحدة في الاستمرار باتجاه التبشير بالديمقراطية للفترة المقبلة.

فاستنادا إلى أكثر من مسؤول أميركي ستقوم الولايات المتحدة بطرح خطة متكاملة وطموح من خلال ثلاثة تجمعات، وهي قمة دول الثماني وقمة الاتحاد الأوروبي المقبلة والاجتماع القادم لحلف الناتو.

إن طرح مبادرة على هذه المستويات -من قبل واشنطن- هو تأكيد على أن التغيير الديمقراطي في العالم العربي سيكون أحد الأعمدة الهامة لسياستها تجاه المنطقة، كما أنه يعني أن الإدارة الأميركية تسعى إلى كسب تأييد راسخ من حلفائها الأوروبيين، وبالتالي تدويل هذه المبادرة.

ما عناصر هذه المبادرة؟ وأين تكمن أهميتها؟ وكيف يمكن التعامل معها؟ بداية لا بد من إعادة التأكيد على أن ما جاء على لسان الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه أمام المجلس القومي للديمقراطية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الفائت، وعلى لسان نائبه أمام المنتدى الاقتصادي الشهر المنصرم، هو جزء من هذا التفكير الإستراتيجي "الجديد" تجاه المنطقة.

إن موضوع نشر الديمقراطية والحض على احترام حقوق الإنسان، كأحد مكونات السياسة الأميركية، ليس بالأمر المستجد، لكن الجدة ستكون عندما يتم تطبيق هذه المبادئ على المنطقة العربية.


موضوع نشر الديمقراطية والحض على احترام حقوق الإنسان كأحد مكونات السياسة الأميركية ليس بالأمر المستجد، لكن الجدة ستكون عندما يتم تطبيق هذه المبادئ على المنطقة العربية
والسؤال لماذا الديمقراطية للعرب؟ ولماذا الآن؟ الجواب هو أن الولايات المتحدة كانت -باعتراف الرئيس بوش- لا تعبأ بهذا الأمر في منطقة الشرق الأوسط، لا بل على العكس فقد كانت تدعم أي نظام حكم يحفظ مصالحها حتى ولو كان النظام السياسي قمعيا لا يحفظ للإنسان ولحقوقه أي اعتبار.

ويكفي التدليل على أن معدل مقياس الحرية في المنطقة العربية هو الأسوأ في العالم، والمفارقة أنه رغم الاختلاف في توجهات الأنظمة العربية، من حيث درجة صداقتها وتبعيتها لواشنطن، فإنها جميعا نجحت في مقاومة عدوى الديمقراطية والحرية.

التغيير الطارئ في التفكير الأميركي مرتبط مباشرة بالاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن، والخلاصة التي توصل لها المسؤولون الأميركيون هي أن أغلبية منفذي هذه الاعتداءات جاؤوا من دول حليفة لواشنطن، ناهيك عن أن قادة تنظيم القاعدة هم من الدول نفسها، وبمعنى آخر فإن أحد أهم أسباب استشراء ظاهرة الإرهاب غياب الحريات، وانعدام فرص المشاركة السياسية والكبت الاجتماعي وسوء توزيع الثروة.

الرد الأميركي الأولي تمثل في إعلان حرب عالمية على الإرهاب، تم تقسيمها إلى حلقات، كانت أفغانستان أولاها، ثم كانت الحرب على العراق واحتلاله الحلقة الثانية والأهم ضمن هذه الحرب.

لكن إدارة بوش فشلت في إقناع العالم بصدقية ارتباط النظام العراقي بالإرهاب، فوجدت في السياسات القمعية والإرهابية للنظام تجاه شعبه وجيرانه المبرر الوحيد لتسويغ حربها واحتلالها. ومن هنا تبدى للمسؤولين الأميركيين أن نقطة الضعف القاتلة للأنظمة العربية تتمثل في غياب الديمقراطية.

وهكذا تتلاقى توجهات واشنطن للتدخل في إدارة شؤون المنطقة وتوجيهها، وبشكل مباشر كما هو الأمر مع العراق -حسب مصالحها- تتلاقى هذه التوجهات مع التبشير بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبالعودة إلى عناصر المبادرة الشرق أوسطية التي تنوي الإدراة الأميركية طرحها أمام حلفائها الأوروبيين، فقد ورد على لسان بعض المسؤولين أن التفاصيل مازالت قيد البحث والصياغة، كما أن مفاوضات تجري مع الأوروبيين والكنديين لأخذ اقتراحاتهم وتضمين أفكارهم في التشكيل النهائي. وعموما فما رشح عن العناصر الأولية للمبادرة الأميركية يشتمل على النقاط التالية:

أولا: دعوة الحكومات العربية والآسيوية لتبني إصلاحات سياسية هيكلية.

ثانيا: مراقبة ومحاسبة هذه الحكومات في مجال احترام حقوق الإنسان، وتشجيعها لتحسين أوضاع المرأة.

ثالثا: تحسين الأداء الاقتصادي، وإدخال إصلاحات اقتصادية بهدف خلق فرص عمل جديدة ومحاربة الفقر وتقليص نسبة جيوش العاطلين عن العمل في أغلب الدول العربية.

وكحوافز للدول التي ستتجاوب مع هذه الطلبات، ستقوم الدول الغربية بمكافأة هذه الدول في المجالات التالية:

1- تحسين العلاقات التجارية والاقتصادية، تدرجا إلى تحسين العلاقات البينية في المضمار السياسي.

2- تسهيل إدخال هذه الدول في عضوية منظمة التجارة الدولية.

3- إيجاد أطر أمنية مشتركة شبيهة بتلك التي تم تشكيلها مع دول أوروبا الشرقية، وذلك بهدف تدعيم السلم والأمن الدوليين.

يمكن إجمال النقاط الإيجابية في هذه المبادرة بما يلي:
أولا: أنها تنتقل من الكلام النظري إلى الحديث عن خطوات عملية يمكن قياس مدى التقدم فيها ضمن إطار زمني محدد.


الأمل أن تشعر النخب الحاكمة بضرورة إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية، وأخذ المبادرة بدلا من أن تفرض عليها إجراءات قد تفقدها ما تبقى لها من رصيد ضئيل من الشعبية والشرعية
ثانيا: عندما يتم الحديث عن تشجيع ودعم مقابل حوافز، فهذا يعني أن هناك تسليما بفكرة أن العبء الأساسي في مجالي الإصلاح السياسي والاقتصادي يقع على الحكومات والشعوب العربية، وأن الولايات المتحدة تعترف -ولعل هذا بسبب المصاعب في الحالة العراقية- بأن التغيير لا يأتي من الخارج، كما أنه لا يتم فرضه بالقوة.

ثالثا: أن دعوة الدول الأوروبية لتكون شريكة في دعم الديمقراطية يزيد من مصداقية الطرح، بسبب معرفة الأوروبيين بالمنطقة، وتحسن صورتهم في الآونة الأخيرة عندما وقفوا ضد الحرب على العراق، إضافة إلى تزايد تعاطفهم مع الفلسطينيين.

لكن المبادرة تحمل في طياتها نقطتي ضعف أساسيتين، أولاهما خلو المبادرة من أي إشارة إلى إسرائيل التي تحرم شعبا كاملا من حق تقرير المصير وحكم نفسه بنفسه، فجوهر الحقيقة أن صراع الفلسطينيين من أجل تشكيل دولتهم المستقلة هو شكل من أشكال الصراع الديمقراطي.

ومن ناحية ثانية، فإن تغييب المسؤولين الأميركيين لحقيقة أن ظاهرة الإرهاب، كما أنها نتاج لغياب الحريات والديمقراطية، فهي أيضا إفراز طبيعي لسياسات الاحتلال والقمع والتجويع والفصل العنصري، وتحميل الضحية مسؤولية العنف والإرهاب. بشكل مباشر وغير مباشر فإن الولايات المتحدة متورطة في دعم الاحتلال وسحق حقوق الشعوب، وعلى رأسها حق تقرير المصير.

نقطة الضعف الثانية في المبادرة الأميركية تتمثل في أن الولايات المتحدة ليس لها ماض أو مصداقية في موضوع دعم التحول الديمقراطي في المنطقة العربية. من هنا لم يكن مستغربا نتائج الاستطلاع الذي أجرته الجزيرة نت، وأظهر أن 76.8% من المشاركين في الاستطلاع يعارضون الجهود الأميركية الساعية إلى نشر الديمقراطية في العالم العربي، في مقابل تأييد 23.2% من المشاركين في التصويت.

الغالبية من المشاركين لم تقل لا لنشر الديمقراطية، بقدر ما كانت تعبر عن شكوكها في مصداقية الولايات المتحدة التي كانت شريكا وداعما لإسرائيل في كل جرائمها، وآخر من قبل فكرة الدولة الفلسطينية، كما أنها كانت ولا تزال تتستر على أنظمة قمعية، فكيف يمكن تصديقها؟

كيف يتعامل العرب مع الخطة الأميركية لنشر الديمقراطية إذن؟ على المستوى الرسمي الأمل أن تشعر النخب الحاكمة بضرورة إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية، وأخذ المبادرة بدلا من أن تفرض عليها إجراءات قد تفقدها ما تبقى لها من رصيد ضئيل من الشعبية والشرعية.

والشعوب العربية لا تعوذها الفطنة للتمييز بين الدول التي بدأت باتخاذ خطوات جوهرية على طريق التحول الديمقراطي، تلك الخطوات التي يعود نفعها على الحاكم والمحكوم، ولعل قطر والبحرين والمغرب أمثلة لهذا النموذج، وبين دول أبدت استعدادا لتلبية كل مطالب القوى الخارجية، ما عدا توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، ولعل قائد ثورة الفاتح أكثر الأمثلة ثورية في هذا النوع من التحولات.

وأخيرا هناك الأنظمة التي هي بين هذين النموذجين، لكنها ترفض أن يحاضرها أي طرف عن الديمقراطية، بما في ذلك الإدارة الأميركية، لأن لهذه الدول "خصوصية" و"ديمقراطية" قد تفوق النموذج الأميركي.

ففي أحد التعليقات على المبادرة الأميركية، قال رئيس تحرير صحيفة رسمية تحمل اسم الحزب الحاكم في سوريا إن بلده لديها تجربة ديمقراطية فريدة عمرها من عمر "الحركة التصحيحية" (عام 1970)، وفيها سبعة أحزاب تقدمية، بينما أميركا -بجبروتها وادعاءاتها الديمقراطية- لا يوجد فيها إلا حزبان يتيمان، أي أن ديمقراطية بلد هذا المسؤول تعادل ثلاثة أضعاف ونصف الديمقراطية الأميركية!

التجربة التاريخية تثبت أن الدول التي بدأت بتوسيع هامش المشاركة الشعبية هي الدول الوحيدة القادرة على الوقوف أمام الابتزاز الخارجي، والاستفادة من الفرص الخارجية لتقوية تجربتها الديمقراطية، بينما تجازف النخب الحاكمة في الدول القمعية في قيادة بلادها إلى المزيد من الهزائم والدمار.

على المستوى الشعبي لا بد من التذكير بأن الديمقراطية هي مطلب شعبي عربي قبل أن تتبناه واشنطن، وأن الصراع من أجل الديمقراطية من قبل المفكرين والحركات السياسية المعارضة عمره عقدان من الزمن على الأقل، كما أن هناك اتفاقا عاما على أولوية الخيار الديمقراطي مقارنة بتحديات التنمية الاقتصادية وتحقيق المصالح العربية العليا.

الأمر الآخر ليس هناك خلاف على أن الديمقراطية لا تستورد ولا تفرض بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لا تتحقق إلا بصراع وتضحيات، وقد دفع الكثير من النشطاء السياسيين في الدول الاستبدادية ثمنا باهظا من أجل الحرية.


الديمقراطية ليست حلا سحريا لإشكاليات المنطقة، لكنها وسيلة لحل الصراعات بين أبناء الوطن الواحد بالوسائل السلمية، وسلاح ماض لمقابلة التحديات الخارجية
ولذا فمن حق هذه القوى والأحزاب أن تسلك كل الطرق السلمية الشرعية، وبشكل تصاعدي، وذلك لتشكيل حالة من الضغط على أنظمتها بهدف تقويض دولة "المخابرات" وإرساء حكم القانون.

ومن الخيارات المتاحة أمام قوى المعارضة الديمقراطية تشكيل تحالفات مع القوى الخارجية التي تتفق مع هذا الهدف، بما في ذلك الولايات المتحدة. القضية ليست في قبول فرض الديمقراطية من الخارج من عدمه، بقدر ما الضغط على الولايات المتحدة نفسها لرفع يدها عن الأنظمة الاستبدادية، والسماح بفرص متساوية للقوى المعارضة للتنافس على أصوات الشعب.

الولايات المتحدة قد لا تكون مخلصة في دعوتها لنشر الديمقراطية، لكن من الخطأ الحكم على هذه الدعوة قبل وضعها على المحك، وقياس سياساتها وأفعالها على ادعاءاتها وأقوالها. فإذا كانت أقوال أميركا وأفعالها تجاه المنطقة العربية مشينة في الماضي، فنحن نشهد تغييرا في الأقوال لا يضير أن يقابل بتجاوب يتناسب معه.

وبالطبع فقد تلتقي المصالح وقد تتعارض، والفيصل في نهاية الأمر قدرة القوى المحلية على التشبث في حقوقها والدفاع عنها، فالديمقراطية ما هي إلا حق الشعوب في اختيار شكل حكمها وسياساتها، والحقوق تنتزع ولا توهب.

وأخيرا فالديمقراطية ليست حلا سحريا لإشكاليات المنطقة، لكنها وسيلة لحل الصراعات بين أبناء الوطن الواحد بالوسائل السلمية، وسلاح ماض لمقابلة التحديات الخارجية، ومثال إسرائيل التي يلعنها العرب صباح مساء أبلغ الأمثلة.
ــــــــــــــــــ
أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة آركنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة