سوريا وأميركا.. هل ثمة صفقة؟   
الثلاثاء 1426/9/15 هـ - الموافق 18/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:02 (مكة المكرمة)، 18:02 (غرينتش)

 

 













 



أكرم البني

على الرغم من احتدام الصراع سياسيا وإعلاميا بين إدارة البيت الأبيض والنظام السوري فثمة إشارات تتواتر عن احتمال عقد صفقة بينهما تعيد الأمور إلى حال التفاهم والتعاون، ويبدو أن الموضوع السوري هو اليوم مدار بحث ومناقشة مستفيضين من أطراف مختلفة مع الولايات المتحدة وأن ثمة تحرك عربي هدفه وقف تدهور العلاقة بين دمشق وواشنطن بعدما صارت العاصمتان قاب قوسين أو أدنى من مواجهة ربما تكون مكلفة وصعبة جداً.

ويشاع أن السلطات السورية طلبت من مصر والمملكة العربية السعودية مرات عدة التوسط بينها وبين أميركا بغية إزالة الالتباسات والإشكالات قبل أن تتحول إلى مشكلات تستعصي على الحل، وكان الجواب دائما هو النصح باتخاذ سلسلة مواقف أو تنفيذ مجموعة من الإجراءات كي يصبح التوسط ممكنا، وجوهر هذه الإجراءات هي كف اليد السورية تماماً عن التدخل في المسارات العراقية واللبنانية والفلسطينية.

التبسيط اللغوي والفقهي لمعنى كلمة صفقة بأنها عقد بيع وشراء ينال رضا طرفين، درج استخدامها في حقل السياسة لتوصيف اتفاق بين أكثر من طرف تتضارب مصالحهم لتحقيق شكل من التوافق بينهم، حرصا على أن لا تدفع الأمور إلى نهايتها القصوى، إلى معركة إقصاء وكسر عظم، ويتطلب نجاح الصفقة محاولات ترغيب وترهيب وإكراه بالتهديد والضغط من أجل تقديم التنازلات والقبول بشروط ما كان ليقبل بها ابتداء، ما يميز هذه العملية عموماً أنها مسألة مؤقتة ومرحلية قابلة للنقض والتعديل والتحوير سلبا أو إيجابا، تبعا لمستجدات ووقائع لم تكن حاضرة أو ناضجة لحظة عقدها.

ويجانب الحقيقة من يعتبر الصفقة بين دمشق وواشنطن من سابع المستحيلات بسبب أن هذه الأخيرة عقدت العزم، وإلى الأبد، على الإطاحة بالنظام السوري بكل الوسائل المتاحة، أو لأن النظام عاجز عن التحرر من شعاراته الوطنية والقومية المعلنة، فالأمر الطبيعي أن يسارع طرفان متخاصمان سياساتهما غارقة في البراغماتية حتى النخاع، إلى التسوية والتوافق.

"
العقدة الرئيسية أمام صفقة محتملة بين النظام السوري والإدارة الأميركية تكمن أساسا في صعوبة صياغة علاقة جديدة بين طرفين لا يقفان على مستوى واحد من الوزن والقوة، وتختلف دوافعهما وحاجتهما إليها
"

فالنظام السوري طيلة تاريخه وفي أزمات أشد وطأة وصلت إلى الذروة في مطلع الثمانينيات مع حضور القوات المتعددة الجنسية إلى لبنان، لم يقطع شعرة معاوية مع البيت الأبيض ولم يغلق قنوات الحوار والتواصل, وهناك عبارة درجت على لسان المسؤولين السوريين وهم في أوج صداقتهم الإستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي، بأنه من الحماقة الاستهتار بوزن أميركا ودورها أو معاداتها والقطيعة معها!!.

كما أن المصالح هي ما يحرك سياسات واشنطن لا المبادئ والمثل، وتاريخها القديم والحديث غني وحافل بما يؤكد هذه الحقيقة وأنها في غير مكان وزمان، أشاحت بوجهها عن دعوات الحرية وحقوق الإنسان، ولم يردعها رادع عن استخدام جميع الوسائل لكسب موقع أو الحفاظ على نفوذ مهدد.

لكن العقدة الرئيسية أمام صفقة محتملة بين النظام السوري والإدارة الأميركية تكمن أساسا في صعوبة صياغة علاقة جديدة بين طرفين لا يقفان على مستوى واحد من الوزن والقوة، وتختلف دوافعهما وحاجتهما إليها.

فالولايات المتحدة تملك اليوم وزنا حاسما ومقررا في المنطقة، ولديها من الوسائل الكثيرة التي تمكنها من المناورة والردع، والواضح ومنذ احتلالها العراق أنها وضعت نصب عينيها مهمة الإطاحة بنظام البعث السوري وسعت إلى خلق الشروط الكفيلة بتحقيق ذلك، ويرجح أن ميلها اليوم لتأييد الجهود الرامية للتفاهم مع سوريا هو أهون الشرور طالما ضمنت بالملموس كف يد النظام السوري عن التأثير على مشاريعها، خاصة في الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية، بما في ذلك فك تحالفه مع إيران.

في المقابل، حاجة السلطات السورية إلى التسوية حاجة ملحة، يشبهها البعض بحياة أو موت، وقد ضاق هامش مناورتها إلى حد لم تشهده منذ عقود، وتحاول عبر المساومة على ما تملكه من بقايا نفوذ وتأثير التوصل إلى شكل من أشكال التسوية يحفظ ماء الوجه ولا يكون مجحفا مطلق الإجحاف. وتأخذ هذه الحاجة حافزا إضافيا مع اقتراب صدور تقرير ميليس واحتمال أن يوجه إصبع الاتهام للنظام ككل أو لبعض رجالاته.

إذا تلتقي معظم الآراء أن جوهر "صفقة" محتملة بين النظام السوري وأميركا هو مقايضة الأول ما تبقى له من أوراق إقليمية وحتى التضحية ببعض الشخصيات الأمنية داخليا، كي يضمن سلامته واستمرار كتلته الرئيسية في سدة الحكم، وتساعده الأطراف الغربية عندها على فك الحصار وإحياء التعاون معه والتقدم خطوات حثيثة لتوقيع عقد الشراكة السورية-الأوروبية.

وربما تصل الأمور إلى حد تعويم بعض تقرير ميليس أو تخفيف نتائجه، كإغماض العين عن مسافة يعرف أنها غير قائمة في طبيعة أنظمة على صورة النظام السوري ووصايته على لبنان بين المستويين السياسي والأمني، بتبرئة الأول وتحميل شخصيات أمنية ما جرى، ويدرج الكثيرون حادثة انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان في هذا الإطار.

"
الإدارة الأميركية فقدت الثقة بالنظام السوري وانحسرت رغبتها في التجريب وإعطائه مزيداً من الفرص، وما يشجعها أكثر أنه ليس هناك ثمة بديل موثوق به يمكنه أن يخلف النظام السوري طالما أن المرجح أن تتقدم تيارات إسلامية لسد الفراغ لم تختبر سياساتها بما يكفي
"

صحيح أن الإدارة الأميركية فقدت الثقة بالنظام السوري وانحسرت رغبتها في التجريب وإعطائه مزيداً من الفرص، لكنها تعرف جيداً أنه لا يزال يملك قوى يستحسن تحييدها في الوقت الراهن كي لا تستمر في إرباكها وخلق العثرات، وما يشجعها أكثر أنه ليس هناك ثمة بديل موثوق به يمكن أن يخلف النظام السوري طالما أن المرجح أن تتقدم لسد الفراغ تيارات إسلامية لم تختبر سياساتها الداخلية والإقليمية بما يكفي.

يضاف إلى ذلك تردد الموقف الأوروبي الذي لا يزال يبدي تحفظا شديدا من إجراء انقلاب دراماتيكي في البنية السياسية السورية أو إزاحة سريعة للسلطة الحاكمة، وترفد الموقف الأوروبي اجتهادات من بعض المؤسسات الأميركية ذاتها تتخوف أيضا من أن يخلط انفلات الأوضاع الأوراق إلى درجة العجز عن إعادة الإمساك بها أو السيطرة عليها.

كما يؤخذ في الاعتبار الموقف الإسرائيلي وتفضيله استمرار الحكم السوري الراهن، لكن ضعيفاً ومحاصراً، وأيضا موقف غالبية الأنظمة العربية وخاصة مصر والسعودية التي لا تحبذ إسقاط السلطة السورية بل تميل إلى تطويعها واحتوائها خوفا من أن يفضي التغيير الجذري إلى نتائج غير محمودة قد تؤثر على استقرار المنطقة برمتها.

ويرشح عن الجديد في استجابة واشنطن للعوامل السابقة، بأنها إشترطت بأن تكون الصفقة هذه المرة صفقة شاملة أو شبه شاملة لا صفقة جزئية ومحدودة. ما يعني أن تقترن بمفاوضات تسوية مع الكيان الصهيوني وبتغييرات داخلية مهمة في علاقة السلطة السورية مع المجتمع.

ويبدو أن الإدارة الأميركية تجد الصفقة الشاملة أفضل ضمان لتنفيذ الوعود، ولقلب قواعد لعبة سادت لعقود في منطقة المشرق العربي وكان يفترض أن تتهاوى منذ زمن طويل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، لكن اختيار السلطة السورية الانضواء تحت راية الولايات المتحدة ضمن التحالف الدولي المناهض لصدام حسين في حرب الخليج الثانية مد من أنفاس هذه القواعد.

ناهيك عن أن الصفقة الجزئية تفقد الإدارة الأميركية مصداقيتها كداعية لشعارات التغيير والحرية خاصة أمام الحراك اللبناني، وتظهرها كمن تبيع مبادئها لقاء بعض المكاسب وتخون ما ترفعه من شعارات ضد الأنظمة المستبدة.

وعلى العكس من ذلك يرشح عن النظام السوري أنه طامع بأن تكون الصفقة جزئية ومحدودة وأن يجري تناول كل ساحة على حدة، العراق أو لبنان أو فلسطين، مع استبعاد أي اشتراط لتغيير علاقته مع إيران استبعاداً تاما، ويأمل من هذا الخيار تحييد الوضع الداخلي وأن لا يفقد دفعة واحدة كل أوراق مناورته طالما يفضي ما يقدمه من تنازلات، هنا وهناك، إلى تهدئة الخواطر وتخفيف الحصار والعزلة وربما ربح الوقت انتظارا لمستجدات قد تساعده على تحسين الموقع التفاوضي أو تعديل توازن القوة.

"
تباين الموقفين الأميركي والسوري من الصفقة يضعنا اليوم أمام حالة من تبادل المواقع، فأصحاب سياسة الخطوة خطوة باتت مصالحهم تستدعي اليوم التسوية الشاملة، ودعاة التسوية الشاملة تاريخيا صاروا اليوم من أنصار التسويات والصفقات الجزئية
"

والمفارقة أن تباين الموقفين الأميركي والسوري من الصفقة يضعنا اليوم أمام حالة من تبادل المواقع، فأصحاب سياسة الخطوة خطوة باتت مصالحهم تستدعي اليوم التسوية الشاملة، ودعاة التسوية الشاملة تاريخيا صاروا اليوم من أنصار التسويات والصفقات الجزئية.

في هذا السياق لابد من التوقف عند أهم الدوافع التي تثار في الأوساط السورية للوقوف مع أو ضد إنجاز هذه الصفقة والسير في طريق التهدئة والتفاهم مع واشنطن.

فمن جهة، ثمة من يبدي حماسة للصفقة لأن التجربة العراقية بمآسيها وما صارت إليه تحتل عنده مساحة الرؤية كاملة، وهؤلاء يتخوفون من سيناريو مشابه لما جرى في العراق يبدأ بتشديد الحصار والعزلة على دمشق ويحتمل أن يصل إلى عمل عسكري واسع أو محدود.

ومن دروس التجربة العراقية يذهب آخرون إلى تأييدها نكاية بأهل الحكم لأنهم يقدرون أن أهل الحكم لا مصلحة لهم بعقدها، وإذا فرضت عليهم صفقة سوف يذهبون إليها مكرهين، بل هم يجدون من حالة العزلة والحصار فرصة ثمينة لتثبيت سلطانهم وامتيازاتهم وتسويغ القمع والإرهاب على المجتمع وقواه الحية دون أن يهمهم ما ينتظر الشعب من جوع وفقر وامتهان كرامة في ظل الحصار، وطالما أنهم مطمئنون إلى أن واشنطن لن تخوض غمار حرب ضد سوريا بعد النتائج المريرة في العراق وأن سقف سياساتها لن تتعدى توظيف مختلف أشكال الضغط والحصار الاقتصادي والسياسي والإعلامي.

وتستند هذه الاجتهادات إلى رؤية تجاهر بأن المرونة السياسية أمر مشروع في اللحظة الراهنة وتعني تلمس المتغير النوعي في توازن القوى بعد الحضور العسكري الأميركي في الجوار، وضحالة ما تملكه سوريا من قوى ذاتية وتحالفات عالمية وإقليمية، في ظل اهتراء النظام السياسي العربي وعجز روسيا عن المبادرة، في الوقت الذي تغرق إيران فيه حتى أذنيها بهمومها الخاصة ويبدو أن أزمتها مع الغرب تشتد وتستعر وربما تصل إلى حد القطيعة في حال نقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن.

ويرى هؤلاء ضرورة الانحناء للعاصفة وتقديم تنازلات أضحت برأيهم أوراقاً محروقة يلهون بها الدب الأميركي ويبعدونه عن كرمهم، خاصة مع ضحالة نتائج التعبئة، أيديولوجيا وسياسيا، للتنديد بالعدوان الإمبريالي، فهي من المرات القليلة التي تلمس فيها نوعاً من عدم المبالاة في الأوساط الشعبية السورية تجاه ما يجري، ربما جراء شعور الناس المزمن بأنهم لا دور لهم ولا قيمة، أو لعل السبب يرجع إلى قناعة تولدت لديهم بأنهم غير معنيين بما يترتب من نتائج.

وفي هذا الإطار أظهر بعض الديمقراطيين دافعا جديدا لتأييد هذا التفاهم أو الصفقة كونها توفر فرصة كبيرة لتقدم العملية السياسية في المنطقة، فوقف تدخلات النظام السوري إقليميا وفي الشؤون العراقية واللبنانية والفلسطينية حتى لو جاء على حساب الوضع الداخلي السوري، يصب في خدمة التغيير بصورة عامة، ونجاح عملية التنمية الديمقراطية في البلدان المجاورة يعزز الوسائل السلمية في منطقة دأبت على استخدام أساليب القوة في إدارة الصراع السياسي، الأمر الذي يحسن موضوعيا من شروط نضال القوى الديمقراطية السورية وهي التي لا تزال تعاني من الضعف والقصور وربما تحتاج إلى مرحلة انتقالية كي يقوى عودها ويشتد ساعدها وتتمكن من لعب الدور الرئيس في عملية التغيير الديمقراطي المستحقة.

من جهة أخرى، ثمة من يرفض الصفقة لأن التنازلات والاستجابة لبعض مطالب واشنطن الإقليمية لن تجدي نفعا، فكل خطوة إلى الوراء ستجر خلفها خطوات وتترك الباب مفتوحا أمام متوالية من الاشتراطات والإملاءات قد تهدد المجتمع السوري في الصميم، كما أنه من العبث عندهم البحث عن خلاص من المأزق الراهن بالقياس مع أي نموذج أو تجربة أخرى مهما كثرت عناصر التشابه، ليبيا والعراق مثلاً.

"
نجاح صفقة بين دمشق وواشنطن أو فشلها لن يغير كثيراً في الحقيقة التي تقول أن هذا الشكل من الحكم في سوريا يسير في طريق مسدودة، حتى إذا تمكن من التشبث بالسلطة لوقت أضافي جديد
"
متوهمين أن عدم استقرار لبنان وتوتر وضعه الأمني يعيد لدورهم بعض الاعتبار وأن تصاعد العمليات العسكرية في العراق قد يشغل إدارة البيت الأبيض ويمهد لإيقاع هزيمة سريعة بسياساتها، ربما لإقناع أنفسهم بصحة عنفوانهم الهجومي قبل إقناع الآخرين به، ولتبرير ما يرفعونه من عبارات تحدٍ وشعارات لا تم إلى الواقع والإمكانيات بأي صلة، وتكتمل اللوحة باللجوء إلى عبارات التهديد الصريح، وإرسال إشارات تنذر بتوظيف ما تمت مراكمته من تحالفات وأسلحة وخبرات أمنية لتفجير المنطقة برمتها ونقلها إلى الفوضى، كأنها رسالة تحذير للخصوم من شر الدخول في لعبة كسر عظم!!.

أخيرا يمكن القول أن نجاح صفقة بين دمشق وواشنطن أو فشلها لن يغير كثيراً في الحقيقة التي تقول أن هذا الشكل من الحكم في سوريا يسير في طريق مسدودة، حتى إذا تمكن من التشبث بالسلطة لوقت أضافي جديد، والأمر كذلك بغض النظر عما سيقوله تقرير ديتليف ميليس في جريمة اغتيال رفيق الحريري.

وتاليا صار أشبه بتحصيل حاصل استحقاق التغيير وإعادة رسم علاقة جديدة بين السلطة والمجتمع تستند إلى الديمقراطية وقواعدها وتطلق دور الإنسان في مواجهة مختلف التحديات، فما تعيشه بلادنا اليوم ليس أكثر من مرحلة انتقالية هي بمنتهى الدقة والخطورة ويتوقف على نتائجها الكثير، فهل تعي قوى التغيير الديمقراطي أي دور ينتظرها؟!
___________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة