سوريا.. سنة ثانية ثورة   
الأربعاء 1434/4/24 هـ - الموافق 6/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
أكرم البني

هي أيام وتكمل الثورة السورية عامها الثاني بمشهد يدمي القلوب من هول الخراب والدمار وأعداد ما فتئت تزداد من الضحايا والجرحى والمعتقلين والمشردين، وبينما نجحت الثورات العربية الأخرى في إسقاط الاستبداد وانتقلت إلى مرحلة جديدة من مسيرتها نحو الحرية، لا يزال حلم السوريين يصطدم بعناد وعنف مفرطين ويمر بمخاض مؤلم وعسير، مما يطرح السؤال: إلى أين تسير سوريا اليوم؟ وأي مستقبل ينتظرها؟!

عامان مرّا يفترض أن يكونا أكثر من كافيين كي تهتز ثقة النظام في جبروته وأوهامه عن الانتصار، وقد جرب على مرأى من العالم كل أصناف الأسلحة والخطط الحربية ولم ينجح في سحق الاحتجاجات أو الحد من قدرة الثورة على التجدد، لكن ثمة ما يقارب اليقين بأن تغييراً لن يحصل في سياسة هذا النظام، وأن منطق العنف والمزيد من العنف هو لغته الوحيدة، وكأن لسان حاله يقول إذا لم ينفع الرصاص والمعتقلات تنفع المدافع والدبابات، وإن عجزت هذه الأخيرة عن إرهاب الناس وإخضاعهم فهناك الطائرات والصواريخ والتدمير المعمم. 

بعد عامين لا بد أن نعترف بأن الممارسات الموغلة في العنف والاستفزازات الطائفية بدأت تعطي ثمارها المرة في عسكرة الثورة وتشويه وجهها الشعبي والمدني

بعد عامين لا بد أن نعترف بأن الممارسات الموغلة في العنف والاستفزازات الطائفية، بدأت تعطي ثمارها المرة في عسكرة الثورة وتشويه وجهها الشعبي والمدني واستجرار ردود أفعال من الطبيعة ذاتها، وإظهار صورة طالما روج النظام لها عن عصابات مسلحة وقوى سلفية تسعى لأسلمة المجتمع وفرض أجندتها عليه، ولا يغير هذه الحقيقة فشله في إحراز أية نتائج في الميدان العسكري، وهو ميدانه بامتياز، أو حتى في تعديل توازنات قوى ما فتئت تميل لصالح المعارضة، ولا فشله في استمالة الدول الغربية عبر مغازلة مخاوفها من انبعاث الحالة الجهادية في سوريا، وإن ساهم ذلك في تنامي التحفظ الأميركي والأوروبي على مد المعارضة بالسلاح بحجة احتمال وصوله إلى أيادي المتطرفين.

صحيح أن نظاما، كالنظام السوري، مستعد للمساومة على كل أمر، ما عدا احتكاره للسلطة، ولن يتوانى عن فعل أي شيء بما في ذلك جر البلاد كلها إلى العنف والاحتراب للاستمرار في الحكم، لكن الصحيح أيضاً أن طريق العنف مسدودة، وأن الجميع بات يدرك أن لا جدوى من التصعيد المتواتر للفتك والتدمير إلا توسيع مشهد الخراب والضحايا، وأنه ليس أكثر من مجرد وهم تصور إمكانية استعادة زمام المبادرة وكسر موازين القوى بعد التحولات التي جرت على الأرض وسيطرة المعارضة المسلحة على مناطق واسعة من البلاد، خاصة وأن النظام بات يدرك أن الكيل فاض، وأنه استنفد كل المهل التي منحت لخياره الحربي مثلما استنزف عطاء حلفائه إلى أبعد مدى، وبات يقف وجهاً لوجه أمام مصالح لا تتعلق به بقدر ما تتعلق بحلفائه، وهو مكره على خدمتها في ظل ازدياد ضعفه العسكري والاقتصادي وشدة حاجته لهم.

واللافت أن حلفاء النظام الذين لم يبخلوا عليه بشيء، وساعدوه على تعطيل جميع المبادرات السياسية، ومنحوه المهل لتصعيد العنف، بدؤوا يشعرون بلا جدوى الضرب على ذات الوتر، وأن مصالحهم تتضرر من الاستمرار في رحلة استنزاف طال أمدها أو من احتمال الغرق في أتون حرب أهلية واسعة قد تحرق الأخضر واليابس، كما أن خيار الحفاظ على بعض النفوذ في جزء من البلاد عبر مشروع الدويلات أو الكانتونات هو خيار مكلف وغير قابل -سياسياً وعملياً- لحياة مديدة، مما يفسر سعيهم المحموم لإيجاد فرصة لحل سياسي، وانفتاحهم من دون تحفظ على مختلف أطياف المعارضة، بما فيها المسلحة.

في المقابل وبعد عامين تبدو المعارضة السياسية وكأنها لا تزال في رحلة البحث عن ذاتها ودورها، تنوء تحت ثقل نزاعات لا طائل منها، وتئن تحت عبء تقصيرها في خلق قنوات للتواصل الحي مع الحراك الثوري، ومده بأسباب الدعم السياسي والمادي، ولحسن الحظ يعوض هذا التقصير ما تشهده مرتكزات السلطة من تخلخل مستمر ومن انشقاقات لم تعد تقتصر على أفراد مهمشين، بل شخصيات عاشت جل تاريخها كجزء من تركيبة النظام، والأهم ما تحققه المعارضة الميدانية من تقدم على الأرض وسيطرتها على المزيد من المناطق.

وهنا لا بد أن نعترف، بعد هذا الزمن الطويل وفداحة ما قدم من دماء وتضحيات، بأنه لا يزال يعيب المعارضة بطؤها في تدارك سلبياتها واستحضار دور سياسي نشط يتفاعل مع المكون الشعبي للثورة، وتالياً مع المكون العسكري لتوحيد صفوفه وتصويب أدائه، ويعيبها أيضاً أن تظهر كرد فعل أو صدى لصوت الشارع، مقصرة في تقديم رؤية متكاملة لمسار الصراع وللخطط والآليات الكفيلة بتبديل المشهد والتوازنات القائمة بأقل تكلفة، ولنقل مقصرة في تقديم إجابات شافية عن أسئلة ملحة تشغل بال الكثيرين بشأن سياق عملية التغيير وشروطها وما يكتنفها من منزلقات ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته وحساسية ارتباطاته الإقليمية والعالمية.

تزداد إلحاحاً اليوم، وبعد عامين، مهمة طمأنة الرأي العام وقطاعاته المترددة وخاصة الأقليات، فلن تنمو الثقة في التغيير ويشتد عود الثورة وترسخ أقدامها في الأرض وتصان من الانزلاق إلى صراعات متخلفة تحرفها عن أهدافها، إذا لم تتوسع دائرة انتشارها وتزداد نسبة المشاركين فيها وتكسب فئات المجتمع السلبية والصامتة، وما يعزز هذه الثقة حرص المعارضة بمختلف فصائلها على ممارسة سلوك ينسجم مع شعارات الحرية والتعددية التي ترفعها، عبر مراقبة حازمة لأفعالها، وإبداء أعلى درجات الاستعداد للتسامح والتعاون، لتثبت للجميع أنه يمكن الوثوق بها لتجنيب البلاد احتمالات الفوضى والتفكك والصراع الأهلي.

أداء العمل المعارض لا يكفي أمام استمرار القمع المعمم والأثمان الباهظة التي يتكبدها الناس بصورة يومية، ووضوح سلبية وتردد الحكومات العربية والغربية في دعم الثورة وتمكينها

بلا شك لا نستطيع القول إن العمل المعارض لم يحرز تقدماً ملموساً على صعيد إثارة قضايا الثورة السورية ومعاناتها في المحافل العربية والدولية، وإنه لم يبذل جهداً سياسياً وإعلامياً مسانداً للحراك الشعبي، خاصة في تفنيد أكاذيب الإعلام الرسمي وادعاءاته، لكن مثل هذا الأداء لا يكفي أمام استمرار القمع المعمم والأثمان الباهظة التي يتكبدها الناس بصورة يومية، ووضوح سلبية وتردد الحكومات العربية والغربية في دعم الثورة وتمكينها.

عامان مرا، وتنتظر قوى الثورة تنفيذ وعود أصدقائها لتتمكن بأقل الآلام من تحقيق أهدافها في التغيير، وها هي بعد أن صرفت وقتاً تراهن على ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تجد أن الرياح تجري بغير ما تشتهي سفنها، وبات واضحاً للجميع أن واشنطن، ومن ورائها سياسات الحلفاء والأصدقاء، تسير على المنوال ذاته في عدم التورط وتفضيل الضغط المرن وإدارة الأمور عن بعد، وأنها، وبعيداً عن التصريحات عن أيام معدودة للنظام وتكرار المطالبة برحيله والوعود بدعم المعارضة، تبدو أكثر من يسعى للتهرب من واجباتها السياسية والإنسانية. 

لقد حيرت السوريين سلبية الشعوب تجاه ما يتعرضون له من فتك وتنكيل لا يقبلهما عقل أو ضمير، وحيرتهم أكثر سياسات الحكومات التي تدعي أنها تهتم بشأنهم، ذلك أنها أوحت بأنها لن تتركهم وحيدين تحت سطوة العنف، وأنها ستكون جزءاً من الحل كما حصل في الثورات العربية الأخرى، لكن الأمر بدا على العكس تماماً وظهرت مفارقة غريبة حين أصبح المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية جزءاً من المشكلة وسبباً في استمرارها وتفاقمها من خلال القرارات المائعة لمجلس الأمن والتستر خلف الفيتو الروسي ورفع العتب بتكرار إرسال مبعوثين كان دورهم لا يتعدى منح النظام المهل كي يتوغل في العنف.

ليس من بلد نضجت فيه الدوافع الأخلاقية والقانونية لفعل أممي حاسم ينقذ المدنيين ويوقف العنف المفرط كسوريا، وليس من بلد -كما تقول لغة الأرقام- وصلت مأساة شعبه إلى هذا العمق وبسرعة قياسية كما الحال في سوريا، فطول أمد الصراع وتردي الأوضاع الأمنية وما تجلبه من خراب وتهجير أفقد أعدادا، ما فتئت تتزايد من السوريين، القدرة على العيش كما كانوا، وزاد الطين بلة شدة الحصار المزمن عليهم والضغط على حاجاتهم، في محاولة من قبل النظام لتخريب البيئات الشعبية المعادية له وترك سكانها في حالة مأساوية، مراهناً على خلق شرخ بين الثورة وحاضنتها الاجتماعية، مما يفسر إصراره على منع وصول أي مساعدة للمناطق المنكوبة قد تمكنها من استعادة عافيتها، والتحرش ببلدان الجوار للضغط على شروط حياة الملتجئين إليها وتأليب مواقف حكومات بدأت تتأفف من زيادة أعداد اللاجئين على أراضيها وتستسهل معاملتهم معاملة لا تليق بالبشر.

سنتان والوضع الاقتصادي يزداد تدهوراً ولا نبالغ في القول إنه صار في الحضيض، فسياسة الفتك والتدمير العشوائي أفضت إلى انهيار القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخربت حمم القذائف والآليات الثقيلة الأراضي الزراعية، ومنع الانتشار الأمني الكثيف نقل المحاصيل بصورة آمنة إلى الأسواق، وأفضى شح المواد الأولية جراء وقف الاستيراد، وضعف التسويق ومنافذ التصدير، إلى انهيار الصناعة، فأغلقت مئات المصانع أبوابها أو قلصت إنتاجها، وسرحت الآلاف من عمالها، وقد لاقى قطاع السياحة المصير الأسوأ فانتهى دوره اليوم تماماً مثلما انتهت فرص الاستثمار، ناهيكم عن تعطل أغلب المشاريع التي كانت قيد الإنشاء.

وكذلك تراجع دور البنوك العامة والخاصة جراء العقوبات وهروب الكثير من رؤوس الأموال إلى الخارج، والأهم تدهور معيشة المواطن، إن لجهة عدم توفر السلع الأساسية التي بدأت تشح، كالخبز والمواد الغذائية والأدوية والغاز والمازوت، أو لجهة انهيار القدرة الشرائية، مع خسارة الليرة السورية أكثر من 50% من قيمتها، أو لجهة تهتك وتفكك شبكات الخدمات التعليمية والصحية، دون أن ننسى معاناة المهجرين داخل البلاد الذين آثروا الانتقال من المناطق الخطرة، حيث أفضى تسارع الزيادة في أعدادهم إلى انحسار القدرة على توفير أهم الاحتياجات الإنسانية لهم!

" إننا محكومون بالأمل" عبارة يتبادلها الناشطون وهم يستقبلون سنة ثالثة من عمر الثورة، ربما بقصد الاعتراف بأن مخاض الثورة سيكون صعباً جداً أمام عجز أممي مشين

ويبقى المدهش أن غالبية السوريين، وعلى الرغم من سوء عيشها وما تكابده، لا تزال متحمسة للثورة وللتغيير وتتطلع للتخلص من الاستبداد أياً تكن الآلام، مما ينذر بسنة جديدة من الصراع الدامي وعمليات كر وفر تشمل حقلي الصراع السياسي والعسكري، يأمل المتفائلون أن تفضي إلى وضع الحالة السورية على نار حامية، عربياً ودولياً، وتنتظم في مسار خلاصي عبر قرار سياسي أممي، يبدأ بوقف العنف فعملية تفاوضية لنقل السلطة ولقيادة مرحلة انتقالية تنتهي بإقرار دستور جديد وإجراء انتخابات عامة، في حين يخشى المتشائمون أن تؤدي رعونة السلطة وإصرارها على منطق الغلبة والعنف إلى الانزلاق نحو المجهول، وأوضح ما فيه المزيد من الضحايا والدمار والتشرد، وربما حرب أهلية قد تطول وتقود إلى تخندقات وانقسامات عميقة بين أبناء الوطن الواحد، مما يهدد بتفكيك البنية الوطنية وتقويض الدولة!

"إننا محكومون بالأمل" هي عبارة يتبادلها الناشطون وهم يستقبلون سنة ثالثة من عمر الثورة، ربما بقصد الاعتراف بأن مخاض الثورة سيكون صعباً جداً أمام عجز أممي مشين، وبأنه سيكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة لم يشهد شعب ثائر لها مثيلاً أمام آلة عسكرية مدججة بأفتك الأسلحة، وربما لأنهم بدؤوا يلمسون لدى أطياف المعارضة إحساساً عالياً بالمسؤولية، من خلال تواتر مبادراتها واجتهاداتها السياسية، أياً تكن التحفظات والانتقادات عليها، وربما لإظهار الثقة بجدوى استمرار ثورتهم وبأنه ليس أهم من توحيد صفوفها وتصويب أخطائها، مما يخفف من وطأة هذا المخاض ويعجل وصول الناس إلى حقوقهم وما يتطلعون إليه!        

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة