معوقات دور العربية في تعزيز الهوية   
الأحد 1433/5/3 هـ - الموافق 25/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:20 (مكة المكرمة)، 5:20 (غرينتش)
مهدي عرار

لعل الذي ينبغي المكثُ عنده في مُفتتَح هذه المباحثة الوقوفُ على صفوةِ المستخلَص من هذا العنوانِ العريض، فالظاهر للمتدبرِ أنه يأتلف من ثلاثة أقطابٍ مؤسِّسة تدور حولها هذه المباحثة. أمّا العربية فأوّلها، وأما الهوية فثانيها، وأما المعوقات التي تحول دون سُهْمَةِ العربية في تأدية دورها فثالثها، وليس يخفى أن ثَمّ جدلا مستفيضا بين العربية والهوية، ولعل أصدقَ مِيسمٍ لذلكم الجدل بين العربية والهوية أنهما وجهان لعملةٍ واحدة يفضي أحدُهما إلى الآخر.

فاللغة عنوانُ الهوية التي هي صِبْغة فارقة، وعلامة دالة مميِّزة، وقد ارتضى الحقُّ -تقدست أسماؤه- أن تكون العربية لغة التنزيل العزيز، لِيعْقبَ هذا أن تكون خالدة سائرة في الأزمان والبلدان كالشمس في الأكوان، فبها كتابُ الله يُتلَى صباحَ مساءَ، وبها أكرمُ الرسل -صلى الله عليه وسلم- تحدّث وجهر، وبها الحقُّ تحدى أهلَ الجاهلية؛ أهلَ اللَّدَد والفصاحة والبيان والإبانة.

والحقّ أن العربية في سيرورتها المعمَّرةِ المتقادمة قد قُذِفت -وما زالتْ- بأصناف من المثالب، وأثيرت حولها أوهام وظنون، وما باعثها إلا أحد اثنين: قصورٌ في النظر وعلةٌ في الفكر، أو كذب يفترى طمسًا للحق، وطعنا على الحقيقة، فمِنْ مشكِّك في صحة ظاهرة الإعراب، إلى منادٍ بإحلال العاميةِ محل الفصحى، لينشأ معوِّق لدور العربية في الحفاظ على الهوية اسمه "الازدواجية"، ومن جائرٍ بالشكوى من نظام الكتابةِ العربي المُلْبِس، إلى مَن جنح إلى حشوِ كلماته بأخرَ أعجمياتٍ زعمًا بأنه يجد ما يقولُ في صدره ولا ينطلق لسانه.

فلا يكاد يجد المسعف إلا في كلماته المستعارة من لغة أخرى، وكأن لغته قد أُقْعِدتْ، وكأن معجمها قد ضاق فلم يجد ضالّته إلا باسترفاد كلماتٍ من لغة أخرى لينشأ بعد هذا معوِّقٌ جديد، وهو الثنائية اللغوية، والحق أن باب القول على معوقات دور العربية عريض يطول توصيفه واستشراف أبعاده ومداخله، ولكنّ أجلى ما سأعرج عليه في هذه المباحثة يسير في ثلاث شعب: أولها: المضحك المبكي، وثانيها: نتكلم ما لا نتعلم، ونتعلم ما لا نتكلم (الازدواجية). وثالثها: جدل بين غربة اللغة ولغة الغربة (الثنائية).

المضحك المبكي
كنت ذات يوم قد كتبت بحثا ذيلته بعنواني البريدي ذاكرا فيه فضل معلومات شخصية، كرقم الهاتف والجوال والناسوخ، فاسترعت تلكم الكلمة الأخيرة مسامع أخي الصغير، فأشكل عليه معناها واعتاص، فساءلني في المتعين منها، فقفز صديق ثالث في الحضرة يقول: يعني بالعربي "فاكس". وكان جوابه معبِّرا دالاّ مقنعا لأخي الصغير؛ إذ إننا في أوطاننا العربية ليس لنا عهد بهذه الآلة الصمّاء إلا بتلكم المواضعة التي فسر بها صديقي دلالة الناسوخ لأخي، وليس يخفى أنها من مواضعة أهل الغرب وابتداعِهم، والحق أنني ضحكت يومها وبكيت، وكأنّ أول من قال: "شر البلية ما يضحك" كان يرى يومي مع أخي المسترشد، وصديقي المماحك المناكف الذي رأى أن معنى الناسوخ بالعربية هو "الفاكس" وفاء لما ران عليه إلفنا في التواضع على ذلك الشيء.

نحن أمة مستهلكة تستورد الأشياء مقرونة بأسمائها، وكأنّ هذا الاستيراد يأتلف من جانبين: جانب مادي يتمثل في استيراد ذات الشيء، وجانب لغوي يتمثل تلقائيا وعفويا في استيراد اسم الشيء
وبعد كثير من التدبر والتأمل في تلكم الحادثة استشرفت بُعدا جديدا في درس هذه القضية "المضحك المبكي"، وهو البعد الحضاري؛ ذلك أننا أمة مستهلكة تستورد الأشياء مقرونة بأسمائها، وكأنّ هذا الاستيراد يأتلف من جانبين: جانب مادي يتمثل في استيراد ذات الشيء، وجانب لغوي يتمثل تلقائيا وعفويا في استيراد اسم الشيء، ثم يشيع هذا الاسم شيوع هذا الشيء المستورد في بيوتنا وثقافتنا وفكرنا، ولعل الأمثلةَ، بل المُثُلَ على ذلك متكاثرة، والأثر بها مستفيض، فمن ذلك "الكمبيوتر"، و"التلفزيون" و"الراديو" و "الإنترنت" و…..، ولعل خير مثال مُبِين عما أنا خائض فيه قصتي مع الناسوخ المتقدم بيانها.

والحق أن هذا المضحك المبكي قد يكون من معوقات دور العربية في تعزيز الهوية؛ إذ إن شيوع كثير من أسماء أشياء الغرب المستوردة قد يؤثر في بنية اللغة وأصالتها وتفردها، فتظهر وكأنها هجينٌ.

ومن وجهة أخرى، فاللغة تقوى بقوة أهلها وريادتهم وفرادتهم، وتضعف بضعفهم، فرحم الله زمانا وعت العربية علوم الأمم الأخرى وآدابها وثقافاتها كالفارسية والهندية واليونانية، فترجمت أسفار وأسفار إلى العربية، وليس ينسى في هذا المقام التجربة السورية الناجحة في تعريب العلوم عامة، وتدريسهم الطب في جامعاتهم خاصة. 

الازدواجية
ولعل من معوقات دور العربية في تعزيز الذات الازدواجيةَ اللغوية التي نحياها، والمفارقة العجيبة أننا نتكلم ما لا نتعلم، ونتعلم ما لا نتكلم، فلغتنا الأم هي العامية المكتسبة، والعامية في وطننا عاميات تتباين في وجوهها اللغوية المتباينة، ومن القواعد المقررة في علم اللسان الحديث أن ابن اللغة الأم "المكتسبة" لا يخطئ في لغته البتة، وهذا يظهر بجلاء في عامياتنا، فمن ذا الذي يخطئ في عاميته!!!. أما الفصحى فهي اللغة المتعلَّمة، وثمّ فرق بين ما هو مكتسب ومتعلم، ومن هنا تتخلق الازدواجية التي هي حالة لغوية تتمثل في وجود لهجات محكية إلى جانب مستوى رفيع تنحرف عنه بدرجات ومقادير.

واللافت للخاطر أن ثم بواعث تعزز هذه العاميات كالتعليم في مراحله المتباينة، فالمعلم إن مدرسيا، وإن جامعيا، لا يلزم نفسه بالعربية إلا من رحم ربي، وقليل قليل ما هم، والعجب العجاب أننا نجد أن كثيرا ممن يتصدرون لتدريس العلوم اللغوية أو الشرعية يفيء إلى ذلكم المستوى العامي المكتسب، ومما يزيد الطين بلة أن كثيرا من المدارس الخاصة تؤْثِر لغات أخرى في التدريس، وتنزع إلى كتابة رسائلها ومذكراتها الداخلية بلغة أجنبية يكثر أن تكون الإنجليزية، وتقيم على العاميات مطرحة العربية. إخال أن في هذا الصنيع مسخا للهوية وتنكرا.

وقد أشار بعض الباحثين واللغويين إلى أن من أسباب شيوع العامية والدعوة إليها تلك "الحرب التي شنها الاستعمار على اللغة العربية الفصيحة، وسعيه الدائم لإحلال العاميات محلها، كلغات بديلة للتفاهم والكتابة، فإن الاستعمار لم يكتف بالسعي لتمزيق وحدة الأمة الإسلامية والعربية بردها إلى جاهليتها الأولى كالفرعونية في مصر، والفينيقية في الشام والآشورية في العراق… بل سعى إلى تمزيق وحدتها الفكرية واللغوية بتشجيع دراسة العاميات لتقوم بديلا عن الفصيحة، وبالدعوة إلى كتابة اللغة العربية الفصيحة وعامها بالحرف اللاتيني".

الحرب التي شنها الاستعمار على اللغة العربية الفصيحة، وسعيه الدائم لإحلال العاميات محلها كلغات بديلة للتفاهم والكتابة، من أهم أسباب شيوع العامية

وليس يفوتنا في هذا المقام دعوة هدامة مستقبحة تمس العربية وأهلها، وممن صدع بهذه الدعوة جهارا المستشرق الإنجليزي وليام ولكوكس، فقد دعا إلى نشر العامية وهجر الفصحى. يقول: "يسهل علينا أن نرى الأثر المخدر تحدثه الألفاظ الرنانة التي لا تفهم فيها لفظة واحدة في نفس السامع، وسماع مثل هذه الألفاظ  يقتل في الذهن كل ابتكار بين أولئك الذين لا يقرؤون القرآن، كما تقتله أيضا في نفس الطالب تلك الدروس التي تلقى عليه باللغة الفصحى المصطنعة التي تبلغ الرأس دون القلب، فتمنع من يتسمون العلماء في هذه البلاد من التفكير البكر، فقد عشت في مصر أربعين سنة، فلم أجد فيها مصريا واحدا يفكر فيها تفكيرا حرا، فإن قوة المصريين الذهنية يستنفدها على الدوام جهدهم في أن يترجموا ما يقرؤونه باللغة الفصيحة إلى اللغة المصرية المألوفة...".

ثم شايعه نفر من أبناء جلدتنا من مثل سلامة موسى وعيسى معلوف الذي كان عضوا في المجمع اللغوي، ومن مثله عبد العزيز فهمي، وقد وقف وجه هذه الدعوة الباطلة البين عورها محمود شاكر وقفات طويلة، وقد تنبه الرئيس جمال عبد الناصر إلى ضرورة المحافظة على اللغة والقومية العربية، فكان منه قرار عام 1958 يحمل رقم 115 يحرم فيه استخدام اللغات الأجنبية في المكاتبات الرسمية وغير الرسمية، ولم يكتف بهذا، بل طبق هذا القرار الحكيم على أسماء الشركات والمنشآت والسلع والمنتجات الصناعية والزراعية والغذائية، وتجاوز القرار هذا المتقدم كله، ففرض على القطاعين العام والخاص استعمال العربية بوصفها أهم مظاهر سيادة الدولة واستقلالها وعروبتها.

الثنائية
وهكذا يتردد الواقع اللغوي المعيش بين ملحظين أولهما غربة اللغة، وثانيهما لغة الغربة، ففي القطب الأول اغترب أبناء اللغة عن لغتهم؛ لغةِ القرآن الكريم، فاغتربت عنهم لغتهم، وصار بينهم وبينها حجاب، وقد أفضى هذا الجدل بين لغة الغربة وغربة اللغة إلى ولوجهم في محظورات كثيرة، ومنها:

- إسباغ الأسماء الأعجمية على المحال التجارية والشركات الصغيرة والكبيرة والكبرى، وما كان أجلى هذه الظاهرة في أيامنا هذه!!! فصرنا نسمع بـ Top Car ، Safe way ، Target، والمفارقة العجيبة أن بعض من يتسمح في استرفاد هذه المسميات لا يعي ما تحمله من دلالات، فمن ذلك -وهذا كثير كثير- إطلاق "سوبر ماركت" على المحل التجاري الصغير!!

- من مظاهر هذا الجدل الدعوة إلى تغريب الفصحى، وتعريب العامية لتقوم مقام الفصحى، وأنى يكون ذاك؟

وعلى صعيد غربي، أقام باحث أطروحة درسه على "استعمال العربية في المجالات العلمية" في جامعة إنديانا في أميركيا، وقد كان مضمار المعالجة الرئيس "صلاحية العربية أداة للتعليم في العلوم"، وقد خلص في استباناته إلى:
- أن لا خلاف في ثراء العربية وقدرتها لكونها وسيلة تعليم.

- وأنه لا خلاف في أن استخدام اللغات الأجنبية يعد عائقا عنيدا أمام بعض الطلاب، بل يفضي في كثير من الأحيان إلى عزوفهم عن الدراسة.

- وأن مشكلة التعريب ضرورة ليس ثم بد من حلها بالفيء إلى جهد مشترك متعاون بين بلاد العرب كلها.

- وأنه لا ضير من تدريس لغة أو لغتين أجنبيتين.

لا بد من العمل والسعي والتشمير عن السواعد، لأن الحفاظ على العربية مطلب يعض عليه بالنواجذ، فهي شارة الغلبة، وهوية الذات، وصورة ثقافة الأمة

- وأن رغبة تكاد تكون إجماعا يلتقي عليه الأساتذة والطلاب، وهم قطبا المعادلة الجامعية، في استعمال العربية لغة لتدريس العلوم.

قد يكون من المستهجن حقا أن أقول -بعد الذي تقدم- إنني لا أخشى على العربية، فمن أصدق من الله قيلا؟ وهو القائل: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، ومعنى حفظ القرآن الكريم أن العربية في حفظ الله ورعايته، ذلك أنها لغته، بها نزل، وبها قرئ، وبها سيظل يقرأ حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن، ليس يعني هذا أن نتراخى، أو أن يكون حالنا كحال من يركن إلى الحتمية التاريخية؛ إذ لا بد من العمل والسعي والتشمير عن السواعد، ذلك أن الحفاظ على العربية مطلب يعض عليه بالنواجذ، فهي شارة الغلبة، وهوية الذات، وصورة ثقافة الأمة.

والمفارقة التي تنقدح في الذهن الآن أن كثيرا من الناس من غير العرب أفرادا ومؤسسات يرمون إلى النهوض بلغاتهم، والاعتزاز بها، كتحول تركيا عن الحرف العربي والعربية، وكتغيير في كتابة الأميركية على نحو تصور فيه المنطوق عقب استقلالها، ليكون هذا من بعد صورة من صور التميز والاستقلال الذاتي والسياسي عن بريطانيا، وليس ينسى تحريم التخاطب بالعربية إبان احتلال فرنسا للمغرب العربي، فقد كان ذلك كله محاولة لطمس الهوية العربية والإسلامية المجيدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة