حماس وإسرائيل.. هل يقبلان التفاوض المباشر؟   
السبت 18/12/1435 هـ - الموافق 11/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:38 (مكة المكرمة)، 10:38 (غرينتش)
حمزة إسماعيل أبو شنب


سياق التفاوض المباشر
حوار بقوة المحتل
تجربة شاليط

تكررت الأحاديث في الساحة الفلسطينية عن مبدأ التفاوض المباشر بين حماس والاحتلال الإسرائيلي، وقد أثيرت هذه القضية إبان العدوان الأخير على غزة، وتعزز الحديث عنها بتصريحات للدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.

ولم يحدّ نفي حماس إمكانية خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من الجدل الملقي بظلاله على قضية التفاوض، وتعددت الرؤى تجاهها، فاعتُبرت نضجا سياسيا لحماس وإن خانها التوقيت، وهوجمت بشدة من آخرين يعتبرون أن المفاوضات هي شأن الرئيس عباس وخيار حركة فتح، فيما اعتبرها البعض بالونا سياسيا وُقَت لتحريك العلاقات الفلسطينية الفلسطينية. ربما لامست عواطف الغزيين لغياب الدور الحقيقي لحكومة التوافق وقد تكون خرجت من واقع أزمة آنية لا تحمل في ثناياها تحولا استراتيجيا.

سياق التفاوض المباشر

ساهمت ضبابية المشهد السياسي الفلسطيني وغياب الرؤية الموحدة تجاه التعاطي مع العدوان على غزة، وتعاطي القاهرة مع القطاع، في ارتفاع الأصوات المنادية بضرورة التفاوض المباشر بين المقاومة والاحتلال
ساهمت ضبابية المشهد السياسي الفلسطيني وغياب الرؤية الموحدة تجاه التعاطي مع العدوان على قطاع غزة، وما أحدثه طرح المبادرة المصرية ورفض المقاومة لبنودها وما تلاها من إدارة لمفاوضات القاهرة عبر الوفد الموحد، في ارتفاع الأصوات المنادية بضرورة التفاوض المباشر بين المقاومة وعلى رأسها حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي.

وتم تعليل ذلك بأحقية المقاومة في طرح مطالبها وقيادة حواراتها مع المحتل بشكل مباشر، استحضارا لتجربة الزعيم الليبي عمر المختار مع المحتل الإيطالي, وانعكاسا لحالة الفوضى السياسية الناتجة عن عدم تطبيق اتفاق المصالحة في أبريل/نيسان الماضي، وما تبعه من غياب واضح لحكومة التوافق في قطاع غزة، وتقصيرها غير المبرر في ظل العدوان الأخير.

أصوات علت من واقع عاطفي وغضب شعبي لا يحمل في ثناياه تطورا فكريا بقدر ما هو نتاج مرحلي عكسه الواقع الذي مر به قطاع غزة دون دراسة أبعاد خطوة المفاوضات.

حوار بقوة المحتل
تعددت التجارب بين حماس والاحتلال في التفاوض قبل قيام السلطة الفلسطينية، فشملت الحوارات قيادات داخل السجن وخارجه، جاءت نتاجا طبيعيا لواقع الاحتلال، فتراخيص المؤسسات والنقابات احتاجت مقابلة ضباط الاحتلال, لم تنفرد حماس بهذا الواقع، فالكل الفلسطيني تعامل وتفاوض مع الاحتلال وانتقلت التجارب إلى السجون، ففاوض السجين سجانيه، وطرحت خلال اللقاءات قضايا تمس الحياة اليومية للمعتقلين، لكن هناك تجربتان تحملان بعض الأبعاد السياسية في عمليات التفاوض تلك:

أولى هاتين التجربتين هي لقاء جمع الدكتور محمود الزهار القيادي في حركة حماس مع شمعون بيريز في الثمانينيات وقد أُحضر الزهار إلى الاجتماع مرغما، وطرح فيه مسألة إيجاد حل في الضفة الغربية وقطاع غزة، أما التجربة الثانية داخل المعتقلات فتزامنت مع توقيع اتفاق أوسلو وجمعت بين إدارة السجون وقيادات من حماس، تتعلق بتوقيع أسرى من حماس على نبذ العنف واحترام اتفاقيات السلام مقابل الخروج من المعتقل.

لقاءات عديدة عُقدت على نحو مشابه، دون مضمون سياسي لا تبنى عليها رؤية بعيدة المدى، فهي تجارب أُجبرت عليها حماس وغيرها من الفصائل وعامة المواطنين بحكم قوة الاحتلال على الأرض.

تجربة شاليط
حراك صفقة شاليط الجدي كان نتاجا لحوارات مباشرة بين غازي حمد وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية وجرشون باسكين صحفي إسرائيلي مقرب من نتنياهو -رئيس الوزراء الإسرائيلي- سرعان ما اصطدمت بمواقف القيادة العسكرية لحماس والتي حملت حمد عددا كبيرا من الرسائل، لخُصت بأن لا حوار مباشر مع إسرائيل، واستكملت المفاوضات في القاهرة عبر الوسيط المصري بعد فشل الوسيط الألماني في إتمام الصفقة.

وعلى الرغم من أن قناة "حمد باسكين" لم تتوقف على أكثر من صعيد، فإنها بقيت محدودة التأثير كونها علاقة صحفية لا يمكن لها أن تشكل اختراقا نوعيا في المفاوضات المباشرة بين حماس وإسرائيل.

صفقة شاليط تقودنا إلى تعزيز الرؤية نحو رفض حماس المفاوضات المباشرة، فإن كان الهدف إنجازا للملفات فالصفقة حققت ما تصبو إليه المقاومة. قد تكون العلاقات ما بين حماس والوسيط المصري تلعب دورا أكثر تأثيرا على مجريات الأحداث، لكن التجربة المتراكمة منذ 2003 حتى هذه اللحظة تقودنا نحو نتيجة واحدة وهي: أن بالإمكان تحقيق ما ترنو إليه المقاومة بالوسطاء دون اللجوء لحوار مباشر.

التفاوض المباشر مع الاحتلال يعنى الاعتراف بوجوده، والحالة الفلسطينية مغايرة للتجارب التاريخية التي تذكر في هذا السياق، لأن المشكلة الأساسية بين حماس والاحتلال هي مشكلة وجود، يبني كل منهما مشروعه الوجودي على إنهاء الآخر
ولكن لماذا لا تقبل حماس المفاوضات المباشرة؟
ثمة عوائق تفرض على حماس جمودا وتصلبا تجاه المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، راكمتها مواقف حماس الرافضة لمفاوضات منظمة التحرير مع إسرائيل، يمكن عكسها في:

1- التفاوض المباشر مع الاحتلال يعنى الاعتراف بوجوده، فالحالة الفلسطينية مغايرة للتجارب التاريخية التي تذكر في هذا السياق، والمشكلة الأساسية بين حماس والاحتلال هي مشكلة وجود، يبني كل منهما مشروعه الوجودي على إنهاء الآخر.

2- تجربة منظمة التحرير مع الاحتلال، المتدحرجة والمساهمة في حصول إسرائيل على متطلباتها الأمنية وتوسعها الاستيطاني، عززتها وثيقة الاعتراف المتبادل بينهما فاعترفت المنظمة بوجود إسرائيل على 78% من أراضي فلسطين التاريخية، مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير دون تحديد حدود وجغرافيا لها.

3- الصورة النمطية والذهنية المرسومة في مخيلة الشعب الفلسطيني والعربي عن عبثية المفاوضات وفقدانه الثقة بالمفاوض الفلسطيني.

4- الخطاب الجماهيري والتعبوي بحرمة المفاوضات وتخوين نتائجها كالتنسيق الأمني، دون التواصل مع القاعدة وشرح السبب وراء هذه الحكم، يحد من قدرة حماس على المناورة السياسية.
عوائق تعقد مهمة أي فريق يدفع باتجاه المفاوضات المباشرة، وتؤكد أن أي تحول نوعي يحتاج إلى جهد لتغيير الأداء المنبري والنهج السياسي.

وبالإضافة إلى التساؤل بشأن قبول أو رفض حماس التفاوض المباشر، يثور التساؤل ذاته أيضا على مستوى الجبهة الإسرائيلية.

فقد انتزعت إسرائيل اعترافا بوجودها بعد أن فرضته بالقوة العسكرية والدعم الدولي، وخوضها حروبا مضنية انتصرت فيها على العرب، فوقعت ثلاث معاهدات سلام، مع مصر عام 1979، ومع منظمة التحرير عام 1993، ومع الأردن 1994، وحصلت على اعتراف ضمني بعد طرح المبادرة العربية للسلام عام 2002.

هذه المعطيات المطروحة تفسر الرفض الإسرائيلي لأية مفاوضات مباشرة، فتجربتها مع حماس تنم عن مقاومة متصاعدة تطور من قدراتها وإمكاناتها العسكرية بعد كل ضربة تتلقاها، فلم تفلح الاعتقالات والاغتيالات والحروب الثلاثة في تغيير الفكر المقاوم لها، لذا فأية جولة من المفاوضات المباشرة لن تسعى لها إسرائيل دون تحقيق ما تطمح إليه في الحصول على اعتراف من الإسلاميين العرب.

كما أن ثمة قناعة لدى إسرائيل بأن حماس لم تغير من نهجها في التعبئة الجماهيرية ضد إسرائيل، فالمنهج التربوي لحماس لم يطرأ عليه أي اختلاف منذ تأسيسها كما أن شعاراتها بقيت ثابتة، والبعد العقائدي للصراع من أهم مرتكزاتها التربوية، ورغم المرونة السياسية التي تظهرها في بعض الأحيان كطرح الشيخ أحمد ياسين هدنة لعشر سنوات عام 1998، فإن ذلك لم يغير من خطابها المعادي لإسرائيل.

تغيير المواقف الإسرائيلية تجاه حماس يتطلب -بالنسبة لإسرائيل- أمرين:

الأول: تغيير جوهري يطرأ على التربية داخل صفوف حماس يصنع جيلا يؤمن بحق إسرائيل في الوجود. والثاني: اختلاف موازين القوى بما يضمن للمقاومة تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض تتخطى حدود قطاع غزة، يجبر إسرائيل على الجلوس مع حماس على طاولة واحدة. وما دون ذلك ستبقى إسرائيل ترفض المفاوضات المباشرة مع حماس، وإن جرت بعض المحاولات تبقى في إطار غير رسمي لأنها تعتبر حماس حركة إرهابية.

تجربة عمر المختار مع الإيطاليين مختلفة، فالرجل لم تكن لديه مشكلة مع الإيطاليين أو مع الدولة الإيطالية في حدودها الجغرافية، كما أن ثوار فيتنام فاوضوا الأميركيين في فرنسا، وأميركا تمتلك دولة ذات سيادة خارج فيتنام
وفي الخلاصة فإن تجربة عمر المختار مع الإيطاليين لم تعان مشكلة الاعتراف بإيطاليا، فلم يكن لديه مشكلة مع الإيطاليين أو مع الدولة الإيطالية في حدودها الجغرافية، كما أن ثوار فيتنام فاوضوا الأميركيين في فرنسا، وأميركا تمتلك دولة ذات سيادة خارج فيتنام. تتعدد التجارب بين المحتل والمحتلين، إلا أن الحالة الفلسطينية والعربية تمثل نموذجا غير معهود في العصر الحديث، فإسرائيل قائمة على أرض الفلسطينيين وتحتل القبلة الأولى للمسلمين، وثمة بعد وجودي وعقائدي في التعامل معها في ظل بيئة شعبية تنبذ وجودها.

وهذا المشهد بحد ذاته يكبح جماح جل من يفكر في مفاوضتها بشكل مباشر، وما حالة الحراك الآني إلا لحظة عاطفية ستتبدد عند أي موقف قد يمس بجوهر الصراع كما هو الحال مع اتفاقيات المصالحة بين فتح وحماس فكلما تعثرت نودي بالبحث عن البديل.

ربما لا توجد محاذير شرعية تمنع التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكني لا أعتقد على المدى المنظور أن يطرأ تغير على نهج حماس السياسي تجاه إسرائيل، وما التصريحات الراهنة إلا بالونات سياسية تطلق نحو الساحة الداخلية، ولا يرتبط النضج السياسي بقبول المفاوضات المباشرة ما دام بالإمكان توفر الوسيط المرضي للطرفيين.

ومع تحسن العلاقات ما بين مصر وحماس ستقوى جبهة الرفض للمفاوضات المباشرة ما دامت غير المباشرة تحقق أهدافها, هذا لا يعني أن لا نقاش داخل أروقة حماس لفكرة المفاوضات المباشرة، ولكن باعتقادي أنها لن تلقى قبولا واسعا في ظل تجارب سابقة.

ورغم أن المفاوضات تتم بين الأعداء فإن إسرائيل تنتهج أسلوب المماطلة حتى تكسر حاجز العداء بينها وبين مفاوضيها، لذلك فالمطلوب من حماس تحسين علاقاتها مع محيطها الذي يدعمها ويمكن أن يساهم في صمود مقاومتها وتطويرها مع الاستفادة من الطاقات الفلسطينية في الخارج حتى تكون عمودا يرتكز عليه في مشروع التحرير.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة