القوات الأفريقية في الصومال.. حل أم تأزيم؟   
الاثنين 1430/8/5 هـ - الموافق 27/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:47 (مكة المكرمة)، 9:47 (غرينتش)
حسن محمد إبراهيم


- دور إثيوبيا والوضع القانوني

- الأهداف المعلنة
- ماذا أصلحت القوات الأفريقية وماذا أفسدت؟

مضى أكثر من عامين على وصول أول دفعة من قوات حفظ السلام الأفريقية إلى مطار مقديشو، وكان قرار إرسال قوات أفريقية إلى الصومال قد صدر في بدايته من منظمة الإيغاد الإقليمية التي تضم كلا من الدول المجاورة للصومال إضافة إلى إريتريا والسودان وأوغندا.

وكان ذلك قبل استيلاء المحاكم الإسلامية على معظم المناطق الجنوبية في الصومال. وكان التأثير الإثيوبي على هذا القرار واضحا، لأن إثيوبيا كانت المتضرر الأول -في نظرها- من انتشار نفوذ المحاكم الإسلامية في مناطق أوسع من الصومال.

"
قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال تتلقى دعمها من أميركا والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى دول أخرى لم يسمها، مما يعني أن خدمة القوات الأفريقية مدفوعة الأجر، ولا تعاني من صعوبات مالية
"
دور إثيوبيا والوضع القانوني

بذلت إثيوبيا بعد ذلك جهودا دبلوماسية مضنية في هذا الخصوص، وأرسل رئيس الوزراء الإثيوبي رسائل وبعثات دبلوماسية إلى نظرائه في أفريقيا، كما قام وزير الخارجية الإثيوبي برحلات مكوكية إلى معظم العواصم العربية، لتسويق إرسال قوات دولية إلى الصومال.

ثم استضافت أديس أبابا اجتماعا لتجمع صنعاء في الثامن عشر من يناير/كانون الثاني 2007 بعد اجتياحها للصومال، وتناول الاجتماع ملف إرسال قوات أجنبية إلى الصومال، ثم التأم بعد هذا التاريخ بأسبوع تقريبا، في مدينة سرت بليبيا اجتماع للاتحاد الأفريقي، وكان موضوع القوات الأجنبية من الأجندات التي تطرق إليها.

ثم انعقد في أديس أبابا في الثاني عشر من فبراير/شباط 2007 اجتماع لمجلس الأمن الأفريقي، وقرر فيه إرسال قوة أفريقية قوامها ثمانية آلاف جندي إلى الصومال، واستثنى القرار دول الجوار من المشاركة في هذه القوة.

ثم صادق مجلس الأمن في الأمم المتحدة على قرار الاتحاد الأفريقي، وأصدر في ذلك قرارا حمل الرقم 1744، وخول القرار الاتحاد الأفريقي صلاحية إرسال قوات أفريقية إلى الصومال، في مهمة حددها بستة أشهر. كما سمح القرار للقوات الأفريقية باستخدام كافة الوسائل بما في ذلك القوة.

ثم وصلت طلائع القوة الأفريقية إلى مطار مقديشو بالفعل في السادس من مارس/آذار 2007 أي بعد قرار مجلس الأمن بأقل من أربعة أسابيع.

وتقدر القوات الأفريقية الموجودة في مقديشو اليوم بحوالي خمسة آلاف جندي أغلبهم من أوغندا والباقي من بوروندي. وكانت دول مثل نيجيريا وغانا وملاوي قد وعدت بإرسال جنود إلى الصومال لتنضم إلى قوات الاتحاد الأفريقي، بيد أن شيئا من ذلك لم يتحقق بعد.

وكان مجلس الأمن قد اعتمد ميزانية قدرها 335 مليون دولار لتمويل القوات الأفريقية في سنة واحدة، ونص على ذلك في قراره 1725، وأكد سفير الولايات المتحدة الأميركية في كينيا في تصريح له بتاريخ 26 مارس/آذار 2009 أن قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال تتلقى دعمها من أميركا والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى دول أخرى لم يسمها، مما يعني أن خدمة القوات الأفريقية مدفوعة الأجر، ولا تعاني من صعوبات مالية.

"
لم يكن من المتوقع أن تحظى القوات الأفريقية بترحيب من المجتمع الصومالي، بل استقبلها الجميع بعين الريبة، ولم يستبشر بها أحد، لاسيما أن مجيئها قد تزامن مع وجود القوات الإثيوبية في البلد
"
الأهداف المعلنة

وصرح المسؤولون في الاتحاد الأفريقي والأسرة الدولية بأن أهداف القوات الأفريقية تنحصر في حماية مقرات الحكومة الانتقالية، والدفاع عنها إذا لزم الأمر، بيد أن مندوب الاتحاد الأفريقي لشؤون الصومال أكد في تصريح له يوم 24 مارس/آذار 2009 أن القوات الأفريقية في الصومال ستعمل على مقاومة ما سماها هجمات حركة الشباب.

هذا في حدود الأهداف المعلنة للقوة الأفريقية إلا أننا يمكن أن نستشف من القرائن المحيطة بالموضوع أن الهدف الرئيسي لهذه القوات لا يعدو أن يكون منع الإسلاميين من السيطرة على العاصمة، والانتشار منها إلى باقي المناطق الأخرى، وذلك لأن اقتراح تشكيل هذه القوة كان قبل سيطرة المحاكم على مناطق الجنوب كما أوردنا أعلاه، ولم يكن للحكومة الانتقالية يومئذ موطئ قدم في مقديشو، ولم تكن لها فيها مراكز تحتاج إلى حماية. كما لم يكن لحركة الشباب يوم ذاك وجود يستدعي أن تجيش له كل هذه الجيوش.

إضافة إلى ذلك فإن بقاء القوات الأفريقية في الصومال كان جزءا من اتفاقية جيبوتي التي وقعها جناح جيبوتي من تحالف إعادة التحرير مع الحكومة الانتقالية، كما صرح بذلك الشيخ شريف نفسه في 28 مارس/آذار 2009 بعد توليه الرئاسة مع أنه كان رافضا لوجودها قبل الاتفاقية، فكيف يقال إن القوات الأفريقية جاءت لدعمه وحماية حكومته.

ماذا أصلحت القوات الأفريقية وماذا أفسدت؟
لم يكن مجيء القوات الأفريقية برغبة من الصوماليين حكومة وشعبا، كما لم يكن بإذن منهم، وإنما كان رغبة دولية جامحة لا تستأذن أحدا. ولذلك لم يكن من المتوقع أن تحظى القوات الأفريقية بترحيب من المجتمع الصومالي، بل استقبلها الجميع بعين الريبة، ولم يستبشر بها أحد، لاسيما أن مجيئها قد تزامن مع وجود القوات الإثيوبية في البلد.

ولم يكن أحد يشك في أنها قوة احتلال. وندد زعماء عشائر هوية بالقوات الأفريقية أكثر من مرة، ووصفوهم بأنهم قتلة. كما دعت هيئة علماء الصومال في بيان لها إلى إخراج القوات الأفريقية من الصومال في ظرف زمني أقصاه 120 يوما بناء على أنها لم تأت برضا الشعب الصومالي، وأن وجودها مخالف للشريعة، ومناف لمصلحة البلد وأهله، كما جاء في بيان الهيئة.

فشلت هذه القوات في بداية الطريق في كسب الثقة فكيف تنجح في تحقيق ما هو أصعب منه مثل بث الأمن وزرع الاستقرار؟ وفيما يلي ننظر إلى ما حصدته من حصيلة:
1- فشلت هذه القوات في تحقيق ما جعلته شعارا لحملتها وهو حفظ السلام، فلم تتمكن من تأمين حي واحد من أحياء مقديشو، بل لم تتمكن من تأمين جنودها ولو في عقر مقراتهم.

2- وفشلت في تأمين الحماية اللازمة للحكومة الانتقالية التي كانت تقول إنها جاءت لنجدتها، وخسرت الحكومة الانتقالية مواقع كثيرة بما في ذلك أحياء من مقديشو دون أن تقدم لها شيئا يذكر، وقصرت جهودها على حراسة الميناء والمطار بالإضافة إلى القصر الرئاسي والطرق المؤدية إلى هذه الأماكن، علما بأن المطار والميناء يعتبران شريان الحياة لوجود هذه القوات.

"
الجهود الرامية إلى زيادة عدد القوات الأفريقية نوع من الهروب إلى الأمام، خاصة أن مشروع نشر قوات دولية في الصومال كحل للأزمة الصومالية كان قد فشل فشلا ذريعا إبان حملة إعادة الأمل التي قادتها أميركا
"
3- فشلت في القضاء على فصائل المقاومة المعارضة للحكومة، التي قيل إنها ستتصدى لهجماتها، بل تمكنت تلك الفصائل من الاستيلاء على معظم المناطق الجنوبية على مرأى ومسمع منها، كما تمكنت من محاصرة الحكومة الانتقالية في أحياء من العاصمة مقديشو.

4- حصدت آلتها الحربية أعدادا هائلة من القتلى والجرحى من المدنين العزل، واكتظت بهم مستشفيات مقديشو التي كانت تشكو في الأصل من الازدحام مع قلة الخدمات الطبية التي يسعها تقديمها، ويتساءل المتسائلون ماذا جنى أولئك الأبرياء وبأي ذنب قتلوا، ألأنهم من سكان مقديشو وحسب أم لمجرد أنهم أحياء أم ماذا؟

5- خلفت مدافعها وصواريخها دمارا هائلا في الأحياء السكنية في العاصمة، وهدمت بيوتا كثيرة على رؤوس أصحابها، كما هدمت كثيرا من البنية التحتية التي نجت من دمار الحرب الأهلية، وزرعت خرابا سيشهد عليه التاريخ ما بقي في الأرض إنسان.

6- هجر قصفها الوحشي أكثر من 200 ألف من المدنيين حسب مصادر في الأمم المتحدة، وانضم بعض أولئك النازحين إلى صفوف من سبقهم إلى افتراش الأرض والتحاف السماء في ضواحي مقديشو، كما شق بعضهم طريقه إلى المجهول أسوة بمن سبقه إلى هذا المسار، فرارا من جحيم الحمم النارية التي تقذفها فوهات مدافع القوات الأفريقية.

7- أصبحت هذه القوات عقبة كأداء في طريق المصالحة الصومالية، بحيث حالت دون تلاقي الفرقاء لأن بعض فصائل المقاومة المعارضة للحكومة اشترط إخراجها من البلد للجلوس مع الحكومة الانتقالية على مائدة الحوار، واستحال تنفيذ هذا الشرط على الحكومة الانتقالية قبل أن يمتنع على الوسطاء الذين انتصبوا للتقريب بين الحكومة وبين المعارضة مثل هيئة علماء الصومال.

ذلك بعض ما حققته القوات الأفريقية العاملة في الصومال من مكاسب، ويبدو منها أنها زادت من المعاناة، ووسعت الخرق على الراقع، وصبت الزيت على النار المشتعلة، ولا يلوح في الأفق أن أيامها القادمة ستكون أفضل من أيامها السابقة.

ولا أرى الجهود الرامية إلى زيادة عدد قواتها، والتي يسعى إليها المجتمع الدولي، إلا نوعا من الهروب إلى الأمام، لأن مشروع نشر قوات دولية في الصومال كحل للأزمة الصومالية كان قد فشل فشلا ذريعا إبان حملة إعادة الأمل التي قادتها أميركا في الفترة ما بين 1993-1995 وشاركت فيها 32 دولة، وكانت نهايتها أسوأ من بدايتها، وتركت الصومال بعد أن أهلكت الحرث والنسل، وخرجت تجر أذيال الهزيمة أمام شعب لا يملك ما يخسره، بيد أنه عصي على التطويع.

فهل آن لصانع القرار الأفريقي أن يراجع حساباته قبل أن يكون مضرب مثل في حصاد الهشيم وخيبة الأمل، وهل آن لواشنطن وحلفائها من الغرب والشرق أن يدركوا أن السلامة لا يعدلها شيء، وأن المعذبين لا يحتاجون إلى مزيد عناء، وإنما يحتاجون إلى مؤاساة جراحهم، أو تركهم لسبيلهم حتى لا يكونوا كالتي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض؟ مجرد سؤال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة