العرب وتركيا.. المهمات الملحة   
الثلاثاء 1431/10/5 هـ - الموافق 14/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)
زياد منى


يلاحظ المتابع لأحداث المنطقة وتطورات موقف تركيا من القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من أمور، ظهور عدد كبير من "الخبراء" العرب في الموضوع، وكثرة المقالات التي تحوي "مطالب" و"نصائح" عدا عن "توجيهات" للإدارة التركية بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

وقد يقول قائل إن هذا أمر طبيعي، فـ"حائط" تركيا منخفض ولا خطورة تندلع منها على الكاتب، ولذلك تجد أقلاما عربية توجه مطالب ونصائح وتوجيهات إليها بدلا من تصويبها نحو الجهة المسؤولة بالدرجة الأولى، أي الحكومات والسلطات العربية.

فالأنظمة العربية بأغلبيتها لا تتحمل سماع أي توجيهات أو نصائح أو مطالب من شعوبها، ولذلك يفضل أصحاب تلك "المطالب" و"النصائح"... إلخ تفادي الصدام معها لأنه يستجلب في معظم الأحيان كثيرا من المتاعب تتفاوت بين "قطع الأرزاق" و"قطع الأعناق".

لكن، هناك رأي "خبيث" يرى أن عدم قبول سلطات عربية أي مطالب أو نصائح سببه فقدانها أصلا لأي سلطة على نفسها وافتقارها لأي إرادة لأن سياستها بخصوص القضايا الملحة، بدءا من رغيف الخبز وانتهاء بمعركة فلسطين، تأتيها جاهزة، بل وحتى مترجمة إلى لغة عربية فصحى من واشنطن، وما عليها سوى التنفيذ.

دعنا من هذا، فهذه المسألة معروفة، وتكرارها لا يجلب سوى الملل والسأم، إضافة إلى أنه يوجه النظر بعيدا عن أمور أكثر أهمية وإلحاحا.

في مواجهة سلسلة "المطالب" و"التوجيهات" و"النصائح التي أمطرها كتاب عرب على الإدارة التركية، نقول إن واقع الأمر هو أن لتركيا الحق الأول في التقدم بمطالب إلى العرب، وعلى العرب أخذها بجدية كاملة.

"
لم تقبل الدول الأوروبية الاستعمارية مشاركة أي طرف عربي، "قوميا" كان أو "إسلاميا" إلا بعدما وقع على وثيقة تؤيد اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى وطن قومي لليهود
"
ولكن لأن سياسيي تركيا ومفكريها لا يفعلون ذلك، وحسب علمي لا في مجالس خاصة ولا علنية، أبادر أنا هنا إلى طرح ضرورة مراجعة أهل الاختصاص العرب مواقف بعض العرب تجاه العثمانيين في مطلع القرن الماضي، وإعادة النظر في تسميات أطلقت على بعض الحركات السياسية "العربية" في ذلك الوقت وفي مقدمتها ما يسمى زورا وبهتانا "الثورة العربية الكبرى".

ومنطلقنا في هذا الإطار حقيقة أن ما يسمى "النظام العربي" لا علاقة له بالعرب، لا من قريب ولا من بعيد، وأقصد بذلك أن الجماهير العربية لم يكن لها أي رأي أو دور في تشكيله.

"النظام العربي" هذا، المحبب ذكره إلى قلب بعض المسؤولين، والذي تكرره على نحو ممل الصحافة العربية، رسم ونفذ في غرف وزارات الحرب والاستعمار والخارجية الأوروبية، وشكل اغتصاب فلسطين وطرد أهلها منها بقوة السلاح حجر الزاوية ونقطة الارتكاز فيه.

ولم تقبل الدول الأوروبية الاستعمارية مشاركة أي طرف عربي، "قوميا" كان أو "إسلاميا" فيه إلا بعدما وقع على وثيقة تؤيد اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى وطن قومي لليهود، ومن قاومه من وطنيي بلاد الشام لاحقه الاستعمار وقتله.

فقد استبعد بعض قادة الثورة في سوريا إضافة إلى بعض القادة الدينيين والوطنيين في فلسطين، وثمة كتب عديدة موثقة عن الموضوع يمكن العودة إليها.

وللعلم فقد صدر مؤلف صغير في مطلع الثمانينيات يحوي ترجمات بعض وثائق الحركة الصهيونية الخاصة بالموضوع كشف عن مشاركة خفية ومستترة لبعض قادة "الحركة الوطنية العربية!" في المشروع، إما مباشرة أو على نحو غير مباشر.

ومع أن هذا المؤلف نشر مرتين في بيروت، فإن الصحافة أهملت الإشارة إليه.

نعلم أن بعض الكتاب القوميين العصبيين بكل ما في الكلمة من معنى، كثيرا ما يربطون ما يسمى "الثورة العربية الكبرى" بطموح العرب للتحرر والاستقلال والتطور الوطني والقومي المستقلين، وأن بريطانيا خانت العرب بعدما كانت وعدتهم بالاستقلال وفق تفسيرهم لمراسلات حسين -مكماهون.

ومع انحيازنا البدهي لطموحات الحرية والاستقلال، فإن المطلوب كان تقويم تلك الحركة أو الحركات من منظور ما قادت إليه، وكذلك طبيعة بعض القوى التي شاركت في قيادتها.

من حقنا أن نسأل هل كان من الصحيح الوثوق ببريطانيا، الدولة الاستعمارية الظالمة التي كانت تحتل كثيرا من بلاد العرب وتضطهدهم؟ ثم، هل كان من الصحيح توظيف الإسلام للوقوف إلى جانب الدول الاستعمارية ضد دولة إسلامية حمت ما استطاعت العرب وبلادهم قرونا طويلة.

كذلك، من الملح أيضا النظر إلى تلك "الثورة" من منظور النتائج التي أفضت إليها، أي تقسيم المشرق العربي بين الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، ثم تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، وفي المقام الأول اغتصاب فلسطين وطرد شعبها منها.

لا مجال هنا للحديث عن النيات لأننا نعرف أن الطريق إلى جهنم غالبا ما يكون مبلطا بالنيات الحسنة، لكن قولنا هذا لا يعني أن نيات غالبية قيادة "الثورة" المزعومة كانت حسنة، وأنهم كانوا يريدون فعلا استقلال العرب.

وتأكيدا لرأينا هذا نطرح سؤالا عن سبب استمرار أولئك "القادة" في تحالفهم مع بريطانيا بعدما ثبت غدرها بالعرب؟ لقد ساروا في الطريق الذي بدؤوها لأنهم كانوا في غالبيتهم زعماء محليين همهم الأول والأخير الكرسي ولا شيء غير ذلك، وأيا كان الثمن المطلوب منهم دفعه.

"
الحقيقة المرة هي أنه لم تقم أي "ثورة عربية" لا كبرى ولا صغرى ولا حتى متوسطة، وإنما تمرد محلي غدر بالجار والشقيق العثماني
"
كما نسأل لماذا استمر أبناء قائد تلك "الثورة" وبقية قادة حركات التمرد العربية المتحالفة مع الغرب الاستعماري في اللهاث وراء بريطانيا والدول الاستعمارية الأوروبية حتى بعدما "تراجعت" عن وعودها وتعهداتها، بل واعتقلت قائدها وألحقت به وبزوجه المهانات الشخصية الواحدة تلو الأخرى؟

وما يتعلق بالطبيعة الشخصية نقول ثمة وثائق عثمانية وعربية تعطي أمثلة يندى لها الجبين عن تلك العلاقة التي كانت تربط أبناء العائلة الواحدة بعضهم ببعض، مما يعكس في نهاية المطاف وبالضرورة طبيعتهم وعلاقاتهم بشعوبهم.

وثمة كتب عديدة موثقة تتحدث عن كثير من هذه الأمور وعن مدى انخراط تلك العائلة في المشروع الاستعماري الصهيوني، وسيكون من دواعي سرورنا إبلاغ الراغبين بما توافر لدينا من معلومات عنها في أي اتصال شخصي.

إن كافة المعلومات الموثقة عن "الثورة العربية الكبرى" المزعومة وغيرها من الحركات الانفصالية التي كانت تجري في جزيرة العرب بالتنسيق مع الدول الاستعمارية (هنا الولايات المتحدة الأميركية) تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها ارتبطت منذ بداياتها بالاستعمار وطموحاته وخططه لاحتلال بلادنا ونهب ثرواتنا والتحكم في مصائرنا، إضافة إلى تدمير الخلافة الإسلامية والقضاء عليها قضاء نهائيا، وهذا ما حصل فعلا.

ما سجلناه آنفا حقائق تاريخية ناتجة من دراسات أكاديمية اطلعنا عليها وساهمنا في نشرها في بلادنا وفي أوساط أهل الاختصاص بعد ترجمتها إلى العربية، وليس كلاما سياسيا وبادرة حسن نية تجاه سياسة تركيا الجديدة في المنطقة.

الحقيقة المرة هي أنه لم تقم أي "ثورة عربية" لا كبرى ولا صغرى ولا حتى متوسطة، وإنما تمرد محلي غدر بالجار والشقيق العثماني، قاده تجمع عشائري متخلف هدفه الوحيد كرسي الحكم لا أكثر، ومهما كان الثمن المطلوب.

وقد تمكن قادة هذا التمرد من كسب دعم ومساهمة قادة وطنيين من بلاد الشام، لأسباب لم نتمكن من تبيانها بسبب عدم اطلاعنا على الوثائق ذات العلاقة، وإن كنا نرجح أنها كانت حماسية لا غير، ولكن من دون التشكيك في عمق وشائجهم العربية وإخلاص بعضهم لقضية العرب الأولى والأخيرة، قضية فلسطين.

أي أنه يمكن أن نقول إن تلك الحركة قادها أتباع للاستعمار أذلاء، لا هم لهم سوى المنصب، ودليلهم الفكري الولاء للغرب، ولكن بعض الوطنيين والقوميين العرب تمكنوا من اختراقها، وبكلمات أخرى حركة استعمارية مخترقة ببعض الوطنيين والقوميين.

"
المطلوب هو إعادة النظر في التاريخ القريب، ليس استجابة لمتغيرات وإنما لإحقاق الحق، لا ترضية لهذه القوى أو تلك، وإنما تعبيرا عن التزام بالمنهج العلمي في تقويم الأمور وامتلاك شجاعة إعادة النظر في ما هو غلط ومن ثم تصويبه
"
المطلوب إذن، كما نرى، إعادة النظر في هذا التاريخ القريب، ليس استجابة لمتغيرات وإنما لإحقاق الحق، ليس ترضية لهذه القوى أو تلك، وإنما تعبيرا عن التزام بالمنهج العلمي في تقويم الأمور وامتلاك شجاعة إعادة النظر في ما هو غلط ومن ثم تصويبه.

ولتأكيد ذلك نذكر بأننا طرحنا هذا الأمر في كتابات سابقة نشرناها في مطلع القرن، أي قبل حصول هذا التغير المهم في سياسة تركيا تجاه فلسطين والعدو الصهيوني، وحتى قبل أن تظهر أي بوادر لتغير كهذا.

لقد قادت السياسة التركية الفلسطينية الجديدة إلى انفتاح جماهيري شعبي عربي ملحوظ على ذلك البلد الجار، مما يساهم في تأسيس قاعدة إنسانية صلبة بين الطرفين تكون قادرة على التصدي لتغيرات السياسة المعهودة، وتمنع أي تراجع عن المواقف الأساس.

وفي زياراتنا الأخيرة لتركيا لاحظنا ازديادا ملحوظا في عدد الزوار العرب لتلك البلاد، ولمدينة إسطنبول مقر سلاطين بني عثمان.

وتبين لنا من مشاهداتنا المباشرة، وكذلك عبر أحاديث مطولة مع أصدقاء أتراك يتولى بعضهم مواقع مهمة في الحياة السياسية والثقافية أن اهتمام الغالبية العظمى من أخواننا العرب في عاصمة الدولة العثمانية يتركز على زيارة مواقعها الدينية والتاريخية التي كثيرا ما قرأنا عنها، من جامع السلطان أحمد إلى أياصوفيا إلى السليمانية التي تحوي مقام السلطان سليمان القانوني وجامعه الذي يخضع لعملية ترميم شاملة، إلى جامع بايزيد والسلطان محمد الفاتح وسليم الأول، هذا عدا عن متحف طوب قابي الذي كان مقر آخر سلاطين بني عثمان وغيرها من معالم المدينة التاريخية.

لكن في الوقت نفسه بدأ المرء يلاحظ تسلل فئة ضالة من العرب لا يمكن وصفها بغير أنها كتلة شهوانية حيوانية منفلتة، هي نفسها التي أساءت إلى أهلها وإلى بقية أمة العرب في كثير من بلاد الله، وكرهت أهلها فينا، من جنوب شرقي آسيا إلى شبه القارة الهندية، وأساءت إلى سمعة أهلها في مصر ولبنان وسوريا والمغرب، هم بريئون مما ينسب إليهم من ممارسات لا علاقة لها بأي مستوى إنساني.

لقد كان محدثي الأتراك على جانب كبير من التحفظ، وبالتالي من التهذيب عندما طرحت مشاهداتي المفجعة عليهم وسألتهم عن ملاحظاتهم، لكنهم في نهاية المطاف تحدثوا بصريح العبارة وقالوا إنهم يخشون أن هذه الممارسات عديمة الأخلاق المتفاقمة، ستؤثر في نظرة الأتراك الإيجابية للعرب، وستؤدي في حال استمرارها إلى انفضاضهم عنا وعن قضايانا في فترة أقرب مما يظن كثير من الناس.

لذا قررت الكتابة في هذا الموضوع بسبب ما شعرت به من مهانة عندما عايشت بعض تلك الممارسات المهينة في مطاعم المدينة وفنادقها وشوارعها، وأبادر هنا إلى طرح هذا الموضوع بقوة قبل أن ينفض الجار التركي الصديق والوفي والمتسامح عنا، وقبل أن تبدأ صحافة تركية مترصدة في الحديث عن الموضوع، ثم نلقي باللوم، بغباء معهود، على الصهيونية والإمبريالية.

ثمة مهمة كبرى وجب على المتخصصين التصدي لها بقوة ومن دون أي تهاون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة