إسرائيل وسياسة الأمر الواقع   
الجمعة 1437/6/3 هـ - الموافق 11/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)
توجان فيصل


ما يجري الآن في سوريا يخدم سياسة إلهاء العالم عن الأوضاع في فلسطين, ويتيح لليمين المتطرف إفراغ حل الدولتين المتوافق عليه دوليا, بشكل كلي من معنى "الدولتين" بجعل الدولة الفلسطينية مجرد سجن كبير مزدحم, يفرّغ من نزلائه بتصعيب ظروفهم وفتح مسارب هروب منه أو حتى ترحيل قسري, بعضها لمختلف دول العالم وبعضها الأكبر للمحيط العربي وخاصة الأردن.


فإسرائيل -وعلى لسان قادتها ومنظريها- لا تخفي اعتبارها للأردن بعضا من أرض إسرائيل الكبرى، ولكنها تريدها مرحليا حديقة خلفية يلقى فيها بكل ما لا تريد إسرائيل بقاءه في بيتها وحديقتها الأمامية.

وفي هذا السياق يعكف الإسرائيليون على ترتيب ما يعتقدون أنه "ملعبهم" في المنطقة, لتحاشي الحل الآخر(حل الدولة الواحدة) لأعقد وأقدم صراع في العالم بات لزاما أن يُحل، وخاصة أن المنطقة لم تعد أميركية حصريا, بل أصبحت ميدان منافسة وتصادم مصالح بين القطبين الكبيرين في العالم الآن.

وحتما فالفارق بين الحلّين كبير. ولا أخفي ميلي لحل الدولة الواحدة لأسباب بينتها في مقالات سابقة تحت عنوان "الدولة الواحدة" نشرت في هذا الموقع. ويعتقد المؤيدون لهذا الحل أنه سيعيد فلسطين عربية ويضمن حق العودة لمن يريد، ومع توقع فشل حل الدولتين بمقدماته غير الموفقة, بتنا نشهد تأييدا نخبويا متزايدا في إسرائيل للدولة الواحدة بحقوق مواطنة متساوية للجميع. وكُتبت مقالات عديدة في الدعوة له, بل وصدرت كتب لمفكرين إستراتيجيين إسرائيليين وحتى لعسكريين سابقين, وجدت رواجا في إسرائيل بحيث صنفت بكونها الأكثر مبيعا.

يعكف الإسرائيليون على ترتيب ما يعتقدون أنه "ملعبهم" في المنطقة, لتحاشي الحل الآخر (حل الدولة الواحدة) لأعقد وأقدم صراع في العالم، وهو حل بات لازما، وخاصة في ظل حقيقة أن المنطقة لم تعد حصرية لأميركا, بل أصبحت ميدان منافسة وتصادم مصالح بين القطبين الكبيرين في العالم الآن

فحل الدولتين ضُمن في نسخ بينها اختلاف كبير, ولا يمكن المراهنة على كون "المعتدلين" في إسرائيل سيتبنون أفضلها، والمراهنة في إسرائيل هي على النسخة التي تقوم على إستراتيجية صهيونية تمهد لما تريده بخلق سلسلة مما تسميه "الأمر الواقع".

ولعل جزء من تطبيق حلقات تلك السلسة بدأ قبل قيام إسرائيل عبر اتفاقية سايكس بيكو الجهنمية وجعلها أمرا واقعا، نعم هي جهنمية لأنه حتى فرض تقسيم المنطقة لم يكن أكثر من العنوان الرئيسي لها, وفي التفاصيل أدخل الصهاينة ترتيبات في دول المحيط بما يناسب ويوفر حاضنة "أمر واقع" للمراحل التالية من تلك الإستراتيجية. وقد كُتب الكثير المتناثر عن تلك الترتيبات, وإن لم يُجمَع -حسب علمي- ما جرى في قراءة واحدة تتابع خط سيره ذاك إلا في كتابات المؤرخ الأردني الدكتور عصام السعدي الذي تخصص في "الأطماع الصهيونية".

ويلزمنا قفز ماراثوني (كون هذه مقالة وليست كتابا)عما فعلته إسرائيل بعد إقامة دولتها وعلى امتداد ربع قرن من ترتيب ما تسميه "أمرا واقعا" في كامل فلسطين ومحيطها, بما فيه حرب عام 1967 التي لم ترو قصتها بعد بصدقيّة ودقة، إذ لم ترفع السرية عن وثائقها أميركيا وإسرائيليا, بدليل ما ورد في تسريبات غير محترفة لجاك أوكونيل الذي كان مديرا أقرب "للشكلي" لمكتب السي آي أي في عمان, أوردتها في مقالتي التي عرضت فيها كتابه عبر هذا الموقع.. وأيضا بدلالة أن "هلمز" مدير السي آي أي حينها (1966-1973) والذي توفي بعد الملك حسين بفترة قصيرة, ونشرت مذكراته التي كتبها أواخر تسعينات القرن الماضي, لم يورد في مذكراته تلك عن كامل منطقة الشرق الأوسط سوى أربع صفحات لم تتضمن شيئا عن حقيقة الحرب التي غيرت حال المنطقة.

وهذا يوضح أن إسرائيل وحدها التي تملك مفاتيح الأسرار وتملك فرض التكتم عليها لحين ترى هي. والواقع أنها مهدت بتلك الحرب لما تريده مما سمي "اتفاقيات سلام" عقدتها مع العرب, هي من وضع بنودها وصاغت نصوصها.

ولهذا قسمت إسرائيل تلك النصوص لأجزاء تطلق في مراحل مختلفة بحيث تكرس الأجزاء الأولى قواعد تخدمها, وتأتي التالية لتبني عليها وتفصل فيها بما يعظم مكاسبها، فأوسلو جاءت كإعلان مبادئ, تليها اتفاقية أبو مازن - بيلين التي ضمنتها تفاصيل منها -مجرد مثال يتصل بموضوع المقال- قضية القدس, حيث تنص الاتفاقية على توسـيع حـدودها لتشـمل أبو ديـس والعيـزرية وســلوان, وتسمى هذه الأحياء "القدس" بالعربية واللاتينية, لتصبح "AL-QUDS" عاصمة للدولة الفلسطينية, بينمـا تسمى المدينة القديمة بحدودها البلدية القائمة حينها "أورشـليم" (JERUSALEM) ويُعترف بها كعاصمة أبدية لإسرائيل!

وبشأن حق عودة اللاجئين والنازحين، تنص تلك الاتفاقية على استيعابهم في دول إقامتهم الحالية، وتتكفل إسرائيل "بالتعامل ثنائيا مع الدول المعنية ومع الأطراف الدولية الراعية، وبما لا يشكل إحراجا للسلطة الفلسطينية، ويضمن في الوقت ذاته إغلاق هذا الملف ببطء بعد أن يتم تهيئة كافة الظروف التي تعطي لهؤلاء حق المواطنة حيث يقيمون."

ولدخول هؤلاء إلى أراضي السلطة الفلسطينية، فللسلطة "حق إصدار تصاريح الدخول المؤقتة لهؤلاء بغرض زيارة ذويهم المقيمين، شريطة أن لا يمنح هؤلاء حق المواطنة في حدود أرض السلطة، وإنما حق الإقامة المؤقتة المحدودة التي تُمنح للزوار من الرعايا الأجانب، ولإسرائيل حق المساءلة في أية حالة يشتبه فيها دون تحفظات"!

لأن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تعتبر دولة إن بقيت إسرائيل تحاصرها من كل جهاتها وتعيد من حين لآخر اجتياحها، كما جرى عام 2002، فإن أهم ما ينبغي التوقف عنده هو حال غور الأردن الذي يفترض أن يشكل الحدود بين الدولة الفلسطينية والأردن

ولأن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تعتبر دولة إن بقيت إسرائيل تحاصرها من كل جهاتها وبرسم إعادة اجتياح الجيش الإسرائيلي لها كما جرى عام 2002، فإن أهم ما ينبغي التوقف عنده هو حال غور الأردن الذي يفترض أن يشكل الحدود بين الدولة الفلسطينية والأردن.

فبعد إعلان أوسلو, أخرجت للعلن اتفاقية وادي عربة مع الأردن والتي تعتبر حدود الانتداب حدودا دولية معترفا بها بين الأردن وإسرائيل، ولا يُسعف الجانب الأردني تذرعه بأن ذلك أرفق بعبارة تقول "دون المساس بوضع أي أراض وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967" للقول بأن هذه الصيغة ضمنت حقوق الفلسطينيين في أرضهم، فالحقيقة هي أن هذا نص يفيد أيضا عدم المساس بوضع تلك الأراضي القائم حينها, ولو بمجرد تأييد تغييره.

ويؤكد هذا ما ورد في باب "تنمية أخدود الأردن" أي الغور, حيث جرى قفز غير مبرر لمستقبل تنمية الغور وأدخلت أميركا فيه بدل أهله الأصليين حين نصت على أنه "يولي الطرفان أهمية كبرى للتنمية المتكاملة لمنطقة أخدود وادي الأردن, ليشمل ذلك مشاريع مشتركة في المجالات الاقتصادية والبيئية والمشاريع المرتبطة بالطاقة والسياحة آخذين بعين الاعتبار الإطار المرجعي الذي تم التوصل إليه في إطار اللجنة الاقتصادية الأردنية الإسرائيلية الأميركية بهدف الوصول إلى خطة رئيسة لتنمية أخدود وادي الأردن".

فهذا نص يحول دون أن يكون للفلسطينيين أية سلطة أو حتى قول في شأن غورهم، ولكن لم تتم أية تنمية أو استثمار في الغور الشرقي حقيقة, سوى ما سمي بـ"نقل مزارعين إسرائيليين لمزارعهم في الغور الأردني" (وهو يعني حقيقة مجيء مزارعين إسرائيليين لغورنا), والذي تكشف في تقرير لإذاعة جيش الاحتلال في مارس/آذار 2014, وذلك لأن كلفة إنتاجهم في الأردن أقل من حيث تزويدهم بالمدخلات الإنتاجية وأيضا بالمياه وبالأيدي العاملة بكلفة أقل, والمناخ واحد.. ولأنه أيضا "لا توجد ضريبة على المشغلين ومؤسسات الدولة الأردنية لا تلاحقنا في الأردن"!

وكشف التقرير أن هذا الوضع ليس مستجدا بل يوجد مزارعون آخرون سبقوهم للغور الأردني، وقد قال أحدهم للإذاعة الإسرائيلية "أصدّر أغلب المنتجات إلى بريطانيا, والأردن أقرب إلي من أية قرية زراعية إسرائيلية"! ويجدر التذكير هنا بأن إسرائيل قامت ابتداء على مستوطنات زراعية, وأهم وأكبر وسيلة تهجير للفلسطينيين كانت وما زالت مصادرة أراضيهم الزراعية أو إتلاف محاصيلهم وقلع أشجارهم المعمرة.

وفي العام 2006, أعلنت إسرائيل عن إقامتها سلسلة مستوطنات زراعية على امتداد الغور المحتل، وقد يكون ما ينقل لأراضينا هو بعض هذه المستوطنات, أو امتدادا لها في ظل الحديث عن "مناخ واحد"! كما أعلنت إسرائيل أيضا أن جيشها أيضا باق في الغور!

وفيما يخص الأيدي العاملة التي يشغلها المزارعون الإسرائيليون فقد نقلت فضائية الجزيرة في ربيع عام 2012 نفي مسؤول أردني رسمي لم يرد ذكر اسمه, صحة ما أذاعته الجزيرة عن كون الحكومة الأردنية تلقت طلبا من إسرائيل يتعلق بفتح معبر جديد لتسهيل انتقال العمال الأردنيين للعمل في مزارع إسرائيلية حدودية.

ولكن صحيفة "العرب اليوم" الأردنية فندت ذلك النفي مؤكدة أن لديها نسخة من كتاب سفير الأردن في تل أبيب الذي أورد فيه نسخة من رسالة مسؤول في وزارة التعاون الدولي الإسرائيلية يعرض فيها إقامة المعبر والأهداف منه.

مشكلة المزارعين الأردنيين  تتمثل في غياب ما تحدث عنه المزارعون الإسرائيليون من فوائد، أي غياب التسويق للخارج وفي الداخل بما يضمن حقوق المزارع من الوسطاء والتجار, وارتفاع تكلفة المدخلات التي انتقل توفيرها لشركات قطاع خاص

ومن اللافت أن إسرائيل وهي تستقدم عمالة من الأردن، تكثف إخلاء منطقة الغور الغربية من سكانها الفلسطينيين, وقبل ثلاثة أشهر أنذرت أربعة أسر عربية -تعدادها كبير كونها أسرا ممتدة- بالرحيل -ولا ندري إلى أين سيُرحّلون- وقررت هدم منشآتهم.

وفي أعوام 2011 و 2012 نشرت صحف أردنية أخبارا عن اضطرار مزارعين في الغور لبيع أراضيهم والعمل كمزارعين بأجر كي يتمكنوا من سداد قروضهم الزراعية، وهذا يعني أن المشكلة قائمة قبل تفاقم وضع الحدود السورية وقبل أي تأزم للحدود العراقية.

ومشكلة مزارعينا تتمثل في غياب ما تحدث عنه المزارعون الإسرائيليون من فوائد، أي غياب التسويق للخارج وفي الداخل بما يضمن حقوق المزارع من الوسطاء والتجار, وارتفاع تكلفة المدخلات التي انتقل توفيرها لشركات قطاع خاص توقّع المزارعين على شيكات بلا رصيد، ما جعلهم مهددين بالسجن.

وقد بلغت خسائر ما لا يقل عن خمسة آلاف مزارع في الأعوام الأربعة الأخيرة ثلاثة مليارات دولار, وفي العام الزراعي 2015-2016 وحده بلغت مليار دولار.. ولا يوجد مخرج يقدم لهؤلاء سوى عرض تصدير منتجاتهم بشاحنات إسرائيلية عبر ميناء حيفا, وهو ما يرفضونه, ولا حديث عن وجهة تصدير هذه المنتجات في أوروبا وباسم من ستصدّر.. فلا علم لنا بوجود أسواق فتحت لنا.

وبالنسبة للأسواق, فمشاهدتي الحديثة للنقص في تنوع ونوعية الخضار والفاكهة في أسواق "البحرين" صيف 2015, وارتفاع أسعارها, وكون المنامة مركز تسوق لمحيطها السعودي, توحي بوجود أسواق خليجية لا تستثمر.. أما تصدير منتجات الأردن عبر ميناء حيفا, فهو من أول ما خططت إسرائيل لجعله "أمرا واقعا" بعد توقيع اتفاقية وادي عربة, مقدمة عروضا مغرية للطامعين.

وقد قاومنا هذا الأمر وأحبطناه محذرين من تمكين إسرائيل من صادراتنا ومستورداتنا الإستراتيجية مما سيمكنها من حصارنا, وليس فقط ابتزازنا بعد أن تقضي على خطوطنا الأخرى وترفع أسعارها, مؤشرين على ما كان يجري للعراق حينها.. ولهذا حذرنا أيضا من بيع ميناء العقبة, الذي لا ندري حقيقة ما آل إليه!

وكل هذا يثبت أنه ليس الفلسطينيون وحدهم المتضررون مما يجري في منطقة الغور، حيث يفترض أن تكون حدودنا مع الدولة الفلسطينية، بل ثبت تضررنا نحن الأردنيين مباشرة من عدم كون تلك الحدود مع الفلسطينيين!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة