عن حماس وسوريا وإيران وحزب الله!   
الأحد 1434/7/24 هـ - الموافق 2/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)
مؤمن بسيسو

حماس والأزمة السورية
حول إيران وحزب الله
آفاق الحل

تختزن الأزمة السورية المتصاعدة في طياتها ملفات شائكة وقضايا معقدة تتداخل تفاصيلها وتتشعب مساراتها لتنتج حالة غريبة تشترك فيها الأضداد والمتناقضات، وتبدو فيها لغة الحسم أكثر كلفة قياسا بما تحمله إمكانات التسوية وفرص الوفاق.

حماس وسوريا وإيران وحزب الله، عناصر أساسية ضمن مكونات الحالة السورية الراهنة، ولا مفر من إعادة صياغة أفق العلاقة فيما بينها توطئة لإرساء حل سياسي توافقي ينهي الجرح السوري النازف الذي أدمى قلوب أبناء الأمة جمعاء.

حماس والأزمة السورية
بدا لافتا صدور موقفين عن حركة حماس بخصوص الأزمة السورية في الآونة الأخيرة، حيث كان الأول صريحا دون أي التباس، وفيه أعلن بعض قادة الحركة مثل خالد مشعل وإسماعيل هنية انحيازهم التام للثورة السورية ووقوفهم الكامل مع مطالب الشعب السوري العادلة، في حين صدر عن بعض قادة الحركة الآخرين، مثل د. موسى أبو مرزوق ود. محمود الزهار، تصريحات تدعو إلى حل سياسي وسطي للأزمة بما يجنب الشعب والدولة في سوريا ويلات الصراع الدامي. 

ما قد يراه البعض تباينا في الرؤى والمواقف الخاصة بحماس إزاء الأزمة السورية ليس إلا شكلا من أشكال القدرة على المزاوجة بين الثوابت والمتغيرات، والتكتيك والإستراتيجية

في عالم السياسة فإن العمل التكتيكي الخالص يعني الميوعة وتسويغ الانخراط في ملاعب السياسة الموبوءة بكافة أمراض العصر، كما أن العمل الإستراتيجي البحت يعني التحجر والجمود والافتقار إلى مواكبة تطورات الحياة واحتياجات العصر. وهكذا فإن الحلّ النموذجي يكمن في اجتراح عمل سياسي مرن قابل لآليات المناورة والتكتيك، ومحصّن بالمبادئ الأصيلة والإستراتيجيات الكبرى لا غير.

وإذا ما أقررنا بأن موقف حركة حماس من الأزمة السورية الشائكة وتفاصيلها المعقدة هو موقف بالغ الدقة والحساسية بحكم احتضان النظام السوري للحركة منذ لحظة إخراجها القسري من الأردن أوائل عام 1999م وحتى خروجها الناعم من سوريا نهاية عام 2011م، فإن هذا يقودنا إلى الاعتراف بأن من الحكمة عدم ابتدار حماس لموقف قطعي من الأزمة السورية كون ذلك يشي بقطع الجسور مع النظام والاصطفاف الحاد مع قوى الثورة، وهو ما يجعل المخيمات الفلسطينية هناك عرضة للبطش والانتقام، ويضع اللاجئين المكلومين في أتون المحرقة والاقتتال.

وفي المقابل فإن التزام الصمت أو ما يسمى الحياد التام يشكل انفصاما سياسيا وأخلاقيا عن القيم والمبادئ الكبرى، وإقرارا ضمنيا بجرائم النظام بحق الشعب السوري وثورته المباركة في سبيل الحرية والكرامة الوطنية.

من هنا بدت الحاجة أشد ما تكون إلى تكامل الأدوار داخل الصف القيادي للحركة في إطار الجمع بين الإستراتيجية والتكتيك، والمزاوجة بين المناورة والمبادئ، في إطار صيغة تكاملية أملتها خطورة المرحلة وتعقيداتها الجسام.

فحين يخرج من بين صف حماس القيادي من يعلن الانحياز التام إلى ثورة الشعب السوري، فإن الحركة تنسجم حينها مع قيمها الدينية ومبادئها الأخلاقية وثوابتها الإنسانية وإستراتيجياتها الكلية التي لا تهاون في التعبير عنها والدوران معها والتزام محدداتها.

وحين يخرج –أيضا- من بين صفوف الحركة من يطلق لغة مرنة ويستخدم لهجة أكثر نعومة عبر الدعوة إلى إيجاد حل سياسي لمنع إراقة المزيد من الدماء السورية العزيزة دون أن ينكر فضل وصنيع سوريا الدولة في مضمار دعم المقاومة طيلة المرحلة الماضية، فإن الحركة تمارس حينها التكتيك السياسي المحسوب الذي تقتضيه ضرورات المرحلة وتعقيدات الأحداث.

باختصار، فإن ما قد يراه البعض تباينا في الرؤى والمواقف الخاصة بحماس إزاء الأزمة السورية ليس إلا شكلا من أشكال القدرة على التعاطي مع المساحات السياسية المتاحة برسم المزاوجة بين الثوابت والمتغيرات، والتكتيك والإستراتيجية، واجتياز حقول الألغام ومناطق الرمال المتحركة بأقل الخسائر الممكنة.

وعليه، ليس صعبا إنتاج مواقف سياسية متوازنة تتماهى مع المصالح والمكاسب المرحلية دون المساس بالمبادئ والإستراتيجيات الأصيلة، بما يُبقي على شعرة معاوية ولا يحرق السفن مع النظام، فالمبادئ ضرورة وللسياسة أحكام، والذكيّ من يُحسن تخليق المواقف في ضوئهما بأفضل الصيغ وأقل الخسائر. 

حول إيران وحزب الله
ابتداء، ينبغي الإقرار بدور حزب الله وإيران في مواجهة كيان الاحتلال، والاعتراف بأن الكثير من العتاد العسكري الذي تم استخدامه في مقاومة الاحتلال، وخصوصا في الحرب الأخيرة نهاية عام 2012م، ذو ماركة إيرانية بحتة، ناهيك عن الخدمات الفنية التي تولت إيران تقديمها وتزويد المقاومة الفلسطينية بها طيلة المرحلة الماضية.

واقع الحال أن المعادلة الخاصة بإيران وحزب الله بالغة التعقيد، فهي تتشكل من أخلاط من العمل الثوري ضد إسرائيل الذي يعكر صفوه العمل الطائفي والاصطفاف المذموم إلى جوار النظام السوري الدموي، الذي يقترف المجازر ويسفك الدماء بدم بارد ضد الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء ليل نهار.

إن الحقيقة الأهم أن العمل الثوري المقاوم ضد إسرائيل، وامتلاك إرادة القتال ضد طغيانها في الأرض حتى النهاية، عملة نادرة هذه الأيام، ويجدر الحفاظ عليها ودعم آفاق استمرارها وتطوير آليات عملها دون كلل أو تقصير.

قد يكون سيناريو التوافق والوفاق الأكثر نجاعة وجدوى لحل الأزمة السورية، ولا مناص من الدفع باتجاه بلورة جهد عربي وإسلامي واسع يضمن إرساء مقاربة سياسية جديدة مقبولة تنهي الجرح المفتوح في سوريا

في ذات الوقت فإن توفير الغطاء السياسي والدعم العسكري لنظام استبدادي دموي، أيا كانت حسناته في مجال دعم واحتضان المقاومة، يشكل خطيئة كبرى لا تغتفر بأي حال من الأحوال، وصدمة قيمية ذات آثار عميقة وارتدادات عنيفة على مجمل المحيط السياسي، والدائرة الثورية والإسلامية على وجه الخصوص.

في حالة إيران وحزب الله التي تشكل نموذجا متقدما في مواجهة المشروع الصهيوني لا مجال للتضاد أو الافتراق التام، فلا معنى لذلك إلا ترك الطرفين يغرقان أكثر فأكثر في أوحال الأزمة السورية، ويذهبان بالآمال المعلقة على وحدة الأمة في وجه الكيان الصهيوني ومشاريعه العنصرية ومخططاته العدوانية.

من هنا فإن إعادة ضبط بوصلة إيران وحزب الله فيما يخص الأزمة السورية ممكنة وغير مستحيلة، ولن يتأتى ذلك إلا عبر استحداث مقاربة سياسية جديدة توقف شلالات الدماء السورية النازفة، وترسي حلا سياسيا يضمن إعادة هيكلة النظام والسلطة في سوريا بما يلبي كرامة وحقوق الشعب السوري، ويحافظ على دوره السياسي والإقليمي في مواجهة إسرائيل والهيمنة الأميركية على المنطقة.

لا شك أن أمواج النقمة والغضب على موقف إيران وحزب الله بخصوص الموضوع السوري عاتية للغاية، إلا أن مصلحة القضية الفلسطينية ووحدة الأمة العربية والإسلامية، تقتضي التعالي على الجراح والبحث عن أفضل الصيغ لتجاوز المحنة الراهنة التي توشك أن تطيح بالمقدرات الإستراتيجية للأمة، وتضع عناصر قوتها الأساسية تحت مقصلة الاصطفاف الحزبي والهوى الطائفي.

ينبغي أن نقر بأن سيناريو الافتراق عن إيران وحزب الله ليس حلا، فنحن بحاجة إلى كل جهد ضارب في وجه المشروع الصهيوني من جهة، فضلا عن حاجتنا إلى حماية الأمة وكياناتها من مشاريع التفتيت والتفسيخ والتقسيم من جهة أخرى.

قد يكون سيناريو التوافق والوفاق الأكثر نجاعة وجدوى لحل الأزمة السورية، ولا مناص من الدفع باتجاه بلورة جهد عربي وإسلامي واسع يضمن إرساء مقاربة سياسية جديدة مقبولة تنهي الجرح المفتوح في سوريا، وتضمن إبعادها عن يد التدخلات الخارجية الخطيرة التي تبغي سحق مقومات قوتها واستقرارها وتدمير حاضرها ومستقبلها. 

آفاق الحل
باختصار، فإن أي مقاربة لاعتماد صيغة للحل أو رؤية لتسوية الأزمة السورية ينبغي أن ترتكز على قاعدة الحرص الأكيد على الوقف العاجل لشلالات الدماء السورية النازفة، والإسراع بوقف المجازر المفجعة التي تزهق فيها أرواح الأبرياء دون رحمة.

يبدو عنصر الوقت بالغ الأهمية في مضمار طرح أي مقاربة للحل، فهذه الدماء الغالية المهراقة التي تسفك على رؤوس الأشهاد، ويتم توثيقها في مشاهد مجلجلة تتفطر لها القلوب ويندى لها جبين الإنسانية، أمانة بالغة ومسؤولية عظمى في رقبة الجميع دون استثناء، وسيبوء كل من يعطل حل الأزمة السورية ويساهم في تأجيجها وإطالة أمد آلامها ومعاناتها بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

لكل ثورة سمتها وخصوصياتها، ولكل أزمة ظروفها ومعطياتها، وها هنا فإن المعطيات الخاصة بالأزمة السورية تؤكد أن الأوضاع تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، وليس من مصلحة أحد، باستثناء إسرائيل والإدارة الأميركية والدول الغربية، استمرار مفاعيلها وتواصل نزف الدماء فيها، مما يقتضي ضرورة توفير كل الأجواء والمناخات لإنجاح جهود حل الأزمة باتجاه تكريس صيغة سياسية مقبولة تلبي مطالب الشعب السوري المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة الوطنية.

إن تفحّص معطيات وتضاريس الأزمة السورية يؤشر على توفر أرضية الحل على أساس إقليمي دولي، وإمكانية بلوغ تسوية مرضية للجرح السوري المفتوح، بما يحقن الدماء السورية، ويكبح آلة القتل والدمار المجنونة التي تطحن عظام الأطفال والنساء والشيوخ دون انقطاع، ويقي سوريا من مخططات التقسيم والتفتيت والتجزئة التي لا تسعد سوى إسرائيل وأعداء الأمة.

ولن نبالغ إذا قلنا إن مؤتمر جنيف 2 المزمع عقده شهر يونيو/حزيران الحالي للبحث في سبل وآليات حل الأزمة السورية برعاية إقليمية ودولية، وبمشاركة النظام والمعارضة السورية، والأطراف المؤثرة في الأزمة، وخصوصا إيران وروسيا اللتين تشكلان مربط الفرس في دعم النظام وحل الأزمة، يشكل فرصة كبيرة لطيّ ملف الأزمة، والتفرغ لمداواة الجراح وإعمار البلد المنكوب، وإعادة صياغة وترتيب البيت السوري الداخلي ومؤسساته السياسية والأمنية على أسس توافقية جديدة.

بين يدي مؤتمر جنيف 2 يتداول الوسط السياسي المختص بالأزمة السورية خطة تركية سيتم طرحها على المؤتمر، وتنص على جملة مقترحات من بينها تشكيل حكومة انتقالية مشتركة، ومن المنتظر أن يتم تسويقها عبر رئيس الوزراء التركي أردوغان من خلال جولة على العواصم المؤثرة قريبا، في ذات الوقت الذي قدم فيه رئيس ائتلاف المعارضة المستقيل معاذ الخطيب خريطة طريق تنص على إقامة نظام سياسي ديمقراطي ينبني على انخراط جدي في عملية سياسية حقيقية تبدأ بسحب الجيش النظامي إلى ثكناته، وإطلاق سراح كل المعتقلين، وفتح الأبواب أمام دخول المساعدات إلى كل المناطق السورية من دون استثناء، والسماح بالتظاهر السلمي، والبدء بعودة اللاجئين والمهجرين السوريين.

وعلى أية حال فإن إعادة الأمن والسلام إلى الشعب السوري الأصيل والربوع السورية العزيزة، ودوام استمرار سوريا في لعب دورها الإقليمي المشرف في وجه الكيان الصهيوني البغيض ومخططاته العدوانية في المنطقة، ومواجهة الأصابع الخارجية العابثة التي تستهدف تدمير سوريا ومقدراتها الإستراتيجية، تشكل كلمة السر وراء أي صيغة توافقية لحل الأزمة السورية وتداعياتها الخطيرة التي تمس الأمة جمعاء.

ومع ذلك فلا أحد إلا الله يمكن أن يتنبأ بمآلات الأحداث المفجعة في سوريا، فكل السيناريوهات تبدو مفتوحة على مصاريعها، ولا ثابت هناك سوى الدم العزيز المهراق الذي ينزف بغزارة بعيدا عن قيم الرحمة ومعاني الإنسانية.

كل السيناريوهات في سوريا تبدو مفتوحة على مصاريعها، ولا ثابت هناك سوى الدم العزيز المهراق الذي ينزف بغزارة بعيدا عن قيم الرحمة ومعاني الإنسانية

ولعل أخطر السيناريوهات المطروحة تلك التي تتعلق بتوسع الأزمة وامتدادها إلى خارج الأرض السورية، وخصوصا إلى لبنان، ذلك البلد المضطرب المحكوم بفسيفساء السياسة ومعادلة التوازن الطائفي المعروفة.

فلا ريب أن الصاروخين اللذين سقطا على الضاحية الجنوبية في بيروت التي تشكل المعقل الرئيسي لحزب الله قبل أيام، والهجوم الدموي على إحدى نقاط الجيش اللبناني الحدودية مع سوريا الذي ذهب ضحيته عدد من الجنود، ومن قبلهما الاشتباكات الدامية التي جرت في طرابلس، وضعت لبنان بكامله على المحك، وشكلت نقطة تحول رئيسية في مسار الأزمة السورية المعقدة، المتشعبة الخلفيات والاتجاهات.

بين يدي هذه التطورات المتسارعة التي تحاول إشاعة الفتنة في الفضاء اللبناني، وتستهدف إضافة جرح جديد إلى جرح الأمة النازف في سوريا، لا يبدو في الأفق ما يشير إلى محاولات فرملة عكسية لمسار الفتنة والانزلاق إلى الهاوية، ولا يرشح من سيول التصريحات التي تحفل بها الساحة السياسية والإعلامية ذات العلاقة بالأزمة السورية ما يُنبئ عن جهد ما لدرأ الفتنة المذهبية وإعادة رأب الصدع الذي يضرب وحدة أمتنا ويهدد حاضرها ومستقبلها.

لم يفت الأوان بعد، ونزف الدم في سوريا ينبغي أن يتوقف في أقرب وقت، وينبغي أن يبقى لبنان بمنأى عن شبح الفتنة والتمزق والاقتتال، ويجب أن يُصار إلى بلورة أقصى الجهود عربيا وإسلاميا لاستنقاذ سوريا ولبنان، ومعهما وحدة الأمة وقواها الحية من خطر التفتيت والتشظي والانقسام.

صحيح أن الأوان لم يفت بعد، لكن الإيغال في تفاصيل اللحظات الدامية الراهنة قد يقطع خطوط الرجعة أمام الحلول السياسية المتوخاة، ويجعل من استمرار نزف الدماء أمرا واقعا خارج نطاق التسوية والمعالجات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة