طلقة في ظلام أبيي   
الثلاثاء 21/6/1432 هـ - الموافق 24/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


صوت النار في اتفاقية كادوقلي
أبيي داخل الدستور وخارجه
عندما يشهد مجلس الأمن

طلقة واحدة في الظلام أشعلت فتيل التوتر من جديد في منطقة أبيي جنوبي السودان التي يتقاسم أراضيها قبيلتا المسيرية (شمالية من أصول عربية) ودينكا نقوك (جنوبية من أصول أفريقية).

لم تكن كقصة الكاتب المصري محمود البدوي "طلقة في الظلام" فحسب، وإنما تعدى الوضع الماثل في أبيي زمن المقاومة وأدبها إلى زمن مسكون بالنزاع الأبدي، حيث يزعم الطرفان هناك في الحد الفاصل في أبيي، بين دولتي الجنوب والشمال السوداني أن كلاً منهما هو صاحب الحق والمعتدى عليه.

جاءت الطلقة فجر الجمعة 20 من مايو/أيار الجاري، من مصدر مجهول فكان الرد من الجانبين المتوجسين، حممٌا من فوهات الأسلحة الثقيلة وقذائف للاتهامات بالعدوان من الجانبين لتعلن القوات المسلحة للسودان الشمالي، أبيي المكلومة "منطقة حرب".

صوت النار في اتفاقية كادوقلي
تم تكليف زعماء الإدارة الأهلية من قبيلتي المسيرية، ودينكا نقوك للتوقيع على اتفاقية كادوقلي، التي تمت في يناير/كانون الثاني من هذا العام 2011م، إلى جانب وزيري الداخلية بحكومتي الشمال والجنوب وذلك لثقة شريكي الحكم -حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان- في دور هؤلاء الزعماء ومكانتهم عند أهل القبيلتين.

هذه هي الصورة الزاهية لاتفاق كادوقلي، أما نقيض الصورة فحملته أيام يناير/كانون الثاني مخفياً وسط بهجة نتيجة استفتاء جنوب السودان والتي قضت بانفصال الجنوب، إلا أنه ترعرع في مارس/آذار ومايو/أيار من هذا العام.

فالاشتباكات وتزايد أعداد القتلى والجرحى في الصراع بين القبيلتين طغى عليه حلم تحقق الدولة المستقلة، وما إن ذهب الجنوبيون إلى جنوبهم حتى أخذوا يتحسسون هذا الجرح في الخاصرة.

"
فرض اتفاق كادوقلي واقعاً لم يلتزم الطرفان (المسيرية ودينكا نقوك) بأيٍّ من بنوده رغم التوقيع, فأفرز تداعيات فتحت الطريق على نيران صراع قديم متجدد
"
لم تندمل جراح حتى تفتحت أخرى بقطع الطريق القادم إلى أبيي من جهة الشمال وقطع الطريق أيضاً على مسارات الرعي لقبيلة المسيرية المتجهة إلى الجنوب، ليحدد كل طرف وجود الآخر بتكتل عسكري دون تحديد لطبيعة مهمته.

في ظل تطور هذه الأحداث ما كان بالإمكان الرجوع إلى ما قبل الاستفتاء، ولكن الحل الوحيد كان في احتواء أحداث العنف بتوقيع اتفاق بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك وهو ما تعارف عليه باتفاق كادوقلي بولاية جنوب كردفان.

يقضي هذا الاتفاق بدفع الديات والتعويضات لأحداث عام 2010م، كما يؤمن على فتح الطرق والمسارات لضمان الرعي. ولتنفيذ آليات هذه الاتفاقية فقد تم الاتفاق أيضاً على أن تكون مسؤولية الجاني شخصية في الجرائم الجنائية أمام القانون وذلك حتى تتم السيطرة على معظم التفلتات الأمنية وحتى لا تؤخذ القبيلة كلها بذنب فرد واحد.

وقبل أن يحقق الاتفاق الحلول المرتجاة، نكص كل جانب عن الاعتراف بحق زعماء الإدارة الأهلية بالتوقيع على اتفاق رأوا أنه يعزز وجود الجانب الآخر في المنطقة مما اعتبروه تساهلاً وتنازلاً عن كثير من الحقوق.

وهكذا فقد تبخر إيمان زعماء الإدارة الأهلية الذي قدموا به للتوقيع على الاتفاقية بأن الأصل في العلاقة الأزلية بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك هو السلام والتصالح والتعايش السلمي والتمازج والتصاهر، والعيش معاً كشركاء في الكلأ والماء والأرض، لأن قلق المنتقدين للاتفاقية يسّرع من وتيرة إعلان أبيي شمالية أو جنوبية في وجودها، مع وجود كيان آخر مقيم على الأرض هو الوجود العسكري.

فرض اتفاق كادوقلي واقعاً لم يلتزم الطرفان بأيٍّ من بنوده رغم التوقيع فأفرز تداعيات فتحت الطريق على نيران صراع قديم متجدد تم فيه حرق مناطق بمن فيها وما فيها.

أبيي داخل الدستور وخارجه
لكل من شريكي الحكم في السودان أكثر من وجه ولسان. نفس التعدد في الوجوه والألسنة الذي غنى علناً بوحدة السودان كوطن يشمل الكل وعمل سراً لانفصال الجنوب. ما عاد ينفع تغني العلن أو السر بإعلان شمالية منطقة أبيي أو جنوبيتها، فمنذ الاستفتاء وأبيي بقعة متوقع اشتعالها قبل إعلان دولة جنوب السودان في يوليو/تموز القادم.

وقد كان مقرراً أن يجرى استفتاء على منطقة أبيي في يناير/كانون الثاني الماضي ليقرر سكان المنطقة الانضمام إلى الشمال أو الجنوب، إلا أن خلافات حول من له الحق في التصويت دعت إلى تأجيل الاستفتاء.

في أوائل شهر مايو/أيار الجاري أقرت حكومة الجنوب تضمين أبيي المتنازع عليها مع الجنوب في دستور الدولة الوليدة، مما دعا الرئيس السوداني عمر البشير إلى التهديد بعدم الاعتراف بدولة الجنوب المنتظر إعلانها في يوليو/تموز القادم إذا تضمن دستورها منطقة أبيي.

قرار حكومة الجنوب كان نتيجة طبيعية لإصرار أبناء دينكا نقوك على أن منطقة أبيي جنوبية بالأساس وتم تحويلها إلى الشمال في عام 1905م، ونابع أيضاً من قناعتهم بأن محكمة التحكيم الدولية بلاهاي قد حددت في عام 2009م منطقة إقامتهم بفروع دينكا نقوك التسعة، ووفقاً لذلك فإنهم يرون أنهم وحدهم من يحق لهم التصويت في الاستفتاء على مستقبل المنطقة.

"
إذا أدخلت الحركة الشعبية أبيي ضمن دستورها أو لم تفعل فستظل أبيي منطقة نزاع حدودي لم تفلح في حلها الاتفاقيات, وإنما يُنتظر أن يتوافق الطرفان على مبادئ للتصالح والتعايش السلمي
"
أما تهديد الرئيس البشير فقد توافق مع تهديد قبيلة المسيرية باجتياح منطقة أبيي في احتجاج على هذا القرار وداعمة موقفها بأنهم هم أصحاب الحق في الأرض وما لدينكا نقوك إلا حق الجوار والقبول بمبدأ التعايش السلمي.

أما لماذا أقدمت حكومة الجنوب في نص مسودة الدستور المقترح للفترة الانتقالية لجنوب السودان على ضم أبيي بحلول التاسع من يوليو/تموز المقبل، وهي خطوة غير مضمونة النتائج، بل إنها قد تباعد بين ما تم إنجازه وحلم الجنوبيين في دولة مستقلة؟ فلعله تكتيك الصراع القائم رغم الجهود المبذولة لمواراة نيران الحرب تحت رماد اتفاقيات اليوم الواحد. ولعله شيء آخر تمتد أطرافه إلى أبعد من حدود دولتي السودان الشمالي والجنوبي معاً.

ولأن أبيي المسيرية هي نفسها أبيي دينكا نقوك، فيراها الطرفان كما يودان، وليس كما تؤكده الوثائق التاريخية. فإن أدخلتها الحركة الشعبية ضمن دستورها أو لم تفعل فستظل أبيي منطقة نزاع حدودي لم تفلح في حلها نيفاشا ولا لاهاي ولا كادوقلي وإنما يُنتظر أن يتوافق الطرفان على مبادئ للتصالح والتعايش السلمي.

وهذا هو عين ما رأت به أحزاب سياسية جنوبية خالفت حكومتها بضرورة إرجاء ضم أبيي للدولة الوليدة إلى حين إجراء استفتاء خاص بها.

عندما يشهد مجلس الأمن
الشاهد الدولي الأساسي والمؤثر في قضية أبيي بالغة التعقيد هو مجلس الأمن، ففي زيارته الأخيرة للسودان هذه الأيام ونيران أبيي تنفتح على الجميع، وصف مجلس الأمن الدولي، الهجوم الذي شنه الجيش الشعبي على بعثة الأمم المتحدة والقوات المسلحة في أبيي بالانتهاك الخطير لاتفاق السلام الشامل وبأنه عمل إجرامي غير مقبول، وفي ذات الوقت أدان رد الفعل الذي قامت به القوات المسلحة السودانية بدخول المنطقة لأنه يهدد بالعودة إلى الحرب.

لم تسعَ الحكومة السودانية لإيضاح هذه الصورة لمجلس الأمن وجهاً لوجه وإنما أصرت من وراء حجاب على أن إصدار الرئيس عمر البشير للمرسوم الجمهوري بحل إدارة أبيي ودخول القوات المسلحة إلى المنطقة التي نزح جميع سكانها لجنوب البحر، بأنها لا تقصد به السيطرة الأحادية وإنما الحفاظ على الأمن والاستقرار وقطع الطريق على الجيش الشعبي حتى لا يلتف على اتفاق السلام الشامل.

"
بإمكان أبيي أن تُشعل منطقة القرن الأفريقي، ويمكن للنزاع أن يتمدد إلى دول الجوار الأفريقي خاصة وأن تلك المنطقة ذات خبرة تاريخية طويلة في الحروب والنزاعات
"
في هذا الجو المشحون سياسياً وعسكرياً فإن مستويات الأزمة القائمة تأخذ مناحي عديدة. فعلى المستوى الداخلي لا تزال صراعات شريكي الحكم في أعنف وجوهها لا تنبئ بحل وشيك للأزمة. وعلى المستوى الإقليمي فإن منطقة أبيي بإمكانها أن تُشعل منطقة القرن الأفريقي، فيمكن للنزاع أن يتمدد إلى دول الجوار الأفريقي خاصة وأن تلك المنطقة ذات خبرة تاريخية طويلة في الحروب والنزاعات بما فيها جنوب السودان.

أما على المستوى الدولي فقد استطاع السودان من نافذة أبيي أن يعود إلى الأضواء من جديد. المشهد السياسي الدولي مشحون بالأحداث ولكن الأحداث الأخيرة في منطقة أبيي استطاعت أن تسحب الأضواء لتفسّر كيف يتم الانقلاب على الاتفاقيات قبل أن يجف حبر توقيعها.

وبالرغم من التدابير التي قادتها الأمم المتحدة لمنع حدوث نزاع مسلح بين دولتي شمال وجنوب السودان حتى لا تعرقل إعلان قيام دولة الجنوب، ولأن كل طرف يتوجس من الآخر فقد حشد الطرفان المنطقة بقواتهما حتى امتلأ بر أبيي، إلا أن الأمم المتحدة دعت إلى سحب العديد من القوات غير المصرح بها حسب اتفاق كادوقلي وسمحت لوحدة من القوات المشتركة من الجيش والشرطة من الجانبين بحفظ الأمن في المنطقة (الوحدات المشتركة هي قوات من الجانبين أنشئت بموجب اتفاقية السلام الشامل 2005م انتهت مهمتها باختيار الجنوب الانفصال في استفتاء تقرير المصير في يناير/كانون الثاني 2011م).

وقد أصدر رئيس مجلس الأمن الدولي بياناً قبل يومين من انفجار أبيي الأخير حث فيه طرفي اتفاقية السلام الشامل على الالتزام بتعهداتهما بالحل السلمي للوضع في أبيي، كما حث بعثة الأمم المتحدة للتصرف وفق الفصل السابع لحماية المدنيين، وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة فإنه يُسمح باستخدام القوة إذا لزم الأمر.

وكما أن هناك مستويات داخلية وإقليمية ودولية للأزمة فإن تحركات طرفي النزاع أيضاً تتم على مستويات عديدة. فبينما تبذل النخبة المثقفة من أبناء الجنوب جهوداً دولية لإثبات أحقيتها في تبعية أبيي للجنوب، يستخدم الشمال ممثلاً في حكومته أوراق ضغط كتلك التي لوّح بها الرئيس السوداني عمر البشير.

والضغوط من أي نوع لا تحل مشكلة إلا إذا تم إرجاء استفتاء أبيي لما بعد إعلان دولة الجنوب، ولكن الوضع الإداري والأمني لأبيي سيكون خطيراً ما لم تُكلف لجنة ممثلة من الطرفين لإدارة المنطقة، أما من الناحية الأمنية فلا بد من نزع السلاح وإعلان أبيي منطقة منزوعة السلاح وتسريح القوات المشتركة من الجانبين لتحل محلها قوات الأمم المتحدة (يوناميس) لحفظ الأمن.

"
ذهب الجنوب وبقيت معضلة أبيي، فبعد أن كان النزاع بين إقليمين داخل وطن واحد اتجه الآن إلى نزاع بين دولتين جارتين
"
بينما يقترب جنوب السودان من الإعلان الرسمي لدولته، تبرز قضية أبيي كأكبر خلاف من ضمن القضايا العالقة منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل بنيفاشا عام 2005م بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان.

ذهب الجنوب وبقيت معضلة أبيي، فبعد أن كان النزاع بين إقليمين داخل وطن واحد اتجه الآن وبفضل عدم توفر الإرادة السياسية لحل الخلافات، إلى نزاع بين دولتين.

فقبل اتفاق نيفاشا كانت أبيي تعتمد على حكمة زعماء قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك في حل خلافاتهما التي قلما سُمع معها قعقعة السلاح. أما ولسخرية الأقدار فإن الاتفاقية التي كان مرجواً منها السلام والوحدة حمّلها الساسة أكثر مما تحتمل فحققت الانفصال بدلاً عن الوحدة، والنزاع بدلاً عن السلام، وبوادر حرب لا تُسمع معها حكمة الحكماء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة