روسيا وتركيا.. صراع النفوذ وتحييد الخلافات السياسية   
الأربعاء 16/3/1436 هـ - الموافق 7/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:10 (مكة المكرمة)، 15:10 (غرينتش)
عامر راشد

البراغماتية الروسية والتركية نجحت في تحييد التأثيرات السلبية للخلافات السياسية على علاقات البلدين، خدمة للتعاون بينهما في قطاع الطاقة، لكن هل يكفي التحييد مرحلياً لبناء علاقات اقتصادية إستراتيجية متطورة.

الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأنقرة مؤخراً توجت شراكة اقتصادية تجعل تركيا -على حد وصف رئيس شركة "غازبروم" الروسية ألكسي ميلر- بمثابة "حنفية للغاز" الروسي المصدر إلى بلدان جنوب ووسط أوروبا، بعد إيقاف مشروع بناء "السيل الجنوبي" الناقل الغاز، لرفض بلغاريا مد الأنابيب عبر أراضيها، وكذلك نتيجة للعقوبات الاقتصادية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا.

كما تعتزم روسيا التسريع بإخراج أوكرانيا من معادلة نقل الغاز الروسي كدولة ترانزيت لما يقارب 50% من صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، وكان من شأن استكمال تنفيذ خط "السيل الجنوبي" أن يصل إلى النتيجة ذاتها عام 2018 تدريجياً بعد البدء في تشغيله الذي كان مقرراً عام 2015، قبل أن يعلن الرئيس بوتين إلغاء المشروع.

ضربة مزدوجة حققتها روسيا من اتفاق الشراكة الجديد مع تركيا، فهي -من جانب- تخفف من الخسائر المالية التي لحقت بها جراء إلغاء مشروع "السيل الجنوبي"، وباستطاعتها أن توظف مراحل التنفيذ المنجزة لنقل الغاز عبر تركيا بدل بلغاريا. ومن جانب آخر، تلوّح بتوجيه ضربة قوية لمناوئيها في العاصمة الأوكرانية كييف بحرمان أوكرانيا من عوائد ترانزيت نقل الغاز، ومن الأسعار التفضيلية الضرورية لاقتصادها المتدهور، ومنع تحكمها في معادلة تصدير الغاز الروسي.

ولا يخلو التوجه الروسي نحو شراكة اقتصادية مع تركيا (في قطاع الغاز) من منغصات سياسية، وربما يبرز في المستقبل المنظور تضارب جزئي في المصالح الاقتصادية

وهذا قد يشجع روسيا في المستقبل على اتخاذ مواقف سياسية عقابية أشد ضد كييف، ربطاً بتطورات الأوضاع في مناطق شرق أوكرانيا التي تنحدر أغلبية سكانها من أصول روسية، وتشهد حركة تمرد واسعة ضد الحكومة المركزية. دون إغفال أن مسار العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يلعب دوراً محورياً في تصعيد أو تخفيف الإجراءات السياسية تجاه الحكومة الأوكرانية، مع ملاحظة أن الكرملين يتصرف إزاء الأزمة الأوكرانية باعتبارها صراعا جيوسياسياً مع الغرب يقع في صلب المصالح الروسية العليا، ويفرض موازنات دقيقة لتجنب الوصول إلى قطيعة تامة مع كييف.

ولا يخلو التوجه الروسي نحو شراكة اقتصادية مع تركيا (في قطاع الغاز) من منغصات سياسية، وربما يبرز في المستقبل المنظور تضارب جزئي في المصالح الاقتصادية -على هذا الصعيد- تفرضه لعبة أوسع نطاقاً من العلاقات الثنائية الاقتصادية المتطورة بين البلدين.

فزيارة بوتين لأنقرة لم تخفف من حدة الخلافات بخصوص الملف السوري، وثمة حذر روسي من النشاط السياسي التركي في منطقتيْ القوقاز وآسيا الوسطى، رغم ما تبديه تركيا في خطابها وتحركاتها من حرص على التعاون والشراكة مع روسيا في هاتين المنطقتين الحيويتين، واللتين تعتبرهما موسكو قاعدة الارتكاز الأهم لمجالها الحيوي ونفوذها جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، بحكم العلاقات معها في عهد الاتحاد السوفياتي السابق، ولكونها تمثل خاصرة الأمن القومي الروسي.

في تقديرات خبراء ومحللين اقتصاديين روس وأتراك، سيتأثر التعاون المشترك بين البلدين في مجال تصدير واستيراد وتوزيع الغاز -في المدى المتوسط- بالعديد من العوامل السلبية نوعاً ما، ومنها سعي تركيا منذ سنوات لتنويع مصادر استيراد الغاز للاستهلاك المحلي، وميل دول الاتحاد الأوروبي للتقليل من الاعتماد على إمدادات الغاز الروسي، ورصدها استثمارات في البنية التحتية لنقل الغاز عبر البحر المتوسط، من المتوقع أن تتضاعف إثر اكتشاف احتياطي ضخم من الغاز الأحفوري في أعماق مياه شرق المتوسط.

ولذلك؛ فإن تعميق دور تركيا كموزع للطاقة يحتاج للاعتماد على أكثر من شريك مُصدّر -إلى جانب الشريك الروسي- مثل إيران وأذربيجان، وقد دخلت إسرائيل في قائمة الشركاء المحتملين لتركيا بعد تحول الأولى من مستورد إلى مصدّر للغاز، بفضل الاكتشافات الكبيرة في حقليْ "ليفياثان" و"تمار".

وهو ما سيضغط على روسيا في سوق الغاز من البوابة التركية، إلا أن حجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا وتركيا -التي تقدر حالياً بأكثر من 33 مليار دولار، ويتوقع لها أن تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً عام 2020- يجعل من روسيا شريكاً اقتصادياً إستراتيجياً هاماً لتركيا لا يمكنها الاستغناء عنه، وبالتالي قد تعطيه أنقرة امتيازات تفضيلية.

لم يغب عن حسابات أنقرة وموسكو -في ترتيبات علاقاتهما- أن كلاً منهما يمتلك ما يكفي من براغماتية للتغلب على العُقد التي تعترض العلاقات السياسية بين البلدين

نقطة أخرى لم تغب عن حسابات أنقرة وموسكو في ترتيبات ونتائج الزيارة التي قام بها الرئيس بوتين لأنقرة، وتتمثل في ثقة الطرفين بأن كلاً منهما يمتلك ما يكفي من براغماتية للتغلب على العُقد التي تعترض العلاقات السياسية بين البلدين، مثل الموقف من الصراع في سوريا، وعضوية تركيا في حلف "الناتو"، وتعاطيها مع قوى "الإسلام السياسي" العربية وخاصة "الإخوان المسلمين".

الرئيس بوتين لم يجد حرجاً في إعادة تأكيد موقف بلاده من الصراع في سوريا خلال مؤتمر مشترك مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، وردَّ الأخير بالتشكيك في شرعية الرئيس بشار الأسد، غير أن التأكيد أو التشكيك لم يبتعد عن سياق تنحية الخلافات جانباً، كمعطى لشبكة مصالح أوسع تمنع تحويل هذا الخلاف إلى عقدة منشار تعوق السير في طريق العلاقات بين البلدين.

وقد جُرِّبت البراغماتية التركية في عدم تأثر التعاون التجاري والاقتصادي مع إسرائيل رغم اتساع رقعة الخلافات السياسية بين حكومة أردوغان وحكومة بنيامين نتنياهو. ولم تمنع عضوية تركيا في حلف "الناتو" أنقرة من اتخاذ مواقف تتعارض مع سياسات دول الحلف، وآخرها الموقف من الحرب على "تنظيم الدولة الإسلامية"، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

إلا أن تباين المصالح التركية والروسية في آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأوسط، والافتقار إلى أجندة سياسية مشتركة، يضفي على العلاقة بينهما حتى الآن طابعاً تكتيكياً أكثر منه إستراتيجياً، وليس هناك ما يضمن استمرار نجاح الطرفين في عزل العلاقات الاقتصادية عن التناقضات السياسية، فروسيا ستظل تتعامل بعين الشك مع أي ثقل نوعي تركي بمنطقتيْ القوقاز وآسيا الوسطى في المناحي الدينية والثقافية والتعليمية، على خلفية التوجهات الإسلامية لحكومة "حزب العدالة والتنمية". وفي المقابل، تخشى تركيا من ممارسة روسيا لسياسة أكثر حزماً في آسيا الوسطى على غرار تعاملها مع أوكرانيا.

ويرى المراقبون والمحللون السياسيون في العاصمة الروسية موسكو أنه من غير المستبعد -مع مرور الوقت- بروز التنافس التاريخي الروسي/التركي مرة أخرى (إلى جانب لاعب ثالث مؤثر في المنطقة هو إيران) بمستوى قد لا تنفع معه البراغماتية، لكن ليس في المدى المنظور. ولا شك في أنه تتوقف أشياء كثيرة على حل النزاعات الإقليمية العالقة، وتطور شبكة المصالح الاقتصادية المتبادلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة