لماذا فشل أنان؟   
الخميس 1433/9/28 هـ - الموافق 16/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)
علي صالح العبد الله

أثار إعلان كوفي أنان عدم رغبته في التمديد له في مهمته التي تنتهي نهاية الشهر الجاري أسئلة عن الأسباب التي أدت به إلى الفشل، وعن حقيقة الذرائع التي أعلنها لتبرير هذا الفشل، ومدى دقتها؟

واقع الحال أن أنان قد أوقع نفسه في الفشل، وقد دفع بها في مسارات كرست هذا الفشل وجعلته كاملا شاملا، فقد انطلق في مهمته من فرضيتين خاطئتين، أولاهما اعتباره ما يحصل في سوريا تمردا على الشرعية، وإعطاؤه النظام موقع صاحب الشرعية والمدافع عن الدولة وعن السيادة، وثانيتهما أن قبول النظام بالمبادرة يعني أنه سيقبل حلا سياسيا متفاوضا عليه مع المعارضة.

بررت رؤية أنان للثورة كل أعمال النظام وشرّعتها، ووضعت الثوار في موقع الخارج على الشرعية، والمسؤول عن تفجير أزمة وطنية أدت إلى ضرب الاستقرار، وإلى وقوع مواجهات دامية، وتعريض استقلال البلد وسيادته للخطر عبر فتح الأبواب أمام التدخل الخارجي.

وقد تجلى ذلك في نصوص البروتوكول الذي وقعه معه -هو ورئيس فريق المراقبين الجنرال روبرت مود- إن في إطار التسليم له بحق التحفظ على جنسيات المراقبين وأشخاصهم، أو تحديده للأدوات التي سيستخدمونها بدءا من الهواتف المحمولة، وفرض استخدام هواتف محلية تمكن مراقبتها، ورفض السماح بهواتف فضائية تتصل عبر الأقمار الصناعية لا تمكن مراقبتها، إلى وسائط التنقل، ورفض استخدام المروحيات، مرورا بحقه وحده في مرافقتهم بذريعة حمايتهم، والتي ظهر دورها الحقيقي في التعرف على الناشطين واغتيالهم أو اعتقالهم فيما بعد، وتوزيع المساعدات الإنسانية عبر الهلال الأحمر السوري تحديدا.

واصل عنان هذا الطريق وقاده اقتناعه بقبول النظام بالخطة وأنه سيقبل حلا سياسيا متفاوضا عليه -على الضد من كل المؤشرات التي تشير إلى أن النظام يسعى عبر قبوله المعلن بالخطة إلى كسب الوقت ليس إلا- إلى غض طرف عن تهرب النظام من تنفيذ التزاماته، وإلى التسامح مع خرقه لوقف إطلاق النار منذ اللحظة الأولى، لكي لا يعكر صفو الاتفاق معه ويهدر فرصة إقلاع الخطة.

لو أن المبعوث الأممي والعربي قام بتنفيذ مهمته وفق النظرة الموضوعية التي تضمنتها المبادرة العربية التي تبنتها الأمم المتحدة وكلفته بالمهمة في ضوئها، لاختلفت قواعد اللعبة ووضعت النظام في موقعه الحقيقي كغاصب للسلطة وقاتل للمواطنين
لم ينظر أنان إلى ما يحصل في سوريا باعتباره ثورة شعبية ضد الاستبداد والفساد، وصراعا بين الشعب صاحب الشرعية ونظام اغتصبها واستخدمها خارج الأصول الدستورية والسياسية، وأن ما يحصل (الثورة) محاولة لتحرير الشرعية من غاصبيها وردها إلى صاحبها: الشعب، وسعي إلى إعادة السلطة إلى مصدرها كي يعاد تفويضها، وفق الأصول الدستورية والقانونية، إلى نظام جديد يحترم الأصول، وجعلها تحت رقابة صاحبها (الشعب) وفي خدمته.

لو أن المبعوث الأممي والعربي قام بتنفيذ مهمته وفق هذه النظرة الموضوعية -التي تضمنتها المبادرة العربية التي تبنتها الأمم المتحدة وكلفته بالمهمة في ضوئها- لاختلفت قواعد اللعبة ووضعت النظام في موقعه الحقيقي كغاصب للسلطة وقاتل للمواطنين، مفردات الشعب المالك الحقيقي والحصري للسلطة، ولوضع خطة مختلفة جزئيا أو كليا، تدين أعمال النظام الوحشية، وتنطلق من أولوية رحيله، وتركز على تحقيق مطالب الشعب في الحرية والكرامة.

لقد ترتب على نظرة أنان الخاطئة للواقع تغيير لطبيعة الواقع من ثورة شعبية تسعى إلى تحرير الشرعية والسلطة من غاصبيها إلى تمرد على الشرعية، وللهدف الحقيقي للمهمة من دعم مطالب الشعب باستعادة الشرعية والسلطة إلى سعي لإعادة الهدوء والاستقرار إلى سوريا، وتثبيت النظام كممثل للشرعية بمعزل عن موقف الشعب الرافض لهذا النظام، وقراره السيادي بإسقاطه.

قاد هذا الخلل في نظرة أنان إلى الحدث السوري والتعاطي معه وفق مقتضاها إلى الأخطاء الجسيمة التي قادت بدورها إلى الفشل الكامل الشامل، فبمقتضى هذه النظرة أخذ أنان مطالب النظام وشروطه على محمل الحق.

واعتبر مواقف النظام تعبيرا عن حرصه على الشرعية والدولة، وتمسكه بالبقاء في السلطة حماية لهما من قوى تعتدي عليهما، وسلم بصدق النظام والتزامه، ووثق بوعوده بخصوص وقف إطلاق النار وسحب الجيش من المدن والبلدات والقرى، ووقف القصف بالأسلحة الثقيلة، طالما أنه طمأنه على هدف الخطة: إعادة الوضع إلى الهدوء والاستقرار وعودة النظام والأمن إلى البلاد.

ولما لم يحصل كل ذلك انزلق أنان إلى خطئه الثاني بالتنسيق مع دول تقف مع النظام وتدعم خياره بالتمسك بالسلطة، مثل روسيا والصين، وانزلق أكثر عبر السعي إلى إشراك إيران في الحل، وهي دول تتبنى رؤية أنان للصراع وتنطلق من شرعية النظام وعدم شرعية الثورة عليه، وذلك لطمأنة النظام، وتوظيف هذه الدول في دفع النظام إلى تنفيذ خطوة أو بند من الخطة، بند وقف إطلاق النار، اختزلت الخطة إلى مجرد وقف القتل، كي يبرر أنان استمراره في مهمته بذريعة إقلاعها.

بينما تعاملت هذه الدول مع خطته باعتبارها وسيلة لكسب الوقت لتحقيق أحد الهدفين: نجاح النظام بسحق الثورة وبقاء الوضع في سوريا كما كان، أو نضوج صفقة مع الغرب حول المنطقة والعالم تتيح تعزيز المصالح الروسية والصينية والإيرانية.
لقد ألقى السيد أنان بالمسؤولية عما آلت إليه خطته على التنافس الدولي الذي قاد إلى انقسام المجتمع الدولي، وإلى ما سماها عسكرة الصراع، ناسيا أنه كلف بالمهمة بسبب انقسام المجتمع الدولي وعدم اتفاقه على حل للأزمة

وفي السياق، عقد أنان مع رأس النظام الصفقة المهزلة التي تقضي بوقف إطلاق النار بدءا من منطقة واحدة، وبعد تثبيته في هذه المنطقة تطبق الخطوة في منطقة ثانية وثالثة، وهكذا دواليك حتى نصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، دون أي اعتبار للفترة الزمنية التي سوف تستغرقها العملية، ودون مراعاة ما يمكن أن يحصل في المناطق الأخرى طوال هذه الفترة التجريبية، وعدد الشهداء الذين سيسقطون، والدمار الذي سيلحق بالبلاد.

لكن حتى هذه التفريعة لم تنجح في إطلاق الخطة لأن الدول -التي راهن عليها على خلفية تطابق نظرتها إلى الحدث مع نظرته، وتبنيها الكامل للخطة وتشجيعه على العمل على تنفيذها- لم تكن على ذات الإيقاع، فلها أجندتها الخاصة التي تعمل على فرضها باستثمار الحدث السوري.

أجندة أساسها الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية على قواعد اللعبة الدولية في الشروط الجديدة، وتوازن القوى الذي ترتب على تدهور الاقتصاد الأميركي، وتركيز واشنطن على الخروج منه عبر إعادة النظر في سياسة التدخل الخارجي، فلم تقدم له يد العون بالضغط على النظام كي يحترم تعهداته ويلتزم بما وافق عليه.

أدت هذه النظرة/المنطلق، والأخطاء التي ترتبت عليها، إلى بلوغ أنان طريقا مسدودا، دفعه إلى التخلي عن المهمة، لكن مع محاولة فجة لتبرئة الذات من المسؤولية عن هذه النتيجة الكارثة التي دفع الشعب السوري في ظلها ثمنا باهظا: آلاف الشهداء، ونزوح وهجرة ملايين، بعد تدمير أحياء وبلدات وقرى فوق ساكنيها، وقتل أحبتهم وذوي قرباهم.

لقد ألقى أنان بالمسؤولية عما آلت إليه خطته على التنافس الدولي الذي قاد إلى انقسام المجتمع الدولي، وإلى ما سماها عسكرة الصراع، ناسيا أنه كلف بالمهمة بسبب انقسام المجتمع الدولي وعدم اتفاقه على حل للأزمة، وأنه كان عليه أن يضع تصوره للحل في ضوء هذه الحقيقة، فقد كان عليه مثلا تحديد المطلوب من القوى الإقليمية والدولية كي تكون جزءا من الحل، والتأسيس لقاسم مشترك بينها يفتح الطريق لتنفيذ الخطة التي وضعها من جهة، ومن جهة ثانية تركيز الضغط على النظام باعتباره أس المشكلة وسبب تفاقمها، لإرغامه على تنفيذ وقف إطلاق النار وسحب الجيش.

وكان هذا ممكنا عبر إدانته لأنه لم ينفذ ما التزم به بقبوله بالخطة، وتحميله مسؤولية خرق وقف إطلاق النار الذي أعلن منذ بداية مهمته، وعدم تمرير خروقاته وانتهاكاته لحقوق الإنسان، غض أنان الطرف عنها إرضاءً لروسيا والصين وحرصا منه على صورته كمحايد، وهذا قاد إلى تفاقم الأزمة وإلى رفع وتيرة العنف من قبل النظام.

حديث عنان عن عسكرة الصراع كأحد أسباب الفشل كلمة حق أريد بها باطل، لأنها تتجاهل السبب الذي قاد إلى العسكرة: عنف النظام، بل تطرفه في استخدام العنف، ورفضه مطالب الشعب، والمبادرات التي طـُرحت سورياً وعربيا ودوليا

أما حديثه عن عسكرة الصراع كأحد أسباب الفشل فكلمة حق أريد بها باطل، لأنها تتجاهل السبب الذي قاد إلى العسكرة: عنف النظام، بل تطرفه في استخدام العنف، ورفضه مطالب الشعب، والمبادرات التي طـُرحت سورياً وعربيا ودوليا، فالعسكرة ليست سببا بل نتيجة، إنها نتيجة العنف الوحشي والدمار الذي مارسه النظام وسبب هذه الكوارث الإنسانية، وعدم الاقتناع بذلك جعل أنان، والجنرال مود، يساويان بين الجلاد والضحية عبر الحديث عن عدم التزام الطرفين بوقف إطلاق النار الذي أعلن، في قطع للأحداث عن سياقها.

فاللجوء إلى السلاح للدفاع عن النفس تم بعد أشهر من القتل والتدمير والتشريد واغتصاب النساء والأطفال، وحديثهما عن امتلاك طرفيْ الصراع لأسلحة ثقيلة، لم يأخذ بعين الاعتبار الفجوة التسليحية الواسعة، واستخدام النظام المفرط للأسلحة الثقيلة في قصف المدن والبلدات والقرى الثائرة، مما عنى عدم وجود مناخ لتحرك سياسي قبل لجم اندفاعة النظام العسكرية، وتكريس وقف إطلاق نار حقيقي وصلب كي يفتح الباب أمام التعاطي السياسي مع الأزمة.

كان على السيد أنان وضع النقاط على الحروف ووضع الأمور في نصابها، بدءا من تحميل النظام مسؤولية فشل الخطة، لأنه لم ينفذ ما التزم به بموجب موافقته عليها، وحلفاء النظام روسيا والصين وإيران، لأنهم لم يأخذوا خطوات عملية للضغط على النظام، كوقف تزويده بالسلاح والمال حتى ينفذ التزاماته، وواشنطن التي وقفت تراقب الصراع وتمنع دعم المعارضة كي لا يختل التوازن بين طرفيْ الصراع ويضطرها الموقف لأخذ إجراء عملي قبل أن تتضح صورة المساومة مع روسيا والصين وإيران، والاعتراف بأخطائه هو التي ترتبت على فهمه الخاطئ للحدث السوري، وأن يتحمل مسؤولية أخطائه بشجاعة.

في إطار التعليق على فشل أنان في تنفيذ خطة خريطة الطريق وحل الدولتين الذي اقترحته واشنطن للقضية الفلسطينية، وكان حينها أمينا عاما للأمم المتحدة، نشر كاريكاتير فيه أنان يضع عدسة مكبرة بحثا عن الطريق والرئيس ياسر عرفات يقول له "يا خوي يا كوفي ضيعت الطريق وبيدك خريطة الطريق". يبدو أن أنان أعاد الكرة فضيع الطريق وبيده خريطة الطريق، مع فارق يزيد مأساوية الصورة وهو أن الخريطة الحالية من وضعه هو.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة